يبحث مبدأ الشورى في السياسة والحكم بما يحقق النجاح للنظام الحاكم، وبخلاف هذا المبدأ نكون أمام الاستبداد والاستئثار (الديكتاتورية)، وقد فصّل العلماء في المآلات الكارثية لتغييب الشورى، او التقليل من شأنها، او ابعادها على المنهج السياسي بشكل عام، وكيف أنها جرّت على البلاد الاسلامية الكوارث، كون القرارات لا تأتي إلا من شخص واحد لا غير، ولا تأتي من مجلس شورى حقيقي، وتطبيق واقعي لمبدأ الشورى.

و ظهرت كتابات عدّة في هذا المجال لتبيين أهمية هذا المبدأ في حياة الأمة، منها كتاب "الشورى في الاسلام"، للمرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- الذي تناول الموضوع فقهياً وعلى قاعدة الاحكام الاسلامية، مثل؛ "موارد إلزام الشورى"، ومسألة التطبيق، وايضاً؛ "حدود الشورى" وأنها تضمن سلطة الانسان على نفسه وماله بالشكل الذي لا يتجاوز حقوق الآخرين.

وكل هذا ما لا يختلف عليه إثنان، حتى أن جميع الانظمة السياسية في العالم، بما فيها الديكتاتورية، تدّعي "الشوروية" وأنها تعبر عن آراء الناس من خلال مجالس "الشورى"، و"الأمة"، و"الشعب". و"مجلس قيادة الثورة"، وغيرها، إنما القضية في القاعدة التي ينطلق منها هذا المبدأ الحضاري، وهي؛ المجتمع والامة بشكل عام، فالذي يعتلي كرسي الحكم لا يأتي إلا من أوساط الناس، سواءً أكان عسكرياً، او أكاديمياً، او حتى طالب في الحوزة العلمية، فالنزعة للاستبداد والاستئثار، إحدى الخصال الاخلاقية، كما هو الصدق، والامانة، والتسامح، وغيرها من الصفات الاكتسابية القابلة للنمو منذ نعومة الأظفار، ضمن منهج تربوي وأجواء خاصة، فعندما نرى مسؤولاً أميناً على أموال الناس في أي موقع كان، فان احد العوامل نجده في الانعكاس الدقيق للمنهج التربوي التي تلقاه في صغره بين افراد عائلته، والعكس بالعكس تماماً.

لذا فان الشورى قبل ان تكون نظرية للحكم، ومعيار لمدى ديمقراطية النظام السياسي، فانه ثقافة اجتماعية تسود الافراد، وهذا ما أشار اليه المرجع الراحل في عديد مؤلفاته وأحاديثه بأن الشورى تُعد حالة وسلوك انساني ينبغي ان يبدأ من البيت الصغير، حيث تعامل الأب مع زوجته، ومع أولاده، ثم يتوسع في المنطقة السكنية ومع الجيران، ومن ثمّ في محيط العمل، حيث العلاقة بين مدير المعمل، او مدير الدائرة مع الموظفين، حتى نصل الى هيكلية الدولة بشكل عام، "فالمشكلة ليست فقط في الحكام المستبدين والمتزلفين الذين يدورون حوله وينالون من ماله وجاهه، بل الطامة الكبرى في الرحم التي تولّد هؤلاء الحكام، وهي الأمة، فإذا لم تكن الأمةُ ضعيفة وفيها قابلية لتقبل الاستبداد، لما كان بإمكان الحكام الطغاة من السيطرة عليها ، فالأمة إذا صارت كالجسم الضعيف تسلط عليها المرض من كل مكان ، بينما الأقوياء لهم المناعة في طرده عن أجسامهم".

وهذا المرض الذي يتحدث عنه سماحة المرجع الراحل افتراضاً للمجتمع، هو نفس المرض الخبيث الذي يصيب زعيم الدولة عندما ينتشر في كيانه فيروس الاستبداد بالرأي، وكذلك الحال بالنسبة لمؤسسات الدولة الاخرى، بل وحتى المؤسسات الثقافية، فهذه الحالة المرضية لا تعرف الحدود ما دام عقل الانسان ونفسه؛ الارضية الخصبة لنموها.

وعندما يكون الاستبداد السبب الأول للقرارات الكارثية، وما يتسبب بإزهاق الأرواح، وتدمير الحرث والنسل، وحصول مختلف اشكال الانحراف في الأمة، فان الشورى نرجو منها أن تكون صمام الأمان لابناء هذه الأمة، وهذا لا يتحقق بعطية تأتي من الخارج، كما هي الديمقراطية التي تدّعي الحكومات الغربية أنها تصدرها الى بلادنا من خلال الحروب، إنما هي تتمخض من رحم الامة والمجتمع.

ورب سائل عن أن هذا قد يوحي للحكام المستبدين وأحزاب السلطة بوجود المبرر للاستمرار في أعمال النهب والفساد بدعوى قبول المجتمع بهذا الواقع؟ وهذا سؤالٌ وارد وصحيح في جانب منه، بيد أنه على المدى البعيد، وفي مسيرة التغيير الاجتماعي لن ستكون الطبقة السياسية الحاكمة في حال آخر اذا تحولت الشورى، او الاستشارة، الى سلوك اجتماعي فان ما يتمخض عن هذا المجتمع سيكون نظيراً له، حتى وإن زاغت قلوب الساسة على حين غفلة، واراد البعض التسيّد والتطاول في المنصب الذي فيه، فانه يحسب ألف حساب للجماهير وللشريحة المثقفة معها بانها لن تمهلها طويلاً حتى تطيح بها عندما تكون صورة الأداء السياسي في عيون الناس جميعاً – او معظمهم- سيئة وقبيحة ومحكومٌ عليها بالاستبداد والديكتاتورية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6