إسلاميات - الإمام الشيرازي

أقصر الطرق للوصول الى الحكم الرشيد

قراءة في محاضرة صوتية لسماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –قدس سره-

"من يريد تحقيق حكم الله وحكم الإسلام، عليه أن يكون ذا ثقافة واسعة في الحكم، إن الحكم في العالم على أقسام وألوان: فهنالك الحكم الجمهوري، والحكم الديكتاتوري، والحكم الملكي، والحكم الارستقراطي، وهنالك العديد من ألوان واقسام الحكم في العالم.

هل ان معرفة هذه الالوان من الحكم، تتم تلقائياً، او بعد ان نخرج من بطون امهاتنا؟، من الضروري علينا مطالعة الكتب والمؤلفات التي كتبت حول كيفية الحكم في العالم، وقد تزخر مكتبة العلوم السياسية بمئات الكتب التي تتحدث عن كيفية الحكم وأنماطه، وكلها تندرج ضمن العلوم السياسية، ومعنى السياسة هو؛ إدارة البلاد، وقد جاء في زيارة الجامعة للأئمة المعصومين، عليهم السلام: "...وساسة العباد وأركان البلاد"، وكلمة الساسة، بمعنى أن الأئمة المعصومون يديرون البلاد والعباد.

لو وضعنا يدنا على عشرة من المثقفين – بقطع النظر عن غيرهم- لوجدنا – للأسف- خمسة منهم يجهل أنماط الحكم في العالم، لان هذا ليس موهبة للانسان، مثل موهبة النطق وموهبة البصيرة العينية وغيرها من المواهب، إنما يحتاج الامر الى الدراسة والمطالعة، والى الاستنتاج والى الاستنباط، ولا يكون هذا اذا طالعت على الاقل، مائة كتاب حول الحكم، حتى تعرف الموارد والمصادر والخصوصية، أما الذين يجهلون هذه المعارف ليس لهم مجال في الحياة.

قرأت ذات مرة عن السياسي الاميركي المعروف؛ هنري كيسنجر، أنه طالع عن كيفية الحكم حوالي خمسة آلاف كتاب، لذا تمكن من ادارة وزارة خارجية أضخم بلد في العالم ولمدة ثمان سنوات على مسرح الاحداث، كما كان مؤثراً قبل ذلك، وهو ما يزال مؤثراً خارج مسرح الاحداث.

أما نحن؛ فنريد تطبيق حكم الله، وليس لدينا حتى ألف باء الحكم!

الكثير من الناس يعشقون الطب ويتمنون ان يكونوا أطباء، ولكن لا تعرف شيئاً عن الطب ولم تقرأ كتاباً عن الطب، فهل بالامكان – والحال هكذا- ان تواجه طبيباً مارس مهنة الطب خمسين سنة وله ثقافة طبية واسعة؟ إن لكل سلاح، سلاح في قباله.

نحن بحاجة الى ثقافة حُكمية، كما نحن بحاجة الى ثقافة تربوية وثقافة اقتصادية وثقافة اجتماعية، وثقافة سياسية، وهذه الثقافة لا تستقى من الاذاعات والمجلات والصحف، فهل يمكن ان تكون طبيباً من خلال مطالعة مجلة "طبيبك"؟! ولمن يريد ان يكون طبيباً عليه دراسة الطب ومطالعة الطب ومن ثم مزاولته، حتى تعرف ما يكتب في "طبيبك" وما ينشر في وسائل الاعلام عن الطب".

هل الحكم الرشيد أمنية؟!

جربت شعوب في العالم أنماطاً من الحكم على أمل الانتقال من مرحلة الاستبداد ومصادرة الحريات والحقوق، الى مرحلة المشاركة السياسية والتوزيع العادل للثروة وفرص الحياة، وقد ناضلت شعوب في اوربا لتحقيق ذلك لتتخلص من ديكتاتورية الكنيسة ومن ثم من البلاط والطبقة الارستقراطية، وكانت الافكار والنظريات داينمو الحركة، وفي مقدمتها الديمقراطية وتفرعت عنها افكار سياسية مثل الليبرالية والاشتراكية، ثم ظهرت أنماط من الحكم في اوربا والمنظومة الغربية منذ اوائل القرن العشرين، بعد مخاضات سياسية عسيرة، ففي ظل هذه الافكار ظهرت الجمهوريات والملكيات الدستورية وحتى الانظمة الديكتاتورية والفردية، كما لاحظناها فيما كان يسمى بالمعسكر الشرقي، شرق اوربا، وايضاً الدول السائرة –آنذاك- ضمن المنظومة الاشتراكية في العالم.

لقد سقط ملايين البشر قتلى وخسرت الشعوب المليارات ودمار هائل قبل ان تستقر على انظمة حكم نراها اليوم مستقرة، بل ويعدها البعض مثالاً يحتذى به للنجاة من فوضى الدول التي نعيشها، بيد ان مشكلة البعض اقتصاره على النتائج دون ملاحظة الاسباب والعوامل المؤدية الى هذه النتائج، فبعد الحرب العالمية الثانية، وفي الوقت الذي كان اصحاب الرساميل في اميركا وبريطانيا مشغولون بإعادة بناء اوربا، كان اصحاب العقول والافكار يجلسون ويبحثون ليل نهار لصياغة أطر سياسية تمنع تكرار تجربة ديمقراطية منتجة لشخص مثل هتلر وصعود حزب مثل الحزب النازي، وهذا ما حصل ويحصل اليوم، إذ نلاحظ عدم نجاح التوجهات القومية والمتطرفة من الصعود الى قمة الحكم في اوربا.

في البلاد الاسلامية اليوم، الجميع يهتف بالحكم الرشيد والحاكم الصالح، مستذكرين نماذج مشرقة من ذلك في التاريخ الاسلامي، لكن هل يكفي هذا؟

هنا؛ لابد من التفريق منطلقات الشعوب الاسلامية نحو الحكم الرشيد، ومنطلقات سائر الشعوب والأمم في العالم، لأن المسلمون محصنون من حيث المبدأ من الديكتاتورية والاستبداد بفضل بصائر القرآن الكريم وسيرة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، الذي أكد مبدأ الشورى لأول مرة في تاريخ الحكم بالعالم، ثم جاء أمير المؤمنين، عليه السلام، ليعطي بنود أخرى وتفاصيل اكثر لنظام الحكم الرشيد والعادل في الاسلام، بيد أن سائر الأمم والشعوب كانت تجتر ثقافة الاستبداد والديكتاتورية منذ الحكام المتألهين في الازمان الغابرة، ومنهم فرعون الذي هتف وقال على لسان القرآن الكريم: {لا أريكم إلا ما أرى}، بيد أن المشكلة لدينا التوقف عند صياغة النظرية بشكل متكامل ثم التحقق من التجربة العملية، وهذا ما يشير اليه سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي في هذا المقطع الصوتي، فبالرغم مما قيل وكُتب عن الحكم في الاسلام، ما نزال نفتقد للجانب العلمي للحكم وايضاً الجانب العملي، لذا يدعو سماحته الى المزيد من الدراسة والمطالعة في هذا الجانب، ثم الاطلاع على تجارب الآخرين في الحكم.

إن الحديث النبوي الشريف الداعي الى طلب العلم ولو بالصين، يشمل علم السياسة قطعاً، ولا يخفى على الباحثين والمهتمين كون هذا العلم مرتبط عضوياً بالثقافة الانسانية، وهو يتطور بتطور فكر وثقافة الانسان واتساع حاجاته وتطلعاته في الحياة، مثال؛ الحرية، فهي تقرأ وتفهم اليوم أوسع بكثير مما كان يفهمه الانسان المسلم في بداية فجر الاسلام.

وإذن؛ نحن بحاجة لتحقيق أمرين يكمل أحدهما الآخر: التنظير والتأليف في الحكم، وايضاً؛ التثقيف العام على الحكم الرشيد الذي ننشده، وهذا لن يتم إلا من خلال الانفتاح على العالم وما توصلوا اليه في هذا المجال، نظراً لحاجتهم الشديدة اكثر منّا الى صياغة الأنماط والاشكال والمناهج التي تفيدهم في التخلص من الديكتاتورية والاستبداد ومخاطرها على حياتهم.

هذا الاطلاع يفيدنا كثيراً في التحقق من مصداقية تلكم الاشكال والانماط، وما اذا كانت تفي بالغرض، ومعرفة كيفية ظهورها وتشكّلها والعوامل المؤدية الى ذلك، ثم التحديات الخارجية او المشاكل الداخلية التي واجهتها سواء على الصعيد الاجتماعي او على الصعيد الاقتصادي، وكيف تأثرت أنماط الحكم بهما بشكل كبير، ومن يتبين مدى النجاح ومدى الفشل في هذه الانماط والاشكال المتبعة.

مصادر الثقافة والمعرفة

بفعل تطور وسائل الاعلام مهنياً وتقنياً، بات من السهل التعرّف على أنماط الحكم في العالم والاطلاع على تجارب الديكتاتوريات والديمقراطيات ومآلاتهما، بيد أن هذا يبقى في اطار معلومات عامة وسطحية، وربما تأخذ شكلاً من اشكال التثقيف والتوعية في بعض وسائل الاعلام وفي بلاد بعينها في العالم، ولذا يدعو الامام الشيرازي الى الانفتاح على مصادر الثقافة والمعرفة من خلال الاطلاع على أمهات الكتب والمصادر العلمية في مجال الحكم والسياسية.

وهنا فرق كبير بين الترف الفكري بمساعدة المطالعة والمتابعة المتوفرة حالياً، بين التعلّم والدراسة والبحث، فمن خلال هذا، نكتشف العوامل والجذور والعلل، ثم تطبيقاتها العملية وما تواجهه من تحديات مشاكل مع الانسان في حياته، وكما أن علم الطب يتناوله الناس على شكل ثقافة عامة تفيدهم كثقافة صحية، بينما يتناوله الطالب في كلية الطب بالدراسة والبحث ليكون فيما بعد عالماً في الطب ضمن التخصصات الدقيقة، فان ما ينشر في بعض وسائل الاعلام، ربما يفيد لصياغة نوع من الثقافة السياسية العامة، بينما الشريحة المثقفة في المجتمع، لاسيما في المؤسسة الدينية، من علماء وخطباء وباحثين ومؤلفين، مدعوون لدراسة علم السياسة والحكم الى جانب دراستهم للعلوم الدينية، وطالما أكد سماحة الامام الشيرازي على هذا العلم تحديداً اكثر من الاقتصاد والاجتماع والقانون في أمر المدارسة والمباحثة، عندما يذكرنا بالمقولة المفتعلة من الدوائر الاستعمارية بوجود التعارض بين العلوم الدينية والعلوم السياسية، وأن السياسة ليست من شأننا، ورغم مرور حوالي قرن من الزمن على زوال الاستعمار، بيد ان هذه المقولة الكاذبة ماتزال تحتل مكاناً مرموقاً من التصديق في عديد اوساطنا الدينية والعلمية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0