إسلاميات - الإمام الشيرازي

هل زهد المسلمون بالآخرة؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

الأخطاء تأتي على نوعين، أخطاء السهو والإهمال وعدم التدقيق، والنوع الثاني الأخطاء المتعمَّدة، وكل من النوعين يخلّف نوعا من الغبار المجازي، يتراكم في عقل الإنسان وقلبه وروحه، فيجعل منه ناقصا في التفكير والإرادة وربما ينحرف بسهولة نحو الشر، فقد تفوت الإنسان الكثير من الهفوات والأخطاء، وينساها دون أن يتوقف عندها، حتى لو كان مؤمنا، وهذه بالضبط بداية فقدان الإيمان، واعتياد التجاوز على حقوق الله تعالى وحقوق الناس أيضا، وإذا كان الله سبحانه عظيما ورحيما وغفورا، يتنازل عن حقوقه بالعفو والمغفرة، فإن حقوق الناس تبقى في ذمة المتجاوز عليها، لذا لابد أن يتنبّه الإنسان المؤمن الى هذه القضية بدقة واستمرار، وذلك من خلال الوقوف عند النفس وأعمالها ومواقفها، ثم معاقبتها إذا كانت قد أخطأت، وهذا هو السبيل الوحيد لدرء خطر الانحراف والابتعاد عن طريق الله تعالى، أما كيفية المعاقبة فتكون عبر صد أهواء النفس وعدم الانقياد لها، بل العكس هو المطلوب، لذا على الإنسان أن يوجّه نفسه ويقودها بدلا من العكس.

ومن الأمور الجلية أن أخطاء الإنسان تتحول إلى غبار يتراكم مع مرور الوقت وقد يصل الى مرحلة التصلب، فلا ينفع التنظيف او التطهير او الاغتسال، لهذا مطلوب تنظيف غبار أخطاء الذنوب المعاصي، وهي طرية قليلة غير متصلبة حتى يمكن محوها بسهولة، يتم هذا من خلال محاسبة النفس بصورة جدية، ويأتي شهر رمضان المبارك ليشكل فرصة مناسبة تماما لتحجيم النفس والتقليل من أخطائها، عبر أساليب عديدة أهمها الوقفة الدورية مع النفس ومحاسبتها.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم، الموسوم بـ (أنفقوا لكي تتقدموا):

إن (الإنسان بحاجة في كل عام إلى وقفة مع نفسه ومع الحياة، لأن غبار الحياة قد يتراكم على قلبه فيجرّده عن رؤية الحقيقة).

وينبغي أن يتنبّه الناس إلى أخطائهم وعليهم مراقبتها ومعالجتها وعدم السماح لها بالتراكم، فالقضية هنا في حالة التراكم ستؤدي الى حجب الحقيقة عن الإنسان، وعند ذاك سوف تضعف بصيرته شيئا فشيئا، ويصبح غير قادر على فرز الحقائق من الزيف والخطأ، بسبب اعتياده للزلل في حياته، الأمر الذي يتطلب منه سعيا حثيثا ودائما لمراقبة النفس والتحكم بها، بدلا من حدوث العكس، لأن الإنسان اذا وقع تحت قيادة النفس ونزواتها وأهوائها، فإنه حينذاك يقع ضحية المعاصي المدمرة، لذا يعد شهر رمضان فرصة نادرة للتصحيح وتحييد الأخطاء بأنواعها وتحييد آثارها بشكل كَلي.

تهيئة الظروف الموضوعية المواتية

ومن الأهمية بمكان أن يمهد الإنسان للدخول الى شهر رمضان من خلال تهيئة الظروف الموضوعية المواتية، ويعني تمهيد النفس محاسبتها والوقوف اليومي والدائم عند أخطائها وتشخيصها بدقة، ثم العمل بقوة مضاعفة وإرادة حديدية لمعالجتها والقضاء عليها، عند ذاك تتكون لدى الإنسان إرادة صلبة قادرة على تحصين الإنسان وحمايته من الوقوع في الزلل، ويتجنب الأخطاء ويسعى إلى إزاحة غبار العصيان عن نفسه خصوصا في هذا شهر الله المبارك..

ينصحنا الإمام الشيرازي في هذا الشأن قائلا:

(لابد من غربلة تمهد الطريق إلى دخول شهر رمضان، ولابد للمؤمن الصائم من نفض غبار الجهل واليأس، والأخذ بشآبيب الأمل والتقدم للمضي في طريق راسخ نحو تجديد حياته ليكون هذا التجديد هو السبيل لتقدم حياة المجتمع نحو الأمام).

ولابد أن ينظر الناس إلى شهر رمضان، بأنه شهر التصحيح والتوبة، خصوصا أنه من ضمن الفرائض الإسلامية، والإسلام فكر يليق بكرامة الإنسان وحرية في كل زمان ومكان، وهو أمر تثبته الوقائع الدالة والشاخصة على الأرض، ولكن يبقى الإنسان المؤمن مادة الإنسان، وهو غايته ووسيلته، لهذا لابد أن يعد الإنسان المسلم نفسه بصورة صحيحة وجيدة، ليكون أفضل في هذا الشهر الكريم من سواه، بمعنى ينبغي أن يكون الإنسان المؤمن على استعداد دائم كي يكون عنصرا ناجحا في الإسلام لإعطاء الصورة الأمثل وللمشاركة في بناء الصرح الإسلامي الشامخ في عموم البلدان الإسلامية.

استنهاض القيم واجب على الجميع

ومن ضمن خطوات الاستعداد لهذا الشهر، هو أن يعزم الإنسان على التوبة وتصحيح المسار المنحرف، وهنا لابد أن يعاهد المسلم ربه على أن يكون إنسانا صالحا في هذا الشهر الكريم، كونه شهر التوبة وشهر الخير دائما، وهو الأرضية المناسبة لمضاعفة الإيمان والعمل الصالح، والبناء الذاتي الأخلاقي اللائق.

لذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:

(على المؤمن أن يعزم في شهر رمضان مع نفسه أن يكون أفضل مما كان عليه، وأن يعاهد الله عز وجل على أن يكون لبنة جديدة تضاف إلى صرح الإسلام المتين، ليرتفع هذا الصرح شامخاً في سماء الدنيا باعثاً الهداية والأمل إلى كل البشر).

وطالما أن المجتمع يعاني من ثغرات أخلاقية وهنالك تراجع في القيم، فيجب التمسك بشهر رمضان كفرصة تضاعف وشائج التماسك المجتمعي في شهر الهداية والأمل، وهو الشهر الذي يمكن استثماره لتصحيح مسارات الفرد والمجتمع، بسبب الأجواء المشبعة بالإيمان والتقوى التي تسود حياة الناس جميعا في هذا الشهر الكريم، ونظرا لتردي الأوضاع التي يعيشها المسلمون في أصقاع الأرض المختلفة، فإن الإمام الشيرازي يتساءل بألم لماذا لم يعد المسلمون مثلما كانوا في الحلقات والحقب المشرقة من تاريخ الإسلام، وتحديدا لماذا قلّ لديهم تقديم العون للآخر، وقلت حالات الإنفاق، في شهر رمضان أو سواه هل هناك سبب محدد لهذه الظاهرة المؤسفة، خاصة ان شهر رمضان يتطلب نوعا خاصة من التكافل والتعاون والتصدّق على المعوزين والمحتاجين من قبل الأغنياء والقادرين على مد يد العون وإعانة من يستحق الإعانة، علما إن هذه التساؤلات مأخوذة من الواقع، ولو أدرك المسلمون أهمية الإنفاق والتعاون والتكافل في بناء المجتمع السليم لما تردّدوا عن أداء التبرع والمساعدة ، ونشر التكافل لما له من دور في مساعدة الناس، وترسيخ الإسلام وفرائضه وتعاليمه كمنهج حياتي يخدم جميع الناس.

يقول الإمام الشيرازي في كتابه نفسه:

(في هذا العصر الذي تفجر النفط في كثير من بلاد الإسلام، لا ترى حتى نصف ذلك المقدار من موقوفات جديدة، فهل هذا زهد من المسلمين في الآخرة، أم زهد منهم في الدنيا؟ فإن الدنيا أيضاً تتوقف على الأوقاف والخيرات.. وبالعكس: ترى غير المسلمين يوقفون بكثرة هائلة).

إن قيم التكافل والتعاون بين المسلمين تشكل العمود الفقري لتحسين العلاقات الاجتماعية، ولكن في شهر رمضان تتوافر الظروف بشكل مضاعف لتطبيقها، وهكذا يتبيّن دور الإنفاق، في مساعدة الآخرين، فضلا عن الإسهام في تطوير حياة المسلمين عموما، حيث كان للإنفاق في شهر رمضان وسواه، وفي مجال التثقيف وزيادة الوعي الديني وسواه، كان له القدر الأكبر في بناء الحياة الأفضل للمسلمين عبر تاريخهم المشرق، لهذا نحتاج اليوم إلى الاستفادة من تلك الدروس وتطبيقها على واقعنا اليوم، خصوصا أننا نعيش الأجواء الرمضانية المباركة، هنا يسأل الإمام الشيرازي أثرياء المسلمين وتجارهم والمقـتدرين ماديا منهم:

لماذا لا تتبرعون للمحتاجين، مع أن الروايات والأحاديث تؤكد القيمة الفعالة للإنفاق؟؟، ثم يتساءل سماحته: وهل زهد المسلمون بالآخرة؟؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0