إسلاميات - الإمام الشيرازي

قادة التغيير ومنهج الاكتفاء الذاتي

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

تسعى الامم والبلدان المتقدمة، نحو تحقيق أرقى درجة من العيش المرفّه والمكتمل، من خلال بناء اقتصاد سليم، ومنظومة أفكار وسلوكيات راقية وعلمية ومنضبطة، تقود الدولة الى الاستقرار اولا، ومن ثم فتح الابواب الواسعة نحو التطور في جميع المجالات، ولاشك أن هناك عناصر وعوامل ومقومات، يمكنها أن تبني اقتصاد الدولة بطريقة علمية، تجعلها في مصاف الدول المتقدمة.

ومن اهم هذه المقومات والعوامل المساعدة على تحقيق ذلك، هو الاكتفاء الذاتي (Autarky) أو الاقتصاد المغلق (Closed Economy) ويقصد به أن يعتمد بلد ما على إمكانياته الخاصة للحصول على احتياجاته من السلع الاستهلاكية والاستثمارية، بهدف التقليل من مستوى التبعية السياسية والاقتصادية للدول الأخرى، وبالتالي تحقيق درجة أعلى من الاستقلالية في قراراته ومواقفه الدولية والداخلية، ولا يعني الاكتفاء الذاتي بأي حال من الأحوال وقف أو قطع التبادل التجاري مع الدول الأخرى، وإنما إعداد وتأمين شروط وظروف داخلية وطنية لتحقيق ربحية أعلى للتبادل الاقتصادي، عبر قنوات تقسيم العمل الدولي وذلك رغبة منه في تنمية الإنتاج المحلي كميا ونوعيا.

هذا يعني أن الدولة لكي تحقق الاكتفاء الذاتي عليها أن تلجأ الى مواطن ومكامن القوة الموجودة لديها، لاسيما في مجال الانتاج بأنواعه ومجالاته كافة، بمعنى على الدولة ان تلجأ الى قدراتها الذاتية الى اقصى حد ممكن لاستثمار مواردها الذاتية بصورة افضل، والكف عن الاعتماد على التجارة الخارجية، وايجاد البدائل الوطنية المناسبة، لسد الحاجة المحلية.

يقول الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيّم الموسوم بـ (ممارسة التغيير)، حول هذا الموضوع: (يجب اجتناب التجمل مطلقاً، فالأواني ينبغي أن تُصنع من الخزف ونحوه مما تصنعه نفس البلاد، والآلات من النخيل والأشجار- ولا أنسى كيف أن كربلاء المقدسة كانت تعطي من النخل فقط ثلاثين قسماً من الصناعة- وتكون الفرش من القطن والصوف مما يُنسج باليد، وتُصنع الأدوية من العقاقير والأعشاب مما تنتجه البلاد).

ويصرّ الامام الشيرازي في مناقشته للاكتفاء الذاتي على أهمية استثمار أدق الإمكانات المتوافرة للدولة، ولابد لها من اجل النجاح في مسعاها للاكتمال، أن تستثمر كل الموارد المتاحة لها، والموارد هنا تشمل البشرية والثروات الطبيعية، وما شابه، حتى يمكنها الامتناع عن استيراد السلع بكل انواعها واستعمالاتها، من خارج الدولة وقدراتها الذاتية.

لذلك يضيف الامام الشيرازي قائلا في هذا المجال: (ينبغي أن يكون المأكل من منتجات البلاد لحماً أو فروعه ومن الثمرات، وتكون المراكب الخيل والبغال والحمير، والضياء من الشمع، والمساكن من الآجر والجص والخشب إلى غير ذلك).

تأثير حافز التغيير

بطبيعة الحال ليس من السهل الوصول الى الاكتفاء الذاتي في حدود قدرات وموارد الدولة فقط، لاسيما أننا نعيش في عصر الانفتاح العالمي بين الثقافات وطرق العيش وانماط الحياة، فوسائل الاتصال اصبحت في متناول الجميع اليوم، حتى الشعوب الفقيرة بات بإمكانها الاستفادة من وسائل الاتصال كي تتأثر بالدول المرفَّهة، لذلك يعد تحقيق الاكتفاء الذاتي من المشاكل التي تقلق الدول، وفي بعض الاحيان يمثل مشكلة كبيرة من حيث الوصول الى هذا الهدف في ظل عالمنا اليوم، ولكن عندما يوجد هناك حافز للتغيير، فإن الامور سوف تكون أقل صعوبة، بل ان تحقيق الاكتفاء الذاتي مرهون بالحافز الذي يحث الجميع على السعي نحو تحقيق هذا الهدف.

كما يؤكد ذلك الامام الشيرازي في قوله بكتابه المذكور نفسه: (من الواضح أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يمثل مشكلة وأحياناً مشكلة كبيرة جداً، إلا أنه إذا وجد في الأمة حافز التغيير لابد أن يسهل الأمر كما نرى ذلك بالنسبة إلى الأمم التي تريد التقدم).

ولا شك أن الرغبة في التعيير نحو الافضل، لها تأثيرها الكبير في هذا الجانب، ولكن في حقيقة الأمر، يبقى حافز التغيير هو المؤثر الاول في هذا المجال، كونه يساعد على ظهور الطاقات الخفية الكامنة للأمة، والتي غالبا ما تكون طاقات مهمة وراقية وجميلة جدا، كلها تظهر تحت حافز التغيير والحاجة إليه، على العكس مما لو غاب هذا الحافز، فإن الخمول والكسل سوف يهيمن على الجميع، وعند ذاك تنطفئ جذوة الرغبة الحقيقية للتغيير نحو الافضل، من هنا يكون الحافز مهم جدا، من اجل الانطلاق الحقيقي لتغيير الامة.

لذا يرى الامام الشيرازي، كما نلاحظ ذلك في كتابه (ممارسة التغيير): (إن حافز التغيير يُظهر في الأمة قدرات هائلة لم تكن ظاهرة بل غالبا ما تكون مغمورة من دون فاعلية، أما إدارة التغيير فهي التي تظهر قدرات الامة وتكون بمثابة الأزهار والأوراد والثمار التي تظهر إذا زرعت بذورها في الأرض بصورة صحيحة).

ممارسو التغيير نموذجا للآخرين

بطبيعة الحال هناك ضغوط اقتصادية تنتج عن خطة تحقيق الاكتفاء الذاتي للدولة، لاسيما في ظل طبيعة العيش بعالم اليوم، كما ان التداخل في الثقافات بسبب وسائل الاتصال والاعلام له تأثير كبير أيضا، كما ان الاكتفاء الذاتي يحتاج الى سياسة تقشف قد تكون طويلة الامد، وتنطوي على تقليص شديد في النفقات، والتخلي عن الكماليات، الامر الذي يصنع بونا شاسعا بين مجتمعات الرفاهية، والمجتمعات التي تسعى نحو الاكتفاء الذاتي حتى تتخلص من ربقة الاستعمار الاقتصاد، فهو شكل من اشكال الاستعمار لا يزال قائما حتى اللحظة، بل هو الآن يمثل بديلا للاستعمار العسكري المرفوض دوليا، لذلك لجأت الدول الاستعمارية الى هذا النوع من الاستعمار من خلال الاقتصاد، وجعل الدول تابعة ومحتاجة لها.

لذلك لابد لقادة التغيير أن يقنعوا الشعب بسياسة التقشف، وان يكونوا نماذج للشعب في هذا المجال، لأن القائد السياسي عندما يعيش برفاهية وسعادة وبذخ هو وذويه، ثم يطلب من الشعب ان يمارس التقشف، عند ذاك لا يمكن للشعب أن يقتنع بهذه السياسة التي تطبق في هذه الحالة على الفقراء فقط، اما اذا اراد قادة التغيير التأثير الفعلي بالشعب، فعليهم ان يكونوا نماذج لهم في تطبيق التقشف.

من هنا يؤكد الامام الشيرازي قائلا في هذا المجال: (اذا اتخذ الممارسون للحركة التقشف والاقتناع بمنتجات البلاد ونحوها يكونون قد قضوا -بذلك- على نصف الاستعمار على أقل تقدير، فإذا سرت هذه الروح في الأمة لا بد، وأن ينحسر الاستعمار - الاقتصادي- عن البلاد).

ولابد لمن يقود التغيير ان يضع قدراته المادية والمعنوية كافة في خدمة الهدف الذي يسعى إليه، واهم نقطة في هذا الجانب، ممارسة التقشف بصورة فعلية، والعيش كما يعيش الشعب بالضبط، حتى تكون هناك جدية للشعب في الالتزام بهذا المبدأ، فإذا كان قائد التغيير غنيا عليه أن يسهم بالاموال الفائضة ويضعها في صالح التغيير، حتى يثبت للجميع او لعامة الناس ان قادة التغيير جادون في تحقيق النصر الاقتصادي على الاستعمار من خلال السعي الدؤوب والمثابرة المتواصلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي للدولة.

لهذا يؤكد الامام الشيرازي في كتابه نفسه قائلا: (على الممارسين للتغيير التقشف والاكتفاء الذاتي، فإن كان الممارس للتغيير غنياً يصرف الفائض من امواله لصالح التغيير).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3