حين يتعرض احدنا الى صدمة او مأزق او مشكلة صحية ذات منشأ نفسي تؤدي الى الإصابة بالجلطات الدماغية والسكتات القلبية او نفسية خالصة مثيلة الانهيارات العصبية وفقدان التوازن العصبي وغيرها فأن ذلك سيؤدي في اغلب الاحيان ليس جميعها الى فقدان الذاكرة مما يجعل عملية الاستذكار صعبة التحقق، فتغيب الكثير من المعلومات التي تحتفظ بها ذاكرتنا قبل الصدمة مهما كانت اهميتها وخصوصيتها.

وهذا الفقدان المفاجئ للذاكرة هو الفقدان التفارقي او فقدان الذاكرة النفسي، ويعرف فقدان الذاكرة هو عدم القدرة الكلية أو الجزئية على تذكر التجارب الأخيرة أو تجارب الماضي، ويحدث فقدان الذاكرة بسبب اضطراب نفسي وليس بسبب اضطراب جسدي.

وقد يرتبط فقدان الذاكرة النفسي في بعض الاحيان بالأحداث الطفولة القاهرة او المؤلمة او المسببة للشدة مثل سوء المعاملة من قبل الوالدين او التعرض لحالة تحرش جنسي او اغتصاب او حتى الامتهان والاستغلال ومصادرة الحقوق الطبيعية التي يحلم بها كل انسان، وقد تستمر هذه الحالة او الرغبة في النسيان حتى بعد مرور مدة زمنية طويلة على حصولها ويبدو اثرها جلياً في السلوك الانساني، فعلى سبيل المثال طفل تعرض للامتهان والعمل الشاق الفائق للقدرة الطبيعية له، فأنه حين يسأل عن الموقف لا يتذكر التفاصيل الكاملة له لكنه يتألم من بعض ما بقي من ذكريات بخصوصه وهو ما يدفعه بأبعاد من يريد العمل في نفس المكان من اخوانه او ابناءه او من يعنيه في المستقبل.

ابرز الاشارات التي تدل على فقدان الذاكرة النفسي هي الازعاج الدائم من ابسط الاشياء وأتفهها، كما تبدو على الافراد الذين لديهم هذه الحالة شيء من الخلط الذهني بين الحقائق والمضامين والمعلومات المخزنة في الذاكرة، ويمل بعضهم الى عدم الاكتراث والمبالاة بشكل يثير الغرابة، ويكون لديهم ايضاً صعوبة في تشكيل العلاقات والحفاظ عليها، كما قد تظهر عليهم اعراض جسمانية مثل التعب الشديد وضعف البنية واضطرابات في النوم.

كما ان الاكتئاب والنزوع للانتحار والتخريب الذاتي دلالة واضحة على المرض، وفي حالات نادرة يفضل مرضى فقدان الذكرة الابتعاد عن منازلهم بدون مبررات منطقية وخلال فترة ترك المنازل تغيب اغلب تفصيلات حياتهم بما فيها هواياتهم وتسمى هذه النوبات الشرود التفارقي، كما يحدث في اضطراب ما بعد الصدمة أي أنهم يسترجعون الأحداث كما لو كانت تحدث بالفعل.

يشيع هذا الضرب من ضروب فقدان الذاكرة بين النساء اكثر منه لدى الرجال لانهم اقل صلابة نفسية ومرونة في تقبل الاحداث المؤلمة كالاعتداء الجنسي والاثر النفسي لفقدان الازواج نتيجة الحروب والابادة الجماعية التي تتعرض لها الشعوب كما حصل في العراق ابان حكم النظام السابق اضافة الى الحوادث العامة كالحريق وحوادث السير والكوارث الطبيعية مثل الهزات الارضية والفيضانات والبراكين وغيرها.

كما قد يحصل النسيان بسبب القلق الناتج عن مشاكل مالية او عاطفية او حدوث صراع نفسي داخلي مثل الشعور بالذنب إزاء بعض الاندفاعات أو التصرفات التي يندم عليها الانسان فيما بعد أو الصعوبات الشخصية التي تبدو غير قابلة للحل، كل هذه بعض من دواعي حصوله.

ومن الممكن ان يستمر فقدان الذاكرة لوقت طويل مالم يتعرض الفرد ذاته الى تجربة مماثلة او قريبة من تلك التي تسببت بحدوثه اذ ان تعرض الانسان لنفس الذكريات او الخبرات يجعلهم يستعيدون الذكريات تلقاء أنفسهم مما يعيد تدوير الموضوع مرة اخرى، وانا شخصياً وبعد القراءة المكثفة عن الموضوع الا انني عجزت من التوصل الى حقيقة ان هذا النوع من النسيان، هل هو سلبي باعتباره يفقد الانسان جزء من ذكرياته ام ايجابي لأنه ينسيه الخبرات غير المريحة؟

يبدو ان اخراج الفرد من حالته ممكنة لكن يحتاج الى الذكاء في التعامل معه عبر خطوات علمية موضوعية مثل اخراجه من دائرة الضغط كإخراجه من المعركة مثلاً او اشغاله بمهنة او وظيفة تنسيه ما تسبب له بذلك وتبعده عن حالة التدهور النفسي التي اصابته، كما يلجأ الاطباء النفسيون (الطب الاكلينيكي) الى التنويم المغناطيسي والمقابلات العلاجية البسيطة للحد من القلق المرتبط بالفترة التي تسببت بالأزمة، وبعد كل هذه العلاجات لابد ان يستمر العلاج النفسي عبر توعية المريض بأسباب الصدمة والصراعات التي تسببت في الاضطراب ومن ثم التفكير في تجنب الصدمات مستقبلاً للمضي في الحياة.

في الختام نقول مع كل هذه الخطوات التي أشرنا اليها لعودة المرضى الى وضعهم الطبيعي، الا ان امكانية التعافي التام تبقى مرهونة باستعداد الانسان لتقبلها والتعاطي معها لكسر الموانع التي تفقدهم ماضيهم، كما ان الاعراض ممكن ان تقل تدريجيا مع تقادم العمر.

اضف تعليق