إسلاميات - الإمام الشيرازي

النبي الاكرم يقلب معادلة فرّق تسُد

قراءة في محاضرة صوتية لسماحة الامام السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه

مقدمة

الوحدة من المفاهيم التي لا يماري في ايجابيتها أحد، بل يكثر الدعاة اليها من الساسة وغيرهم، ولكن في الواقع العملي نلاحظ أن الفُرقة أكبر وابرز ما تنتجه الانظمة السياسية القائمة في بلادنا لما تتصوره من الفوائد في سهولة السيطرة على شرائح المجتمع ثم ترسيخ دعائم الحكم وضمان استمراريته، وتعد هذه المنهجية من تركة عهود الاستعمار، لاسيما البريطاني منه، حتى أشيع عنه المقولة الشهيرة: "فرّق تسد"، بيد ان هذه المنهجية تسقط في الاختبار التاريخي امام منهجية أخرى طبقها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وهي بالنقيض تماماً لها، ولسان حالها يقول: "وحّد تسُد"، والسيادة هنا ليست مقتصرة على الحكم لبعض سنوات، وانما على الانتشار والتأثير طويل الأمد على سائر الشعوب والأمم.

وفي المقطع الصوتي القصير، وهو جزء من محاضرة صوتية لسماحة الامام الراحل، يبين كيف ان توحيد الامة يعد من عوامل القوة قاهرة التي من شأنها التأثير على الشعوب والأمم.

لنقرأ ما جاء في حديث الامام الشيرازي:

بين صفات الانبياء وصفات الملوك

فيما كان الرسول الأكرم ماضياً في فتوحاته وانتشاره خلال فترة وجيزة، الى جانب نجاحاته الباهرة في تأسيس المجتمع الاسلامي على انقاض التمزق والتخلف والجاهلية، أثار هذا انتباه الملك البيزنطي الذي كانت مملكته على تخوم البلاد الاسلامية شمال الجزيرة العربية، فاراد استعلام سر تحقيق هذا النجاح السريع وبروز هذه القوة القاهرة للنبي الاكرم وسط ذلك المجتمع الموغل في الجاهلية والضعف.

فسمع أن تاجراً مسيحياً قادماً من اليمن مرّ بالمدينة وعاد الى دياره، فسأله عن أحوال المدينة، والمسلمين، وتحديداً الرسول الاكرم، إن كان التقى به او سمع حديثه، فقال: انه كان ماضياً لحال سبيله، ولم يلتقي بأحد، إنما سمع اثنين من المسلمين يتحدثون عن قبيلتين في المدينة هما؛ الأوس والخزرج، كانا يخوضان حرباً شرسة طيلة مائتي عام، وعندما بُعث هذا النبي أنهى هذه الحرب وجعل ابناء القبيلتين المتقاتلين إخوة لبعضهما البعض، وضمهما تحت لوائه.

فما كان من الملك البيزنطي إلا أن هتف بصوت عال: بأن هذا يدل على أمرين:

الاول: إن توحيد الناس من أخلاق الانبياء، فيما تفريق الناس من أخلاق الفراعنة.

ثانياً: هذا النبي، وبهذا المنهج سيظهر علينا، إن عاجلاً أو آجلاً.

وهو ما حصل فعلاً.

ما الذي يدفع الناس الى الوحدة؟

لنفترض ان شخصاً ما في الوقت الحاضر، وفي أي موقع ريادي كان، حاول تكرار ما فعله النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله مع الأوس والخزرج، كأن يكون نزاعاً بين عشيرتين، او عائلتين، او مختلف اشكال النزاعات البينية او الاجتماعية، ربما يحصل على جواب لطرحه السلمي بأن: "وما شأنك أنت..."؟! بل "وما هي مصلحتك في الأمر"؟! لاسيما اذا كان النزاع قد استهلك دماءً وأموالاً وخسائر كبيرة، فما الذي يدفع المتخاصمين للتخلّي عن حالة النزاع والركون الى السلم والوئام، هذا ناهيك عن القبول بمبدأ الأخوّة والوحدة مع أعداء الأمس؟!

عندما نقرأ التاريخ المشرق للاسلام في عهد الرسول الاكرم، فاننا – من حيث لا نشعر- نبحث عن الوجه الايجابي والحسن، وننسى الوجه الآخر الذي يختزن الجهود الجبارة والمعاناة والتحديات على مختلف الصعد، وما فعله النبي الأكرم بين الأوس والخزرج لم يكن بين ليلة وضحاها، ولم تكن بيد النبي عصا موسى لتفعل المعجزة خلال لحظات، إنما التزم، صلى الله عليه وآله، منهج الاسباب والعلل والنتائج في الحياة، وهو ما سار عليه الأئمة المعصومون، عليهم السلام.

ودون شك، فان النبي الاكرم قدم لهم البدائل الافضل لحالة الاقتتال الدامية، وأنهم يهدرون دمائهم وأموالهم وطاقاتهم البشرية دون طائل في حرب لا يظهر فيها غالب ولا مغلوب، بيد أن الدافع الاكبر الذي خلقه النبي في نفوس الأوس والخزرج، هو إثارة روح القوة والعزّة في نفوسهم جميعاً، وانهما إن توقفا عن القتال وتحولا إخوة تحت راية الاسلام، سيتحولوا قوة قاهرة لا تُحد، فمن يرفض عرضاً كهذا، ويصر على هدم دماء ابناء قبيلته واخوانه ويعيش الضعف والهوان والخوف، ويخلف هذا الواقع المرير لابنائه واحفاده والاجيال القادمة؟

علماً أن النبي الأكرم، سبق وأن اثار هذا الجانب النفسي في ابناء قومه لدى تبليغه رسالة الاسلام، وهم مصرون على اعتقادهم بعبادة الأوثان، ففي الرواية أن أبا طالب (عمه) استضافه ذات يوم في محضر من رؤوس قريش وقال له: "يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ قَوْمَكَ يَشْكُونَكَ: يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وَتَقُولُ وَتَقُولُ، وَتَفْعَلُ وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا -أي عشر كلمات وليس كلمة واحدة فقط-، قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَقَامُوا وَهُمْ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ..."، ونزلت بحقهم الآيات الكريمة في سورة ص:(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ).

وقد ثبت لهؤلاء حكمة التوحيد وكيف أنها توحد الكلمة وتخلق القوة والعزّة والمنعة وما يضمن التفوق على الآخرين، وممن كان له نصيب في الحياة ليرى صدق النبي في نبوءته؛ أبو سفيان، أما الغالبية ممن أنكروا على النبي، هلكوا في الحروب التي خاضوها ضد النبي قبل فتح مكة.

لماذا يكرر الحكام الخطأ نفسه؟!

ما يثير الاستغراب حقاً، في أمر الفُرقة والوحدة في بلادنا، ليس عدم تبني الحكام لمنهج الرسول الأكرم، بغية تحقيق القوة والمنعة، او على الاقل، إضفاء شيء من المصداقية على شعاراتهم، ومنهم صدام وحزب البعث في العراق، اذ ليس لهم ثمة علاقة بالاسلام ومناهجه ونظمه بالاساس، إنما السؤال في اصرارهم على منهج الفُرقة وتمزيق المجتمع رغم تحول هذه الفرقة الى سلاح يقتلهم وينهي حياتهم السياسية؟

ولمن يقرأ مسيرة نظام الحكم في العراق منذ الايام الاولى لانقلاب عام 1968، وحتى آخر لحظة لسقوطه بهروب صدام الى تلك الحفرة، يجد مسلسلاً متواصلاً من اجراءات التفريق واثارة الانقسامات بين المجتمع الواحد، فكانت البداية في التمييز على اساس القومية، وفي مرحلة لاحقة، صار على اساس الولاء "للحزب والثورة"، وفي مرحلة اخرى، للقائد الأوحد، وبين من هو ملتزما دينياً، ويحضر المساجد، وبين غير الملتزم، بل حتى وصل الامر الى تقسيم المجتمع العراقي بين من هو ابن العاصمة بغداد، ومن هم "أهل المحافظات".

في ظن الحاكم الديكتاتور، انه بتفريق الناس الى فئات وشرائح صغيرة، يسهل عليه السيطرة عليهم، بجعل كل فئة تراقب الاخرى، بل وصل به الأمر لأن يجعل الطفل الصغير او الاخ يتجسس على أبيه وأخيه، لتتحول الأسرة العراقية المعروفة بالدفء والحنان والتماسك، بأشبه ما تكون ببيت العنكبوت المعروف بحصول نوع من الاقتتال فيما بين الصغار والكبار من هذه الحشرة.

بيد أن هذا الواقع المرّ الذي لا تقبله الفطرة السليمة ولا العقل والضمير، هو الذي حفر لصدام تلك الحفرة التي سقط فيها، فقد ضاق الناس ذرعاً بالخوف وعدم الثقة والذل والهوان، الى درجة أن وصف أحد الاصدقاء حال الشعب العراقي في ظل هذا المنهج الصدامي بانه كان أشبه بأسرى حرب يعيشون في معتقل كبير، مما دفعهم لأن يبحثوا عن البديل في كل مكان، وفي نهاية المطاف نراهم يرحبون بالجنود الاميركان رغم انهم من الناحية العسكرية يُعدون غزاة ومحتلون، لان سقوط صدام أنهى حقبة ضياع الهوية والكرامة الانسانية.

ان القضية غير مقتصرة على حكام من شاكلة صدام، بل هي حالة ربما تكون مرضية تصيب من يتطاول ويحاول الوصول الى اهدافه بأي ثمن، حتى وإن كان ببث الفرقة والشقاق والنزاع بين الاخوة في الدين والمذهب والوطن الواحد، وهنا تحديداً مكمن الاستغراب في شيوع هذه الحالة في اوساطنا.

لنأخذ التنظيمات السياسية وحتى المؤسسات الثقافية، فان طريق اختراقها الوحيد؛ الفُرقة، بإثارة روح الأنا وحب الذات والرغبة في الاستقلال عن الجسم الواحد بألف سبب وسبب، وكذلك العشائر، بل حتى في الاوساط الدينية، وفي كل مكان، والمشكلة الغريبة؛ أن من يقع فريسة الفرقة يشعر انه حقق لنفسه شيئاً ايجابياً عندما ينفصل عن الكيان الذي كان يعمل ضمنه، بل ان من حقه ذلك...!

ونذكر قبل الختام، أن كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة التي اطلقها النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، وأقام على اساسها صرح الحضارة الاسلامية، لم تلغ التنوع والاختلاف في الألسن والالوان، وهي الحقيقة التي يقرّ بها القرآن الكريم: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ)، سورة الروم، الآية22، كما ذكر القرآن الانتماء القبلي والعشائري، انما تلغي الانتماءات المصطنعة التي تسبب لاصحابها التخلف والضعف امام القوى الاخرى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1