أبو رعد، رجل بلغ الخامسة والخمسون من العمر، موظف في وزارة التربية، راتبه مع خدمة عشرين عاما، لا يتعدى السبعمائة ألف دينار، ولديه طفل مصاب بمرض مزمن، راتب أبو رعد بالكاد يسد حاجات البيت، فيبخل على نفسه حتى بشراء الدواء، كي يوفره لعائلته ما يريدون، مع انه مريض، لكنه يخفي مرضه عن عائلته، ومازال أبو رعد متنقلا في بيوت الإيجار، فحلم بيت ملك، لن يتحقق في الدنيا، لمحدودي الدخل والفقراء في العراق.

بالمقابل، "أيهاب" شاب تخرج للتو، لكنه مقرب من قيادي في الحزب الحاكم، فيتم تعيين في أمانة رئاسة الوزراء، براتب يصل لثلاثة مليون، مع استلام قطعة ارض، وسيارة حديثة، بالإضافة لايفادات لا تنقطع، وحتى شريط حبوب الصداع "البراسيتول"، على حساب الدولة، فأمثال يونس مدللين عند الدولة.

هنا تكمن قصة الظلم العراقي، التي أسسها النظام الجديد، فئة صغيرة تتنعم بكل الملذات، وفئة واسعة تكافح لتحفظ كرامتها.

مؤسسات الدولة، هي مصدر دخل اغلب العراقيين، نتيجة خراب القطاع الخاص، وهشاشة قطاع الاستثمار، بسبب غياب الفهم والرؤية الاقتصادية، لمن حكم العراق، من صدام إلى المالكي وأخيرا العبادي، فأصبح اعتماد الناس على التعيين في دوائر الحكومة، لتطمئن بحصولها على راتب ثابت، على أساسه توفر متطلبات حياتها العسيرة، في عراق يحكمه الفاشلين.

النخبة الحاكمة كان لها أرادة غريبة، أنها لا تريد أن يكون العراقيين، تحت خيمة من العدل والمساواة، فهذا شرط دوام الحكم، كما علمهم أستاذهم ميكافيلي في كتابه الأمير، فكان يجب أن ينتهجوا أساليب تفتت المجتمع، وتمييت الأحلام.

عمدت النخبة الحاكمة، إلى الاهتمام بطبقة الموظفين المقربة منهم، طبقة (المدراء العامين)، فأجزلت لهم العطاء، فتحول كل مدير عام إلى أمير، وليس مجرد موظف، راتب ومخصصات وسفرات وسلطة، وهكذا تم كسب هذه الطبقة المترفة بأحضان الأحزاب، وهم سبب خراب الدوائر الحكومية، حيث هم المحرك الأهم للفساد، والكثير منهم كانوا رفاق بعثيين، عاشوا طويلا في أحضان صدام، لكن العهد الجديد جاء ليكرمهم، فالأحزاب تجد في الفاسدين، خير نعمة! لتدوم أيام سعادتها، وانتصاراتها.

لم تتوقف محاولات النخبة الحاكمة، في تخريب مؤسسات الدولة، عند هذه الخطوة، لأنها ستضمن فئة ليست واسعة، بل كانت تسعى لتوسيع المتعلقين بحبالها، ليكون للفساد والخراب شكل أوسع.

عندها أسست النخبة الحاكمة رواتب خرافية لموظفي وزارة النفط، والأمانة العامة لرئاسة الوزراء، وموظفي البرلمان، والموظفين المقربين من كل وزير ورئيس هيئة، بحيث يستلموا رواتب إضعاف مضاعفة، عن ما يستلمه الموظف العادي، مما جعلها طبقة تعيش بحياة مختلفة، مرفهة جدا، ولم تقف الأمور عند الرواتب، بل قامت النخبة الحاكمة بتخصيص أراضي لهذه الفئة، من دون باقي دوائر الدولة، وايفادات بل حتى العلاج، يكون على حساب الدولة لهم وحدهم.

أسباب تأسيس الفئة المدللة:

السبب الأول: كسب ولاء هذه الفئة للنخبة الحاكمة، بسبب استمرار رواتبها عبر دوام الولاء، وهكذا ضمنت الفئة الحاكمة فئة مطيعة، ومتفانية في الدفاع عنها.

السبب الثاني: كي تكسب النخبة الحاكمة مصالحها عبر هذه الفئة، فالعقود والرشاوى والمزايدات، كلها تمر عبر هذه الشبكة النتنة والمدللة جدا.

السبب الثالث: ارادة بريمر، التي اقتضت أن يكون العراق، البلد رقم واحد بالفساد، ولا يكون هذا إلا عبر هذه الفئة المدللة، والتي اجتهدت كثيرا لنشر الفساد، بكل صوره.

السبب الرابع: ترابط المصالح، بين التجارة والسياسة والخارج، مر عبر هذه الفئة المدللة، واستمرار الأعمال يحتاج لديمومة هذه الفئة.

من يريد الإصلاح الحقيقي، لا يكون عبر الوزراء التكنوقراط فقط، بل عبر إقصاء كل المدراء العامين، والإسراع بتسوية رواتب مؤسسات الدولة، واسترجاع كل دينار صرف ظلما، وإلغاء قوانين بريمر، وكل القوانين الظالمة، التي سمحت بتضخم رواتب المدللين، بالإضافة لأهمية تفتيت هذه الطبقة السرطانية، عبر تدوير الموظفين بين الوزارات، مع تعويض الأغلبية، عن سنوات الظلم التي مضت.

فهل من سياسي شريف، سيعمل على أنصاف المحرومين والفقراء، وهم أغلبية الشعب، ويجتهد في تفتيت الفئة المدللة، كي تشرق شمس العدل، على ارض لم ترى إلا الظلم.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
2