يحتاج العالم الى إدارة دفة التغيير نحو تيار اصلاحي عام لإعادة بناء منظومته الثقافية والسياسية والاقتصادية والحقوقية وفق معايير إنسانية حقيقية تختلف عن الواقع الحالي الذي ظلم الانسان كثيراً بفساده وانحرافاته، وفرق بين أبناء الجنس الواحد وميزهم الى طبقات ومراتب، ونشر الجوع والفقر والحروب والتخلف والامراض البدنية والنفسية حول العالم، ليسود عالم الغاب بديلاً عن عالم الإنسانية، والاستبداد بدل العدل والانصاف، والجشع والمصالح محل الانصاف والرحمة، وهذا ما حذر منه المصلحون، ودعا اليه احرار العالم من اجل السعي الى اعادة الهوية الإنسانية التي سلبتها الدعوات المزيفة الى التطور والتقدم ومواكبة العصر، بينما لم تراع -في المقابل- الانسان وحقوقه، بل عمدت الى تغيير هذه الهوية بأخرى اعتمدت على المصالح الشخصية فقط.

في مقدمة من حمل هم خلق تيار إصلاحي عام لتغيير هذا الواقع الذي يعيشه المسلمون وباقي شعوب العالم بكل اخفاقاته كان المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي، وقد خصص الكثير من الوقت والجهد عبر الحديث والكتابة والمشاركة الفاعلة منذ شبابه في الدعوة الى تأسيس التيار الإصلاحي العام القائم على مقاومة الواقع الجديد والثقافة التي يحاول الغرب التأسيس والترويج لها عبر الغاء الثقافات الإنسانية المتنوعة وبناء ثقافة استهلاكية واحدة قائمة على استعباد الانسان وجعله اسيرا لرغباته المادية والمصالح والانانية.

كان الامام الشيرازي يطالب الجميع بتحمل مسؤولية الدعوة الى هذا التيار وجعله تيار عالمي بملامح إسلامية، لان الإسلام أقرب الطرق التي تصل بصاحبها الى الحق والصواب، والاستفادة من الاعلام بمختلف وسائلة الحديثة لنشر رسالة الإصلاح: "إن التيار الإصلاحي العام بحاجة إلى العديد من المنظمات بمختلف مسمياتها، والكثير من الأحزاب الحرة، كما هو بحاجة إلى مختلف وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة، والمرئية وما أشبه، كالمنابر والدروس والمحاضرات، والجرائد والمجلات وحتى النشرات الجدارية، وكذلك الراديو والتلفزيون والانترنيت والكتب واللافتات الصغيرة والكبيرة وما أشبه ذلك".

والسبب في ذلك ان هذه الوسائل هي ذاتها التي استخدمها الآخر من اجل إيصال رسالته المزيفة وايهام الاخرين، وخصوصاً الشباب، بان العالم الجديد قائم على المادية والتجرد من القيم والأخلاق والتبشير بعالم جديد قائم على الحرية الجسدية والمال والجنس: "ومن الواضح أن مثل هذه الأمور مثاليات وأحلام بعض الشباب والشابات، فإنهم يريدون المال والترف والجنس والشهوة والتحلل وما أشبه، فلا شيء حرام ولا شيء ممنوع ولا شيء ضار، ولا شيء مناف للعوائل وهادم للأسرة وموجب لعنوسة البنات، والحرية اللامسوؤلة إلى حد الإفراط المضر، بلا موانع ولا ضوابط".

ولكي يتم بناء تيار إصلاحي عام يتمكن من مقاومة الانحرافات الفكرية والثقافية ويعيد الإنسانية الى طريق الفطرة السليمة والأخلاق السليمة لابد من مراعاة مقومات الإصلاح التي هي بمثابة المقدمات لنجاح مشروع الإصلاح والتغيير، وقد ذكر السيد الشيرازي العديد من هذه المقومات الإصلاحية في كتابه المهم (التيار الإصلاحي) والذي أسس لفكرة خلق تيار إصلاحي عام بمستوى عالمي في مقابل الواقع الذي يعيشه المسلمون وغيرهم وما تسبب به هذا الواقع من تراجع كبير على مختلف المستويات، ومن بين هذه المقومات يمكن الإشارة الى بعضها بشكل موجز:

1. مقومات مادية:

 دعا الامام الشيرازي (رحمه الله) الى توفير الحياة الكريمة للإنسان من اجل انجاح الإصلاح وترسيخه داخل المجتمع، فلا يمكن ان يقاوم الانسان الانحرافات والمغريات المادية او يمنع نفسه من الوقوع في الخطأ والفساد وهو يعاني من الحرمان والجوع والفقر، لذلك طالب بتوفير السكن للجميع مثلما دعا الى تحصين النساء ورفض عزوبية الشباب، إضافة الى توفير فرص العمل لكل انسان وبهذا يمكن توفير البديل الناجح.

2. مقومات أخلاقية:

 هي المقومات التي تدور في فلك المجتمع القائم على العفو والتسامح وحسن الخلق والآداب العامة ومنهاج اللاعنف كطريق للحياة وتسيير الأمور العامة والخاصة داخل المجتمع، لكي تستقيم الحياة وينعم الجميع بالسلام والامن ونبذ العنف الذي غالباً ما يكون منطلق لكل الشرور: "التمسك باللاعنف كمنهج في جميع الأمور، كما فعله رسول الله وأهل بيته الطاهرون (صلوات الله عليهم أجمعين)، واللاعنف جار في القول وفي الفعل، وهذا من أهم الأمور التي تحتاج إلى التربية، وإلا فكثيراً ما يجنح الإنسان للعنف في قبال العنف".

3. مقومات الدولة العادلة:

 كثيراً ما تطرق الامام الشيرازي في كتاباته ومحاضراته الى وجوب دعم ومناصرة الدولة القائمة على العدل والانصاف ومراعاة مواطنيها، ورفض ومحاربة الدول التي قامت على الاستبداد والظلم ومصادرة الحقوق والحريات واعتبارها دولا ظالمة مصيرها الى الزوال، لذلك فان من اهم مقومات الإصلاح هو التأسيس للدول الصالحة من خلال:

ا. الحكومة الصالحة

ب. الحريات   

ج. الانتخابات الحرة   

د. مبدأ الاستشارة

ه. تقليل السجون

و. لا للنفي عن البلاد، لا للتعذيب

4. المقومات الفردية للإصلاح:

 والتي حث فيها الانسان (الفرد) على تطوير مقوماته الفردية الإصلاحية ليكون جزء من نجاح الإصلاح الذي يقع على عاتقه مثلما يقع على عاتق المجتمع أيضا، فلا يمكن تصور نجاح أي تجربة إصلاحية داخل المجتمع وافراده يقفون موقف المتفرج من دون المشاركة وتحمل المسؤولية التي توزع على افراده بحسب مواقعهم، ومن أبرز هذه المقومات:

ا. عدم تأييد الظلمة

ب. التعاون

ج. العمل دائما

وقد تطرق السيد الشيرازي الى مقومات إصلاحية أخرى تناولت الجوانب الاقتصادية والثقافية والإسلامية وغيرها، حاولت ان ترسم صورة واضحة المعالم لعالم يخلو من المشاكل والعنف والاستبداد ويسوده التسامح والسلام والصلاح وهي صورة يمكن تحقيقها إذا تكاتف الجميع (افراد، مجتمع، أحزاب، منظمات، حكومات) وساروا في طريق الإصلاح.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2021
http://shrsc.com

 

اضف تعليق