في حديقة جميلة مخضوضرة بالعشب على مساحة واسعة، تتسوّر العوائل هنا وهناك حول موائد الطعام او اقداح الشاي يلمّون الشمل بين الصغير والكبير، والرجل والمرأة والشباب في أجواء حميمية، يتبادلون الاحاديث والنكات، فتسمع من هذه الحلقة الأسرية أصوات الموسيقى والأغاني، بينما ترى في حلقة أخرى فتيات او نساء بقمصان شفافة وضيقة، مع مسحة من المكياج بألوان وأشكال فنية متعددة، بينما ترى حلقة أخرى تتسور فيها نسوة يتمسكن بالعباءة رغم انشغالهن بتناول الطعام، لاسيما اذا كان يستلزم إطلاق الأيدي لتتحرك نحو الدجاج المشوي او السمك المسكوف.

هذا المشهد مألوف في معظم المدن الاسلامية المترامية في بلادنا، لأن هؤلاء الناس –المسلمين- أحرار في تصرفاتهم، وهم مسؤولون عنها في حدود عدم الإضرار بالآخرين، كما هي رؤية الكثير في الاوساط الاجتماعية والثقافية، فلا ضير، ولا تناقض في الأمر بين أن يختار فرد في الأسرة أن يكون طالب علوم دينية او خطيب حسيني –مثلاً- بينما الفرد الآخر اختار لنفسه العمل التجاري بالربا، او ان يقضي أوقاته مع فتيات الليل!

معيار "الانسانية" هو الذي يشرعن هذه المعادلة في المجتمع، ويعطي حق التصرف بما يراه الانسان مطابقاً لرغباته وقناعاته، لا بما نصّت عليه شريعة السماء من أحكام، نعم؛ ربما يدرك البعض فوائد ما جاء في النصوص من قيم ومفاهيم، و ربما ايضاً؛ يعجز آخر عن هذا الادراك، فالقضية نسبية لديهم؛ ليس فقط ما يتعلق بالدين، وإنما حتى ما يتعلق بالأخلاق والآداب المسألة نسبية ايضاً، وقد تطرقنا الى هذا الموضوع تحديداً في مقال سابق، بأن البعض يرى الأخلاق مسأل نسبية، فاذا كان هذا المشهد المسرحي او السينمائي خادشاً للحياء في مكان، فهو لا يكون كذلك في مكان آخر، او لدى أناس آخرين، حتى وإن كان الجميع على دين الاسلام، يقرأون القرآن الكريم، ويحجون الى بيت الله الحرام، ويصلون ويصومون!

هذه المشاهد امتداداً لواقع منتج بعيد عما أوصى به رسول الله أبناء الأمة منذ بدايات التاريخ الاسلامي، بأن لا يهجروا القرآن الكريم وأهل بيته، وإلا تحلّ بهم الكوارث والدواهي، الأمر الذي استدعى البعض لأن يبتكر طريقة للخروج من هذا المأزق الفكري والعقدي تقضي بفصل العقل عن "النصّ الديني" المتمثل بالقرآن الكريم وما خلفه لنا الرسول الأكرم والأئمة المعصومون من قول وفعل، لتظهر أبرز مدرستين لانتاج الاحكام الاسلامية؛ مدرسة العقل (الفلسفة)، ومدرسة الوحي والقرآن الكريم التي لم تبتعد مطلقاً عن العقل في استنباط الحكم الشرعي فيما يتعلق بعلاقة الانسان بأخيه الانسان.

لقد بذل الأئمة المعصومون جهوداً جبارة لافهام الأمة أن الانسان قادر على صياغة ايمان يلتقي فيه العقل بالنص الديني، بشهادة القرآن الكريم الذي يؤكد دور العقل والتفكر والعلم في الوصول الى الحقائق، كما حذروا في الوقت نفسه من الوقوف على عكازٍ دون آخر، فهم في الوقت الذي كانوا مثالاً في التعبّد والتهجّد، كانوا يخصصون اوقاتهم لنشر العلم والمعرفة، فكانوا المصدر والمنبع المعترف به من قبل عامة المسلمين، ومن ثم في الزمن المعاصر؛ من قبل علماء الغرب المسيحي، فهم شجعوا على استخدام العقل في اكتشاف الحقائق العلمية، والاستعانة به ايضاً؛ في محاورة دعاة العقلانية ممن يقيسون كل شيء بهذا المعيار، ففي عهد الامام الصادق، كان الفيلسوف الكندي يطلق تشكيكاته على القرآن الكريم مدعياً التناقض فيه، فبعث اليه من يحاوره بلغته العقلية بأن ما أدراك ما يريده الله –تعالى- من هذه الآية التي تصورت ان فيها تناقضاً مع آية اخرى؟!

وما عزز هذا المآل في الواقع الاسلامي، حملة التشكيك في منظومة الروايات الواصلة الينا من المعصومين، لاسيما من الرسول الأكرم، حيث شاع بين المسلمين كثرة الكذب عليه، صلى الله عليه وآله، وهو على قيد الحياة، وفي الفترات الزمنية المختلفة بعد وفاته، وأن ثمة تشكيك بمصداقية بعض الرواة، او مدى دقتهم في نقل الحديث ثم الاحتفاظ به كما تلفظ به المعصوم، بل ذهب البعض الى القول بالتناقض بين روايات المعصومين، أما بالنسبة للقرآن الكريم فان أبواب التدبّر كانت مغلقة بوجه المسلمين لقرون طويلة حتى فترة قصيرة، بدعوى وجود الظاهر والباطن، ولا يمكن الاعتماد على تفاسير وتآويل مختلفة للكتاب المجيد، بيد أن حديثاً واحداً من رسول الله يكفي لحسم الجدال وإنهاء حالة الاضطراب الفكري السائد: "إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نورا، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه".

ثغرة واحدة، ربما من جملة ثغرات تعاني منها فكرة الفصل بين العقيدة والسلوك، وهي؛ العاقبة والنتائج من وراء دفع الانسان وحيداً في ساحة الحياة ليختار ثم يجرّب، فاذا حقق الفائدة فذاك خير، واذا كان الفشل والفضيحة والسقوط، فهي تجارب الحياة لابد من خوضها، رغم تعارض هذا التوجه مع العقل الداعي للاستفادة من تجارب الآخرين، وعدم تكرار ما أخطأه الآخرون، و وفق هذه القاعدة العقلية ارتقت شعوب وأمم في العالم الى مراقي التقدم.

واذا تصفحنا القرآن الكريم نجد أنه يعطي قيمة عالية وسامية للانسان، ليس فقط كونه خليفة منتخباً من قبل الله –تعالى- بل في الفرص العظيمة المتاحة أمامه للنجاح في حياته من خلال سنّة الابتلاء (الاختبار) في كل شيء يعتزّ به ويعده مهماً مصيرياً؛ من مالٍ، و نفس، و أولاد، وحتى في علاقته مع محيطه الاجتماعي كما حصل مع نبي الله يونس عندما {ذهب مغاضباً} على الذين أمعنوا في الكفر ومعارضة رسالته السماوية، ثم عاد واستغفر ربه في قصته مع الحوت، ليستعيد ثقته بنفسه وبإيمانه بالله.

وفي نفس الوقت نلاحظ التحذير من مغبة السقوط في هذا الاختبار عندما يغفل لحظة واحدة بانه عبدٌ لله –تعالى- وبامكانه التعالي ومصادرة حريات وحقوق الآخرين بمختلف الاشكال، وتحت عناوين مختلفة، فيكون مصيره، ليس فقط الخسارة يوم القيامة، وانما الخسارة في الدنيا ايضاً، وهي السنّة الإلهية الثابتة في الارض بأن { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}.

اضف تعليق