غاب الجهاد الاكبر وحضر الجهاد الاصغر.

وهو غياب وحضور لافت على امتداد مساحات بلداننا ومجتمعاتنا المسلمة.

من تمثلات ذلك الغياب، ازمة القيم الانسانية والاخلاقية التي تعصف بالإنسان المسلم في حياته، عدم القدرة على مواجهة التحديات التي يفرضها الواقع والحياة على المسلمين، التراجع المستمر في الوعي الاخلاقي لعموم المسلمين، والتراجع الفادح على مستوى المشاركة الانسانية في صنع الثقافة او الحضارة.

ومن تمثلات هذا الحضور، التطرف والعنف والارهاب المستشري بين اوساط الحركات المتطرفة وهي ترفع شعارات الجهاد - جهاد العدو- والجميع لديها اعداء.

كيف مارس ونظّر الامام الشيرازي الراحل (قدس سره) للجهاد؟

واقدم فعل الممارسة على التنظير، فهو الاسبق ظهورا في حياته، وهو حضور التاريخ وسطوته لهذه العائلة وعليها، في ايران والعراق عبر جهاد مادي ومعنوي، اشير بذلك الى ثورة التنباك وثورة العشرين.

وهو تنظير ثانيا، بعد ان وعى دوره ومسؤوليته في مجتمعه المسلم الاوسع، بكافة تلويناته المذهبية، ومجتمعه الشيعي، بكافة مرجعياته.

هو تنظير وتأصيل وتأسيس، اقترن بالممارسة سلوكا وعملا، في عملية مستمرة من جهاد أكبر يحتاج اليه مجتمعه، بدوائره الاكبر، او مربعاته الاصغر.

أطّر (قدس سره) من خلال معظم ماكتبه، الاسس والمنطلقات العامة للجهاد الاكبر، وهو جهاد النفس، وميدانه عقل الانسان وروحه.

وجهاد النفس عملية صعبة في حد ذاتها لأنها تتطلب بذل جهد كبير لمخالفة الرغبات والشهوات وقسرها على تحمل المشقَّات والتضحيات، وهو خلاف ما تميل إليه النفس البشرية بطبعها، فكان الانسان العامل على ترويض نفسه أشبه شيء بمن يجدف مركبه بعكس التيار، ولهذا كان بذل هذا الجهد جهاداً، بل هو جهاد أكبر كما عبَّر عنه رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) حينما خاطب جماعة من أصحابه كانوا في سريَّة وعادوا منتصرين: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر.

فقيل له: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ فقال: جهاد النفس.

وعن الامام علي عليه (عليه السلام) : جاهد نفسك على طاعة الله مجاهدة العدو عدوه، وغالبها مغالبة الضد ضده، فإن أقوى الناس من قوى على نفسه.

ما هو جهاد النفس؟

في اللغة: الجِهاد على وزن فِعال مأخوذ من الجُهد بالضمّ وهو المشقّة البالغة، والجَهد بالفتح الأرض الصلبة، وبالفتح والضم: الطاقة.

والظاهر أنّ جميع هذه المعاني ترجع إلى أصلٍ واحد وهو الشدّة إمّا في ذات الشيء أو في التعامل معه ومعالجته، كما يظهر أنّه موضوع في أصل اللغة لمطلق بذل الجهد بدنيّاً كان أو نفسيّاً أو عقليّاً أو ماليّاً في مجال الخير أو في مجال الشرّ، فهو حقيقة لغويّة في هذا المعنى العامّ الجامع وليس في خصوص بذل الجهد لمخالفة الهوى دون غيره.

في التراث الاخلاقي الشيعي، اشير الى ماكتبه الفقيه المحدّث الشّيخ مُحمّد بنْ الحسن الحُرّ العامِليّ حول جهاد النفس من كتابه (وسائل الشيعة) في باب وجوب هذا النوع من الجهاد، والذي احتوى على اكثر من خمسين بابا في تفريعاته. تؤكد جميعها على عملية الارتقاء المعنوي والروحي والاخلاقي للإنسان، انطلاقا من المسؤولية الملقاة على عاتقه، وجعله قادرا على حملها وتحملها واداءها.

في كتابه (الى نهضة اسلامية) وكوجه من وجوه الجهاد الاكبر، يؤكد الامام الشيرازي (قدس سره) على الاهتمام بالعلم والتعمق فيه، والجدّ في العمل والمثابرة عليه، ويشير الى ان ذلك يحتاج ممن يطلب العلم الى (التعب والنصب)، اي استفراغ الجهد في تحصيله.

وهو يؤكد كجزء من هذه العملية المتواصلة، عملية ارتقاء الانسان، على اعادة لون خاص من التفكير، وهو اللون الاسلامي، لإنّ أول ما يوجب التخلّف هو الفكر المنحط، فإن الإنسان يسير حسب فكره .

وقد أشار إلى ذلك الإمام علي (عليه السلام) في قوله: (وضعهم من الدنيا مواضعهم).

وكل إنسان ارتقى وكل إنسان انحط ـ إذا لم يكن ضغط خارجي ـ فإنما هو بسبب فكره أولاً وبالذات.

وهذا اللون خاص للاسلام، يتمثل بالتفكير في الحياة والكون، والمبدأ والمعاد، والعائلة والاسرة، والقيم والمقاييس، والسلوك والأخلاق وغيرها. ويقدم امثلة لهذا النوع من التفكير، مثل: (العفو) و(احترام الإنسان) و(صلة الرحم) و(رحم الكبير على الصغير) و(توقير الصغير للكبير) و(حرية الإنسان في كل شؤونه) و(جزاء الإنسان بما عمل) والتي هي من الأوليات الإسلامية.

والجهاد الاكبر لدى الامام الشيرازي (قدس سره) ينطلق من النفس، في عملية تغيير واسعة، جعلها مدار كتابه (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين)، وهو نفس المنطلق للتجديد، في كتابه (لنبدأ من جديد) فإنه إذا لم يصلح الإنسان نفسه لا يمكنه إصلاح غيره من بني نوعه أو المحيط المتعلق به ، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والطبيعي وغيرها .لان أوّل التغيير إلى الصلاح أو الفساد هو الإنسان.

يحدد الامام الراحل قدس سره، في نفس الكتاب، عوامل الهزيمة التي يعاني منها المسلمون، فهي:

ضعفنا وقوّة العدو، وعدم الاستعداد، والاُمنيّات الفارغة، والتقليد الأعمى، وانعدام الطموح..

يطالبنا الامام الشيرازي (قدس سره) وعبر مشروعه الحضاري والثقافي والاخلاقي، والذي واظب على العمل عليه طيلة سنوات حياته، يطالبنا بصياغة (الفهم الصحيح للحياة)، من خلال فهمها كما هي، والمواظبة على هذا الفهم  ممن يفهمها هامشياً أو مقلوباً .

 

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0