إسلاميات - الإمام الشيرازي

الحكم عند علي: الحرية تؤدي الى رضا الناس

قراءة في محاضرة صوتية لسماحة الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي – طاب ثراه-

البعض من الشباب يتصور أن الحرية جاء بها الغربيون، بينما الحقيقة؛ ان الحريات التي جاء بها الاسلام لم يكن ليحلم بها الغربيون منذ قرون، وهذه مشكلتنا نحن المسلمون عندما عجزنا عن تعريف الاسلام للعالم...

مقدمة

كلما ازداد تداول الناس الحديث عن قيم الحرية والمساواة والنظام في البلاد الغربية، من هذا الصديق او ذاك القادم من بلد اوربي او من اميركا، او أي بلد فيه من مظاهر هذه القيم، كلما ازدادت المسافة بينهم وبين تاريخهم المجيد، حتى لكأنهم من دون تاريخ، ولا هوية، إنما شعوب تحمل اسم الإسلام وتنتظر القيم الانسانية والاخلاقية تأتيها معلبة جاهزة من الخارج، كما اعتادت استيراد الغذاء والدواء والسيارات وحتى مواد لبناء البيوت طيلة العقود الماضية، وكما هذه القيم لم تكن موجودة في حياة المسلمين يوماً ما، ولم يكن الامام علي عليه السلام، أول من جسدها بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، فهل ننتبه الى وجود هذه الأزمة الخطيرة ؟

المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي، وهو في الكويت في سبعينات القرن الماضي يخاطب الشباب الجامعي ويعرفهم بالقيم السائدة في حكم أمير المؤمنين، ومنها قيمة الحرية، قبل ان يتعرف عليها العالم الغربي بقرون عديدة.

وفيما يلي نصّ الكلمة المسجّلة:

"البعض من الشباب يتصور أن الحرية جاء بها الغربيون، بينما الحقيقة؛ ان الحريات التي جاء بها الاسلام لم يكن ليحلم بها الغربيون منذ قرون، وهذه مشكلتنا نحن المسلمون عندما عجزنا عن تعريف الاسلام للعالم، كما عجزنا عن تعريف علي بن أبي طالب، الى العالم، علماً أن كتب التاريخ تضم بين طياتها العديد من الأمثلة الرائعة في تقديم الامام علي، عليه السلام، أروع الصور الحيّة لمفهوم الحرية، ومنها:

كان الامام علي، عليه السلام، وهو القائد الشرعي والسياسي للأمة، يتجول في شوارع عاصمته؛ الكوفة، وكانت آنئذ تضم حوالي اربعة ملايين انسان، وكان من عادة الامام ان يسير لوحده، دون أي مرافقين معه، فشاهد فتاة جالسة على قارعة الطريق وهي تبكي، فسألها عن سبب بكائها، أجابت – وهي لا تعرفه- : يا عبدالله، ان أهلي اعطوني مالاً لأشتري به تمرا، فاشتريت التمر وذهبت به الى أهلي، فرفضوه ولم يقبلوه منّي، وقالوا لي: ردّي التمر على البقال واستعيدي المال، فجئت الى البقال لرد التمر واستعيد المال، فرفض ذلك.

قال لها الإمام لا بأس عليك، قومي معي الى البقال، وكان شاباً مغرورا، فشرح الامام له بأن هذه الفتاة خادمة وقد أمرها أهلها برد التمر واستعادة المال، فخذ التمر ورد المال اليها، فرض بشدّة، بعد أن التمسه الإمام، لأن قبول البقال بعرض الامام غير واجب، فكرر الامام الطلب ثلاث مرات، وكان الجواب بالرفض الشديد، ثم جاء هذا البقال الشاب الى الامام وأخذ التمر من يد الإمام ونثره في الشارع، ثم دفع الامام الى الخلف!

فوقف الإمام قبالة هذا البقال، فمرّ عليه مالك الأشتر، فوجد الامام واقفاً امام هذا البقال، فتعجب ووقف هو ايضاً الى جانب الامام، وكان يُعد في ذلك الوقت بمنزلة وزير للدفاع في دولة الامام علي، ثم جاء قائد عسكري آخر ووقف الى جانبهما بشكل عفوي، وشيئاً فشيئاً تجمع عدد كبير من الشخصيات الكبيرة وسط الطريق وأمام دكان ذلك البقال، وبينما كان البقال مشغول بالبيع والشراء فجأة انتبه الى وجود هذه المجموعة من القادة والشخصيات العسكرية والسياسية ممن يعرفهم في الكوفة، ولكن لا يعرف الإمام لانه كان حديث العهد بالكوفة، فسأل من كان قريباً منه عن سبب وجود هؤلاء أمام دكانه، فقال له: انهم راقفون لوقوف الإمام أمير المؤمنين، والخليفة على المسلمين، فقال ومن هو الخليفة، فأشار الى الإمام، فانتابته الحيرة؛ هل هو نفسه الذي دفعه بصدره الى الخلف في قضية الفتاة الخادمة؟! وتملّكه الخوف الشديد، فقفز من دكانه واقبل الى الامام يقبل يده ورجله وهو يقول: يا امير المؤمنين! لم أعرفك، ارض عنّي.

أجابه الامام بكلمة تستحق ان تكتب على بوابة القصور الرئاسية في العالم: "ما أرضاني عنك إلا ما أرضيت الناس عن نفسك"، بمعنى؛ ليس المهم رضا الحاكم، ولا أن يتلقى الحاكم إسائة من المحكوم كما حصل مع الامام علي، إنما المهم؛ رضا الناس وأداء حقوقهم، لنطبق هذا المبدأ، وليس بالضرورة ان تكون أمير المؤمنين، ولا ان تكون رئيس جمهورية او وزير او مسؤول في الدولة، إنما كسب الرضا يشمل ايضاً الاولاد والزوجة في البيت الصغير، وايضاً الجار، والصديق، أيتها الفتاة! أرضِ أمكِ، وهكذا؛ الرضا يكون متداولاً بين جميع افراد المجتمع.

صحيح إن علياً لا يتكرر، ولكن؛ يمكن إحياء منهجه وتطبيقه في حياتنا على مر الاجيال".

الحرية لك ولغيرك

من أبرز مميزات الثورة الفرنسية؛ إرسائها مفهوم الحرية الفردية، ثم جاءت المذاهب الفكرية في أزمان لاحقة لتبلور هذا المفهوم اكثر، لاسيما "الوجودية" التي هتفت بأصالة الانسان، وانه مسؤول عن افعاله ولا دخل للآخرين به، وساعدت توجهات فكرية اخرى على تحول جوهري في عادات وسلوك المجتمع الغربي بشكل عام، والمجتمع الاوربي بشكل خاص، وهو قلب المنظومة الغربية في العالم، فانطلق مصممو الملابس ليعرضوا تشكيلات جديدة غير معهودة، تظهر المفاتن الانثوية، فيما عكف أهل السينما لتطوير فن التمثيل، ليتحول من الطقس المسرحي الهادف، الى الابتذال والإثارة الرخيصة وصنع شخصيات وهمية تثير الحماس والمشاعر، بل وقفزت بشكل مفاجئ الصحافة الاباحية في الساحة الاعلامية، كل ذلك وغيره كثير حصل بشكل غير متوقع في عقد الخمسينات من القرن الماضي، ثم أعلن للجميع في العالم بأن الانسان حرٌ له ان يفعل ما يشاء وما يرغب به.

ولكن؛ هل كان المنظرون والمؤسسون الاوائل صادقون في طروحاتهم بشأن الحرية للإنسان؟

الشواهد التاريخية تجيب بالنفي القاطع، فهم منحوا حرية العمل وحرية السفر وحرية الجنس، وسلبوا حرية التعبير وحرية الرأي، وحرية المشاركة في القرار السياسي بشكل حقيقي، فقد بقيت السلطة في البلاد الغربية بيد اصحاب الرساميل الضخمة، فهم يلقون بظلالهم الكثيفة على تشكيلة الحكومات ومسار اتخاذ القرارات، لاسيما الكبرى منها مثل؛ الحروب والتدخلات العسكرية والسياسية في العالم.

بيد ان الحرية الحقيقية التي تعمّ الجميع وتكون لمصلحة الجميع، تجسدت لأول مرة في ظل حكومة الامام علي بن ابي طالب، عليه السلام، فالحرية التي تعد من الحقوق الاساسية للانسان كفرد في المجتمع والامة، وقد وهبها الله –تعالى- للانسان، وهي مما بشّر به رسول الله، للمسلمين وللبشرية بنصّ الآية القرآنية: (ليضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم)، هي ايضاً للجماعة، ولذا فان الفقهاء عندما يبحثون مسألة النظر بين الرجل والمرأة، يأخذون بعين الاعتبار مصلحة الرجل والمجتمع، فأي حركة من المرأة تثير الشهوة الجنسية لدى الرجل، بأي شكل من الاشكال، تمثل إضراراً بالرجل وبالمجتمع على حدٍ سواء، لما يفرزه من ردود فعل تخرج الرجل عن سلوكه السوي في حياته الأسرية مع افراد عائلته او حتى زوجته، بينما حياته الجنسية المشروعة له وفق القوانين والضوابط الاخلاقية والشرعية وحتى العقلية من شأنها البناء الاجتماعي والتماسك في العلاقات الانسانية، فضلاً عن الفوائد الكبرى لنفس الانسان.

وهكذا حرية التعبير والرأي، فهي مكفولة في الاسلام منذ عهد رسول الله، ومن بعده أمير المؤمنين، للإنسان الفرد، وللمجتمع في آن، كما اشار الى ذلك سماحة الامام الشيرازي في المقطع الصوتي، وهو يستذكر تطبيقات الحرية في عهد الامام أمير المؤمنين، في قصة بائع التمر مع الفتاة الخادمة، فهو، عليه السلام، أطلق الحرية الفردية لذلك البائع ولم يجبره بإعادة المال للخادمة واسترجاع التمر، ولم يستخدم سلطته ومنصبه في هذه الوساطة، ولكنه، عليه السلام، ذكر البائع بالمبدأ الحضاري والجوهري في مسألة الحرية، فعندما طلب من الامام أن يعفو عنه في نهاية الحكاية، قال له: "ما أرضاني عنك إلا ما أرضيت الناس عن نفسك"، ويوضح الامام الشيرازي في هذا السياق، بأن رضى الحاكم غير مهم، كما ان طريقة الاعتراض غير مهمة ولا تؤثر – على الاغلب- على مسار تطبيق الحرية، إنما المهم التطابق بين حرية الفرد وحرية المجتمع، فكلما تحقق هذا التطابق بنسبة أعلى، عمّ الامن والاستقرار والرفاه جميع افراد المجتمع والامة، أما اذا كانت حرية الفرد على حساب حقوق ومصالح الآخرين فأنها تتحول الى عامل اضطراب وتأزم وخروج الحياة عن مسارها الطبيعي، كما يحصل اليوم في عديد البلاد الاسلامية.

اضف تعليق