في المناسبات المتضمنة طقوساً خاصة يجري الحديث أولاً؛ عن العلاقة بهذه المناسبات، ثم الدوافع للمشاركة والتفاعل، بل وما يعود على المشاركين من آثار ايجابية وربما تكون سلبية ايضاً، وهذا الجدال يدور بحركة أقوى في البلاد الاسلامية المأزومة في ثقافتها وهويتها؛ بين متبني للثقافة الاسلامية، بما يحمل هذا العنوان من مضامين، أو من يتبنى الثقافة المتحررة، والمتغيرة حسب التطورات الحاصلة في العالم.

في المناسبات الدينية يجري اللوم على عدم الالتزام بالطقوس العبادية والأحكام المتعلقة بها، وابرزها صيام شهر رمضان المبارك، وأيضاً إحياء ذكرى استشهاد الامام الحسين، عليه السلام، وقضيته المعروفة، خلال شهري محرم الحرام وصفر الخير، بينما في مناسبات أخرى يجري اللوم بشكل مخالف تماماً؛ على إحياء مناسبات مثل "عيد الحب"، او "الكرسمس"، والاحتفال برأس السنة الميلادية، ومناسبات تتضمن طقوس تعود لأمم وشعوب أخرى مثل عيد الألوان القادم من الهند، وعيد الهالوين (طرد الأرواح) القادم من أوربا، وتحديداً من ايرلندا، على أن هذه الطقوس لا تمتّ الى الإسلام وثقافته وآدابه بصِلة.

الثقافة الاسلامية تظهر انسانية الانسان

لانها ليست ثقافة طقسية –إن جاز التعبير- تنحصر في مظاهر فرح او حزن، تدعو الناس الى الكرنفالات والاحتفالات، او الى مجالس البكاء واللطم في فترة زمنية محدودة وحسب، وإنما هي ثقافة انسانية ذات مدخلية في كل شؤون الحياة، بل و تشمل برعايتها الحيوان والنبات والطبيعة بشكل عام، لذا نجد في كل الفعاليات المتعلقة بالمناسبات الدينية جانباً ملحوظاً من الفائدة للانسان، مثل؛ صيام شهر رمضان وآثاره الصحية والاجتماعية، "صوموا تصحّوا"، يقول رسول الله، وحج بيت الله الحرام، {ليشهدوا منافع لهم}، وايضاً؛ الاعياد وما لها من آثار اجتماعية معروفة، بل وايضاً الفعاليات المختلفة المتعلقة بقضية الامام الحسين، التي يطول الحديث عن آثارها وأبعادها، بما يعني أن أهم معيار لصحة الثقافة مردودها الايجابي على حياة الانسان، "فالثقافة الاسلامية تظهر إنسانية الانسان ولا يطمسها، فاذا التزم الانسان بهذه الثقافة الربانية فسوف تساعده على إظهار انسانيته". (محاضرات ثقافية- السيد جعفر الشيرازي).

وفي بلد مثل العراق يعيش الغالبية من أهله أوضاعاً نفسية واجتماعية صعبة بسبب ضغوطات المعيشة، وسوء الإدارة والحكم، مما يدفعهم الى نوافذ من خلالها يلقون ما في كوامنهم من نكد العيش وإرهاق الحياة، فتلجأ شريحة الى الاستجمام والسياحة في مناطق مختلفة، فيما تختار شريحة أخرى أجواء الصخب والاحتفال في مناسبات ربما لا يعرفوا عنها الكثير، بغية صناعة الابتسامة على الشفاه، وإرضاء رغبة نفسية للتحلل من الالتزامات وإن كانت تتعارض مع الهوية والطابع الذي يعرفه العالم عنهم كونهم مسلمين ومن أتباع أهل بيت رسول الله.

وما يخفى على الشريحة الثانية أنهم يخسرون ثروة ثقافية وحضارية تتحسّر عليها سائر الأمم، وهي أصالة وجذور هذه الثقافة، ومن أبرز بنودها على الصعيد الاجتماعي؛ صلة الرحم، والتزاور بين المؤمنين، مع إفشاء السلام، والمصافحة والمعانقة، كلها حركات بسيطة في ظاهرها وعظيمة في مخرجاتها وآثارها على الفرد والجماعة، لاسيما في أيام الجمعة، والمناسبات السعيدة مثل الأعياد وذكرى مواليد الأئمة، وفي أوقات مختلفة، تنشر البهجة وتعمّق الودّ والمحبة والرحمة بين الصغير والكبير، وبين أفراد الأسرة والعائلة وبين الاصدقاء ايضاً، بل حتى من لا صلة صداقة به، كأن يكون بائع في متجر، او سائق تكسي، او عامل بناء.

هذه الثقافة هي التي تدخل السرور والارتياح في نفس كل انسان، والتي بشر بها رسول الله، والأئمة المعصومين من بعده، لتعزيز كيان المجتمع الاسلامي، وجعله عصيّاً على التضليل والانحراف والفساد، فضلاً عن المشاكل والازمات المعيشية التي تمثل الهمّ الاكبر لنا، بينما عمل الحكام الأمويون والعباسيون على حلحلة هذه الأواصر، وتغييب القيم السمحاء، وإعادة الحياة للقيم الجاهلية الداعية الى الأنانية والتكبّر، وإشباع الرغبات والنزوات من خلال مجالس الطرب واللهو والسماح بافتتاح دور الرقص والغناء في عاصمة الدولة العباسية بغداد.

لا ندم بعد يقين

عندما تتوفر المعرفة الكاملة بصحّة وسلامة ما نقوم به في المناسبات المختلفة، لاسيما المناسبات البهيجة، فمن يحصل على فرصة للانبساط والمرح لا يرجو الندم بعدها لأنه ضيع وقته وأمواله لمجرد حضوره في أجواء صاخبة، بين الإضاءات الملونة، والمطاعم الراقية، والضحكات المتكسرة والمتبادلة هنا وهناك، فتقول الفتاة يوماً ما: ليتني لم أنفق الوقت والمال على التبرّج والسعي لجذب الانظار، فيما يقول الشاب: ليتني لم أنفق الوقت والمال على الطعام والشراب ومصاحبة البطالين، والاستفادة من كل هذه الامكانات للدراسة والبحث والعمل لكسب العلم وتحسين المعيشة، بدلاً من اتباع طقوس لا علاقة لنا بها.

هذه الصحوة تحدث عندما تحيا الفطرة السليمة المودعة في نفس كل انسان، "صحيح أن الفطرة قد تُطمس بالعادات والتقاليد، ولكنها قادرة على أن تظهر نفسها في كثير من الاوقات، فهي تنسجم مع الثقافة الاسلامية، بالمقابل؛ النظام الاسلامي يتلاءم مائة بالمائة مع هذه الفطرة"، وهذا يحتاج الى عودة حقيقية للأصول والجذور، والتفكّر في أبعادها وآثارها على الفرد الواحد، وعلى الجماعة، حتى ننتهي من هذا الجدل المستهلك للوقت والاعصاب والتفكير، وايضاً؛ لبعض المشاحنات والتقاطعات داخل كيان المجتمع الواحد، وهو بحد ذاته يشكل ثغرة تستنزف القوى وتخلخل أواصر العلاقات بين المكونات الاجتماعية، كأن يكون بين شريحة الشباب، وكبار السن، او بين الفتيات والأمهات، فنربح الاحترام فيما بيننا جميعاً، ونستعد للتطلع الى ما هو أساس وأسمى.

اضف تعليق