يواجه القطاع الصحي في العراق أعباء متزايدة من جراء تفشي فيروس كورونا covid-19 والذي شكل خطراً داهماً على جانبي العرض والطلب للخدمات الصحية، إذ ضرب فيروس كورونا العراق وهو ليس مستعد لمثل هذه الكوارث، بسبب هشاشة وضعف النظام الصحي وعدم قدرته على التصدي له ووقف تداعيات انتشاره، ليقع تحت وطأة أزمة صحية قوية تبعتها أزمة اقتصادية خانقة بسبب انخفاض أسعار النفط وانخفاض حجم الإيرادات المالية للبلد، على أثر اجراءات التباعد الاجتماعي وتوقف أغلب الأنشطة الاقتصادية على المستوى الدولي، مما انعكس بشكل سلبي على القطاع الصحي نتيجة انخفاض حجم التخصيصات المالية لمواجهة الجائحة.

ومنذ اكتشاف أول إصابة في 24 شباط/فبراير 2020 في النجف الاشرف، باشرت وزارة الصحة العراقية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية بوضع خطط لمواجهة تفشي الفايروس، إذ أقر مجلس الوزراء تشكيل لجنة عليا للصحة والسلامة الوطنية بوصفها الجهة المعنية بمكافحة انتشار فيروس كورونا المستجد في العراق، برئاسة رئيس مجلس الوزراء وعضوية عدد من الوزراء والأمين العام لمجلس الوزراء ومحافظ البنك المركزي العراقي ومستشار الأمن الوطني وعدد آخر من المسؤولين.

وخول مجلس الوزراء اللجنة مسؤولية وضع السياسات والخطط العامة والإشراف على تنفيذها، والتنسيق مع السلطات التشريعية والقضائية والأطراف الدولية ذات الصلة بمكافحة انتشار الوباء، كما خول مجلس الوزراء خلية الأزمة مسؤولية الاشراف على الإجراءات الاحترازية وتقديم الخدمات الصحية للمواطنين على أن ترفع الخلية توصياتها إلى رئيس مجلس الوزراء لإقرارها، وقد اصدرت اللجنة جملة من القرارات منذ بداية انتشار الجائحة وتفشيها في البلد.

وعلى الرغم من كل الاجراءات المتبعة والمتخذة للحد من تفشي الفيروس ومنع انتشاره، إلا إن المستشفيات الحكومية أصبحت غير قادرة على استيعاب المصابين وعدم توفر أسَرة للمرضى، فضلاً عن عدم توفر أجهزة الإنعاش الرئوي، وفي هذا الإطار أكدت وزارة الصحة والبيئة الى إنه بالتنسيق مع العتبتين الحسينية والعباسية وهيئة الحشد الشعبي، تمت إضافة ما لا يقل عن 20 مركزاً للشفاء في عموم المحافظات وبسعة سريرية تصل لــ 11 ألف سرير.

ومع ذلك، وفي تموز 2020 حذرت المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق من كارثة انسانية في البلاد، مبدية قلقها من تردي الوضع الصحي في المحافظات والمدن العراقية، واشارت الى إن تردي الوضع الصحي في المحافظات والمدن العراقية نتيجة ضعف وانعدام البنى التحتية الصحية وقلة الدعم الحكومي المقدم للمستشفيات والمراكز الصحية والنقص الشديد في مادة الأوكسجين وعدم توفر المسحات والمستلزمات الوقائية والأدوية، مما تسبب بحصول حالات الوفاة للمصابين بفيروس كورونا، وأكدت المفوضية ومن خلال فرقها الرصدية شحة المستلزمات الصحية والطبية وتخبط الجهات المعنية باختيار أماكن للحجر الصحي للمصابين وعدم تهيئة المستشفيات الكافية لمواجهة الارتفاع في عدد الإصابات بالفيروس وانتهاك لحق الصحة للمواطنين في عموم البلاد، وشددت على إن الحفاظ على سلامة وصحة المواطنين هي من مسؤوليات وزارة الصحة وهي مطالبة باتخاذ القرارات المدروسة وانتهاج الخطط الواقعية لمواجهة الجائحة بكل السبل الممكنة، مطالبة وزارة الصحة بـتكثيف جهودها لدعم المؤسسات الصحية وتوفير كميات الأوكسجين الكافية للمصابين بفيروس كورونا لتجنب انهيار الوضع الصحي وحصول كارثة انسانية في البلاد.

وتشير الإحصاءات الى إنه وحتى 26/2/2021 بلغ عدد الإصابات 688698 إصابة، فيما بلغ عدد حالات الشفاء 630178 حالة شفاء، في حين بلغ عدد الراقدين الكلي بالمستشفيات 45155، أما الراقدين في العناية المركزة بلغ 386 حالة، في حين بلغت حالات الوفاة 13365.

مع دخول السلالة الجديدة والمتحورة من الفايروس الى العراق تزايدت اعداد الإصابات بشكل مضطرد وقوي جداً لتنخفض نسبة الشفاء من 95.6% الى 91.9% في غضون أقل من شهر وليرتفع عدد الراقدين الكلي بمقدار 32%، في حين ارتفع عدد الراقدين بالعناية المركزة بنحو 49.5%، ووفقا لجامعة جونز هوبكنز الامريكية ويتصدر العراق قائمة الدول العربية الأكثر تضرراً من الجائحة.

ظاهرة قومية اللقاحات

بعد مرور أكثر من عام على تفشي جائحة كورونا والتي تحولت الى أزمة صحية وإنسانية واقتصادية منقطعة النظير، تسابقت الدول والشركات العالمية من أجل توفير العلاجات واللقاحات لمواجهته، وبدأت الدول المتقدمة والغنية كالولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الأوروبي بتقديم الأموال لدعم مراكز البحوث والمؤسسات الطبية، وعقد اتفاقيات ثنائية للحصول على اللقاح، الامر الذي دعا رئيس جنوب افريقيا سيريل رامافوزا الى اطلاق مصطلح (قومية اللقاحات) بسبب استئثار الدول المتقدمة على حصص قد تفوق حتى عدد سكانها، اذ سيطرت 10 دول على نحو 70% من انتاج اللقاحات بينما تم تجاهل الدول الفقيرة، مما يشكل خطراً كبيراً في ظل النقص الكبير في الإمكانات وعدم قدرتها على احتواء الزيادات في اعداد الإصابات.

وهناك احتمال كبير أن تتعافى الاقتصادات المتقدمة وبضع أسوق صاعدة بسرعة أكبر بينما تتأخر معظم البلدان النامية (ولعل العراق من بينها) عن هذا الركب لسنوات قادمة، ولن يؤدي هذا الى تفاقم المأساة الانسانية التي جلبتها الجائحة فحسب، بل أيضاً في تكثيف المعاناة الاقتصادية التي تمر بها الفئات الاكثر هشاشة(1).

وقد برز التفاوت الكبير بين الدول الغنية والفقيرة من حيث القدرة على توفير اللقاحات لمواطنيها بعدما انطلقت أكبر حملة تطعيم في التاريخ، إذ تم إعطاء اللقاحات لا كثر من 200 مليون شخص في 51 دولة، منها بريطانيا، ودول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وكندا، والصين وروسيا، والإمارات، والسعودية وبعض الدول الاخرى.

وقد كشفت هذه الحملة (كما أوضح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية)، عن انعدام صارخ للمساواة في الحصول على اللقاح، محذراً من اتساع الهوة بين الاغنياء والفقراء بشأن الحصول على اللقاح، كما أشار الى إن اللقاح ومدى فعاليته في الحد من انتشار الجائحة هو اختبار للإرادة السياسية والالتزام الأخلاقي عالميًا لأن اللقاح هو الفرصة الأفضل للسيطرة على الجائحة في حال لم يتعصب قادة العالم لقوميتهم في اختيار اللقاح، وأضاف أن المساواة في تقديم اللقاح ليست مجرد شعار، لأنه يحمي الناس من الإصابة في كل مكان، كما أنه يوقف مقاومة الفيروس وتطوره وظهور طفرات جديدة منه.

وفي هذا الإطار، ومن أجل ضمان الوصول إلى اللقاحات ومساعدة الدول النامية والفقيرة في الحصول عليها، في ظل ظاهرة تنامي ظاهرة قومية اللقاحات انضمت 189 دولة (ومنها العراق) إلى مرفق التحالف العالمي لإتاحة اللقاحات كوفاكس COVAX COVID-19 Vaccine Global Access Facility والذي تقوده منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع تحالف اللقاحات (جافي (GAVIوالتحالف من أجل ابتكارات الاستعداد للأوبئة، من أجل التوزيع العادل والمُنصف للقاحات وتوفير احتياجات 20% من سكان الدول المشاركة قبل نهاية عام 2021.

وعود توفير اللقاحات: البقاء خلف الركب

كشف تفشي الجائحة عن اختلالات عميقة في القطاع الصحي العراقي، لعل أبرزها تأخر العراق عن توفير اللقاحات بعد مضي أكثر من شهرين عن بدء التلقيح في معظم دول العالم، إذ يعاني من تعثر واضح في توفر اللقاحات التي تم اعتمادها من منظمة الصحة العالمية وهي لقاح فايرز- بيونتيك واسترازينيكا، فبعدما بدأت أغلب دول العالم بالتطعيم خلال شهر كانون الثاني من عام 2021، أعلنت وزارة الصحة العراقية عن بدأ عمليات التلقيح مع نهاية شباط وبداية نيسان من عام 2021.

وقد أشارت الوزارة على إنها اتفقت مبدئيا على استيراد 8 ملايين جرعة أخرى من اللقاح البريطاني أسترازينيكا عبر منصة كوفاكس وستصل على مراحل بدءً من نيسان/ابريل 2021، في حين يتلقى العراق 1.6 مليون جرعة من لقاح فايزر- بيونتيك نهاية شباط/فبراير 2021، وقد صرح وزير الصحة عن تعاقد الوزارة لشراء 17.5 مليون جرعة من اللقاح المضاد لفيروس كورونا تكفي لنحو 20% من إجمالي عدد السكان، في حين عزت وزارة الصحة تأخر وصول اللقاحات إلى العراق لأسباب لوجستية وفنية خاصة فيما يتعلق بمنتجي لقاح فايزر- بيونتيك.

من جانب آخر، قالت وزارة الصحة والبيئة في منتصف تشرين الأول 2020، أن العراق سيتسلم 10 ملايين جرعة من لقاحين أحدهما بريطاني والآخر صيني نهاية العام، وسيتم تخصيصها للفئات ذات الخطر العالي، واضافت إن العراق سيتسلم دفعة ثانية بعد مضي 3 أشهر من استيراد الدفعة الاولى ليصبح العدد الكلي 20 مليون جرعة، مشيرةً الى إن تلك اللقاحات لم تسبب أية مضاعفات جانبية للأشخاص.

إلا إنه وبعد مضي 3 أشهر من عام 2021 وبعدما قطعت بعض الدول اشواطا بعيدة في تطعيم مواطنيها للحفاظ على حياتهم من هذا الوباء القاتل، لم تفي وزارة الصحة بوعودها والتزاماتها تجاه الشعب العراقي بتوفير اللقاحات، وقد انتقدت مفوضية حقوق الانسان بطء الحكومة وتأخر إجراءاتها فيما يخص وصول اللقاح بالقول (إن فشل الحكومة في إدخال اللقاح لغاية الان، في وقت بدأت فيه دول فقيرة حملات اللقاح لا يختلف عن فشل الحكومات المتعاقبة في إبعاد الازمات وأسباب الموت عن العراقيين).

في حين أشارت الوزارة الى إن تأخر وصول لقاح فايزر هو بسبب مطالبة الشركة بوثيقة حماية تشريعية، وعلى ما يبدو إن منح الشركة هذه الوثيقة قد يستغرق وقتاً طويلاً وقد تحتاج الى توافقات سياسية بينما يلقى الشعب العراقي مصيره في مواجه الجائحة، وقد يحصل التوافق السياسي وتٌمنح الشركات وثيقة الحماية للحصول على اللقاح بعد انتهاء الجائحة.

إجمالاً، يواجه العراق تحديات لوجستية كبيرة وخيارات محدودة جداً لتوفير اللقاحات تتمثل في ضعف البنية التحتية اللازمة لنقل وخزن اللقاحات لا سيما تلك التي تحتاج الى حافظات خاصة تصل درجات الحرارة فيها الى -70 او أكثر، الى جانب عدم تخصيص وتوفير الموارد المالية اللازمة، ناهيك عن عدم قدرة العراق على عقد الاتفاقيات الثنائية مع الدول المنتجة للقاح.

ولهذا نحتاج إلى تعاون دولي وثنائي مع الدول المنتجة للقاحات أقوى بكثير من أجل تسريع نشر اللقاح في العراق، كما ينبغي العمل على توفير موارد مالية اضافية أعلى بكثير من تلك التي تم تخصيصها (لا سيما في ظل ارتفاع أسعار النفط وتوفر الموارد المالية) لتأمين توفير جرعات إضافية من اللقاحات، الى جانب توفير كافة الترتيبات اللوجستية اللازمة للقاح فايز الامريكي، كما من الضروري مفاتحة الدول المتقدمة والتي لديها فائض في الوقت الحالي من أجل تحويله الى العراق، فضلاً عن الحاجة الى توفير وإتاحة المزيد من الأدوية واختبارات الكشف عن الفيروس، بما في ذلك السلاسل المتحورة من اجل السيطرة على الوباء.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

....................................
المراجع:
(1) كريستالينا غورغييفا، اجتناب التباعد الكبير: مفترق طرق في طريق الاقتصاد العالمي، صندوق النقد الدولي، 24 فبراير 2021، متوفر على الرابط:
https://www.imf.org/ar/News/Articles/2021/02/24/blog-the-great-divergence-a-fork-in-the-road-for-the-global-economy

اضف تعليق