يقول الامام الشيرازي الراحل (قدس سره): (الأصل في الإسلام هو المساواة بين أفراد البشر في الإنسانية والبشرية)..

(إن الناس جميعاً خلقوا من نفس واحدة وهو آدم عليه السلام وزوجته وهي حواء عليها السلام).

(إن الناس متساوون في الواجبات والحقوق في غير ما استثني لحكمة عقلية، ومقتضى كل ذلك هو السلم والسلام العام، فالجميع أمام شريعة الله تعالى سواء، فشريعته سبحانه تسري على الغني والفقير، والكبير والصغير، والحاكم والمحكوم، والفاضل والمفضول، أما المفاضلة الطبقية وما أشبه فهي توجب النزاعات والحروب وتكون سبباً لكثير من مصاديق العنف). كتاب فقه السلم والسلم.

 (الإنسان بحاجة إلى المساواة في القانون حتى لا يكون إنسان أنزل من إنسان آخر، بينما كلاهما في الإنسانية متساويان، سواء في العبادات أو المعاملات أو الأحكام، كالإرث والنكاح والطلاق والديات والأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية وغيرها، وخلاف ذلك ما يشاهد في كثير من البلاد من ترجيح لغة على لغة، أو عنصر على عنصر، أو لون على لون، أو كون الإنسان من أهل جغرافيا خاصة على إنسان هو من أهل جغرافيا غير ذلك). كتاب فقه الدولة الاسلامية.

(لكل إنسان الحق في القضاء المتساوي مع الآخرين، فلا حق للقاضي أن يقول: إن هذا عالم فهو مقدم على الجاهل في القضاء، فيعطي للعالم الحق دون الجاهل، أو يقول هذا شريف، أو ثري، أو سلطان، أو ذو عشيرة، وذاك غيره، أو هذا من وطني وذاك أجنبي، أو غير ذلك).كتاب فقه الحكم في الاسلام.

يعتبر الدين الإسلامي أول من تبنى الدعوة إلي الحفاظ علي كرامة الإنسان، باعتبارها الغاية الأولي لحقوق الإنسان، فالكرامة الإنسانية كانت من أسس خلق الإنسان، حيث أثبت له الله سبحانه وتعالى الخلافة في الأرض، وسخر له كل ما فيها، كما أفاض عليه من نور علمه ما لم يعطه للملائكة، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى حين سواه ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له سجود تحية وتقديرا، وليس سجود عبادة، فإنه لا يكون سجود العبادة إلا للخالق العظيم سبحانه، قال الله تعالى: فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبي أن يكون مع الساجدين. (سورة الحجر، الآيات 29-31) ولم يكن سجود الملائكة لخلق الإنسان إلا إيذانا بإثبات الكرامة له مع خلقه وإشعارا بوجودها كمعلم من أهم معالم حياته. وقد حسم القرآن الكريم قضية الكرامة الإنسانية حين قال: ولقد كرمنا بني آدم. (سورة الاسراء، من الآية 70) فدل ذلك على أنها من خصائص الإنسان، ومن أهم مقومات وجوده. وكرامة الإنسان على النحو المقرر في التشريع الإسلامي تمثل - في حد ذاتها - حقا من أهم حقوق الإنسان، إذ هي صنو حياته، ولهذا كان لها من الاهتمام والعناية في التشريع الإسلامي، ما يرتقي بها في المحافظة عليها إلي ما يحافظ علي الحياة ذاتها.

منذ القرن التاسع عشر اصبحت حقوق الانسان مطلبا ملحا عبرت عنها الكثير من دعوات المفكرين والمصلحين، واصبحت في القرن الواحد والعشرين متضمنة في الكثير من المواثيق الدولية ودساتير الدول.

وفي حين أكدت بعض المواثيق الدولية علي ضرورة حماية كافة حقوق الانسان وكفالتها لجميع الأفراد علي قدم المساواة، فقد اهتمت مواثيق دولية أخري بالتأكيد علي الحق في المساواة في حق أو أكثر من الحقوق كالحق في التقاضي، أو في مجال معين، مثل المساواة في الأجر أو التعليم أو حظر التمييز بين الجنسين، أو التمييز العنصري بوجه عام.

يحتل الحق في المساواة مكان الصدارة بين كافة حقوق الإنسان، باعتباره ضمانة أساسية لكفالة التمتع بباقي الحقوق المعترف بها للأفراد في أي مجتمع سياسي، بالنظر إلي أن توفير الحماية لأي حق من هذه الحقوق لابد وأن يتم في إطار من المساواة، وإلا كان ذلك إخلالا بالحق ذاته وانتقاصا منه، هذا فضلا عن أن المساواة تعد مبدأ هاما من مبادئ القانون، تحرص معظم المواثيق العالمية ودساتير الدول علي تضمينه نصوصها وتوفير آليات صونه وحمايته.

ثمة اتفاق على أن جوهر هذه المساواة هو المساواة أمام القانون، بما يعني خضوع ذوي المراكز القانونية المتماثلة لمعاملة قانونية واحدة، علي نحو يتناسب مع أهداف القانون. ويقتضي ذلك عدم التفرقة في المعاملة بين المستفيدين من خدمات المرافق العامة والمتعاملين معها، حتي وإن أوكلت إدارة هذه المرافق للقطاع الخاص، وتتطلب مساواة الأفراد أمام القانون أيضا عدم التمييز بينهم في تحمل التكاليف والأعباء العامة، وبصفة خاصة في مجالي الأعباء الضريبية وأداء الخدمة العسكرية، فضلا عن عدم التمييز بين الأفراد أمام القضاء، بحيث لا تختلف المحاكم باختلاف المراكز الاجتماعية للمتقاضين، ولا يلتفت لأشخاص المتقاضين ومكانتهم عند الفصل في الخصومات أمام المحاكم، ولا عند مباشرة إجراءات التقاضي، ولا يتم التمييز بينهم في العقوبات، في حالة تماثل الجرائم وظروف ارتكابها.

وبالإضافة إلي كون المساواة حقا من حقوق الإنسان، فهي أيضا مبدأ من مبادئ القانون، ودعامة هامة من دعائم دولة القانون والمؤسسات، استنادا إلي أن إعمال مبدأ سيادة القانون يتطلب تطبيقه علي قدم المساواة. ومبدأ المساواة مفترض في كافة النظم القانونية، ويتمتع بقيمة دستورية، سواء نص عليه صراحة في صلب الدستور، أو استخلص ضمنا من بين مواده. وقد تعرض مبدأ المساواة للانتقاد من جانب بعض فقهاء القانون الأمريكي واعتبر فكرة فارغة المضمون، ولكن هناك اتفاقا بين غالبية الفقه الأمريكي علي أهمية الحق في المساواة كركيزة لصون باقي حقوق الإنسان.

وقد حرصت معظم الدساتير المعاصرة علي ضمان الحق في المساواة أمام القانون لجميع المواطنين، سواء بطريقة مباشرة من خلال النص علي هذا الحق في صلب هذه الدساتير، أو بطريقة غير مباشرة من خلال المبادئ التي تقررها هذه الدساتير، والتي يتحرك في إطارها المشرع بما يكفل عدم صدور تشريعات تحد أو تقيد من حق جميع المخاطبين بالقانون في المساواة أمامه. فالمساواة، بالإضافة إلي كونها تمثل أحد الحقوق الهامة للإنسان، فهي أيضا ركيزة أساسية لضمان ممارسة باقي الحقوق دون تمييز، وهي كذلك مبدأ من مبادئ القانون التي تحرص جميع النظم علي الالتزام بها وعدم الخروج عليها.

ولاشك أن إطار التوازن بين حقوق الأفراد، وحقوق المجتمع المعبر عنها بالمصلحة العامة، يتأثر بطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي القائم، والذي يحدد مضمون كثير من القيم التي يسبغ عليها الدستور والقانون حمايته، ففي ظل النظم الشمولية يختل التوازن لصالح الحقوق المجتمعية، التي يتم التوسع فيها، بالنظر إلي الدور الذي تقوم به الدولة في كافة مجالات الحياة، ويصبح القانون أداة لتبرير العدوان علي حقوق الأفراد بدعوي المصلحة العامة، وبالتالي، فإنه كلما اتجه النظام سياسيا نحو الديمقراطية، واقتصاديا نحو الحرية الاقتصادية، كلما كانت هناك فرصة أكبر لعلاج الاختلال القائم بين حقوق الأفراد والحقوق المجتمعية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0