حينما يكون أداء الاقتصاد سيئاً فهو دليل على الحكم السيء والعكس صحيح حينما يكون أداء الاقتصاد جيداً فهو دليل على الحكم الجيد.

هناك ارتباط وثيق الصلة بين السياسة والاقتصاد المجتمع، ومتى ما استطاعت الادارة السياسية السيطرة على الاقتصاد فإنها تستطيع السيطرة على المجتمع والتحكم به وفقاً لأهدافها ورغباتها.

التحكم بالاقتصاد التحكم بالمجتمع

بصرف النظر عن نوع النظام السياسي، ديمقراطي أم استبدادي، يطمح الحاكم، في الغالب، البقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة، للتنعم بالمكاسب التي توفرها السلطة، وهناك العديد من الأساليب التي يلجأ إليها لتحقيق طموحه ولكن دائماً ما يتم التركيز على الاقتصاد والتحكم به إلى جانب الأساليب الأخرى.

لان الاقتصاد يُعد ركيزة أساسية ومهمة في حياة أي مجتمع، وهو "عصب الحياة" كما يُوصف في الغالب، فالتحكم به يعني التحكم بالمجتمع، فيلجأ الحاكم إلى التحكم بالاقتصاد حتى يتحكم بالمجتمع بالشكل الذي يبقيه في السلطة، سواء من خلال إغراءهم بالأموال أو يضيق عليهم حالتهم المعيشية فيمضون أغلب الوقت من أجل لقمة العيش بعيداً عن التجمع والتآمر عليه.

آثار التحكم بالاقتصاد

كلا الأمرين، الإغراء والتضييق، يتركان آثار اجتماعية لا تنسجم مع المبادئ الأخلاقية والإنسانية، لان الأول يخلق الغرور وتجاهل الأخطاء وتبرير الظلم وغيرها، والثاني يدفع بالفرد إلى السلوك المنحرف كالسرقة والغش والاحتيال وغيرها، وكلا الأمرين نتاج التحكم بالاقتصاد من قبل الحاكم.

إن السيطرة على الاقتصاد والتحكم به سيؤدي إلى بقاء الحاكم لأطول مدة ممكنة في السلطة والتنعم بمكاسبها لكن في الغالب -إن لم يكُن دائماً- إن مصير هذا الحاكم سيؤول إلى مصير سيء للغاية سواء في حياته أم بعد مماته، لأنه خلق مجتمعا اتكاليا اقتصادياً.

الأفضل إدارة الاقتصاد وليس التحكم به

في حين إن إدارة الاقتصاد بالشكل السليم من قبل الحاكم وليس التحكم به سيؤول مصير هذا الحاكم وحكمه بالأخير إلى مصير جيد سواء في حياته أم بعد مماته، كنتيجة لتحفيز المجتمع على بناء نفسه اقتصادياً بعيداً عن الاعتماد عليه وعلى الآخر.

فالحاكم الذي يدير الاقتصاد أفضل من الذي يتحكم به، لأن الأول يحاول أن يستوعب الجميع ويتمتع الجميع بثمار النمو الاقتصادي وذلك من خلال اعتماد الجميع على ذاته في حين الأمر مختلف بالنسبة للثاني فهو يحاول أن يستوعب الجميع أيضاً ويتمتع الجميع بثمار النمو الاقتصادي ولكن ليس باعتماد الجميع على ذاته بل بالاعتماد عليه هو، ومن هنا يتدخل ليتحكم بالمجتمع.

الاقتصاد تحت قبضة الحاكم

فالسيطرة على الاقتصاد والتحكم به، من قبل الحاكم السياسي وفقاً لطموحه وتطلعاته بعيداً عن طموح الشعب وتطلعاته، يترك مخلفات اجتماعية كثيرة وكبيرة، تمت الإشارة لبعضها آنفاً، وتتجذر هذه المخلفات بشكل أكبر بمرور الزمن فتتراكم وتصبح أكثر تعقيداً، مما تستدعي الكثير من الجهود لمعالجتها أو التخفيف من حدتها.

إن التحكم بالاقتصاد والسيطرة عليه، يعني غياب الملكية الخاصة وامتلاك وسائل الانتاج من قبل الدولة وإدارتها وفقاً لإرادة الحاكم وموت الحافز الاقتصادي لدى الأفراد وقتل الطموح والابداع والابتكار وهذا ما يؤدي إلى موت الطاقة والحيوية والنشاط، وبهذا يخسر الاقتصاد الكثير من مقوماته.

إن الحاكم السياسي، الذي يروم البقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة، يُدرك جيداً انه لا يُمكنه تحقيق هذا الهدف في ظل تخلي الدولة عن الاقتصاد وإتاحة الحرية الاقتصادية للقطاع الخاص، أفراد وشركات، وانفكاك المجتمع عن الدولة واعتماده على نفسه في الشؤون الاقتصادية.

فيعمل الحاكم السياسي، جاهداً على إحكام الاقتصاد تحت قبضته، حتى يحصر كل الفرص الاقتصادية بيده، فيستطيع توجيه المجتمع حيثما يُريد، كونه، الاقتصاد، هو البوابة الوحيدة لمصدر معيشتهم ومصيرهم ووجوده، وكما يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام "احتج لمن شئت تكُن أسيره".

العلاقة عكسية وطردية

ويمكن القول، هناك علاقة عكسية بين الحاكم السياسي والاقتصاد المبني على الذات، إذ كلما يتنامى هذا الأخير يزداد دوره وتأثيره في المجتمع وهذا ما يقوض دور الحاكم السياسي في تحقيق طموحه وتطلعاته، فيبدأ العد التنازلي لمدة بقاءه في السلطة وينخفض شيئاً فشيئاً مستوى تنعمه بمكاسب السلطة.

بينما تكون العلاقة طردية بين الحاكم السياسي والاقتصاد المبني على الدولة، لأنه كلما يزداد هذا الأخير يزداد دور الأول وتأثيره على المجتمع وبالتالي يستطيع توجيه المجتمع من خلال اقتصاد الدولة وفقاً لما يبقيه أطول مدة ممكنه في السلطة.

إن الحكم السيء هو الحكم الذي يقوض الحرية الاقتصادية ويلغي الملكية الخاصة ويتدخل في الاقتصاد ويتحكم به ويحصر فرص العمل بيده فيكون المجتمع بواسطة الاقتصاد أسير لأهدافه ورغباته فيكون الاقتصاد في حالة يرثى لها في ضوء المنطق الاقتصادي.

خلاصة القول، إن اقتصاداً سيئاً لبلد ما يُعد دليلاً واضحا على سوء الحكم السياسي، لان هذا الأخير يعمل على حكم الاقتصاد تحت قبضته وفقاً لرغباته ولم يديره وفقاً لتطلعاته شعبه.

ومتى ما كان الاقتصاد جيداً فمعنى ذلك إن الحكم السياسي لا يعمل على إحكام الاقتصاد بقبضته وإنما يعمل على إدارة الاقتصاد طبقاً لتطلعات الشعب وليس لرغباته فحسب.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0