في إحدى الأزقة القديمة في النجف الأشرف، كان يسكن رجلٌ معروف ببعض الاعمال غير الصالحة، وله سمعة غير طيبة بين الناس، لذا كانوا يتحاشون التعامل معه، او الاقتراب منه، أحد خطباء المنبر الحسيني كان على موعد لمجلس في مكان ما، فصادف طريقه على هذا الزقاق، وإذا به يجد ذلك الرجل يقف أمامه وسط الزقاق مما أثار الفزع في نفسه، فحاول التلطّف لتنحيته عن الطريق فمنعه الرجل، وبيّن له أنه لا يبيّت له شراً، إنما يطلب منه أن يقرأ له مجلساً (قراية) في بيته هو، وبعد رجاء الخطيب الشديد بالمغادرة، وإلحاح الرجل وتوسلاته، وافق الخطيب على إلغاء موعده، وسلّم أمره الى الله.

وصل الخطيب مع الرجل الى الدار وإذا بها خالية لا أحد فيها!

قال له: اين الحضور؟!

قال الرجل لا أحد عندي في الدار، سواي أنا، ارجوك أن تقرأ لي المجلس الحسيني!

نزل الخطيب عند رغبة الرجل، لكن؛ سأله ثانية: و أين المنبر؟! فقد كانت باحة البيت (الحوش بالعراقية) خالية تماماً.

فما كان من الرجل إلا أن سارع بالجلوس على الأرض بوضع السجود وقال للخطيب اجلس على ظهري واقرأ مصيبة الإمام الحسين، عليه السلام!

تمّ ذلك المجلس الحسيني العجيب على ذلك المبنر الغريب، وخرج الخطيب الى حال سبيله، تاركاً الرجل يجهش بالبكاء على مصاب الإمام الحسين، وبعد أيام سمع الناس نبأ وفاة الرجل "غير المرغوب به"، وتناهى الى أسماع الخطيب، وعدد من الخطباء والعلماء هذا النبأ، إذ كان الرجل معروفاً، ولكنه ترك أثراً عظيماً في النفوس في الايام الاخيرة من حياته، فقد جاء أحد الخطباء الى ذلك الخطيب وأخبره بمنام غريب لم يفهمه –وهو لا يعرف ما حصل في ذلك المجلس-. قال له: رأيت أمير المؤمنين، عليه السلام، ينهى من دخول جنازة الى حرمه الشريف كون صاحبه غير لائق بأن يطاف حول المرقد ويدفن في الحرم، فجاءه الامام الحسين، وقال له: "يا أبتاه هل ترضى أن يُحرق منبرك بالنار"؟!

هذه القصة المُعبرة يرويها سماحة الفقيه الراحل آية الله السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- في إحدى محاضراته العاشورائية الداعية لتفعيل المجالس الحسينية والاهتمام بها والحرص على إغنائها بالمحتوى الفكري والثقافي، مؤكداً على دور المنبر التربوي والثقافي وحتى الحضاري ضمن منظومة الشعائر الحسينية.

فالمنبر الذي نجلس تحته، ونتحدث عنه، إنما هو منبر الامام الحسين، وقبله منبر أمير المؤمنين، ومنبر رسول الله، صلوات الله عليهم، وفق هذه الرواية وشواهد عديدة، ولذا كان بمنزلة المنطلق لمواجهة الطغاة، وصوتاً صادحاً للمظلومين، ولنشر الوعي، وإماطة اللثام عن الحقائق، وفضح التزييف والتضليل، فكانت البداية في مجلس يزيد بن معاوية، في تلك الساعات العصيبة على الامام السجاد، وهو مكبل بالسلاسل أمام "نظائر" مترنحة بالفخر والزهو بظنهم الانتصار بقتلهم الامام الحسين، ووضع رأسه الشريف أمامهم. خطابة الإمام السجاد هي التي هشمت كبرياء وخيلاء الأمويين، وكشفت حقيقتهم للناس وللعالم، وليس المنبر الذي وصفه بـ "الأعواد".

إنه والخطيب صنوان؛ يعلو شأنهما معاً، كما يتسافلاً معاً عندما خاطب الامام السجاد ذلك الخطيب: "ويحك! اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار".

أما النجاح والتألق فهو في تحقيق مرضاة الله وليس مرضاة عباد الله، {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}، (سورة البقرة،87)، وهي عينها مصداق ما ذهب اليه سماحة الفقيه الشيرازي بارتباط الشعائر الحسينية بالله –تعالى- ويعرّف الشعائر بانها "معالم الدين والعلامات التي تسوقك الى الله –تعالى- وتأخذ بيدك اليه".

واستناداً الى هذه القاعدة، فان كل شيء يهون، أكبر قوة إرهابية، وأعتى طاغية، وأعظم خطر ثقافي او أمني او اقتصادي او غيره، لن يكون ذو أهمية بوجود شعاع الوعي والثقافة المنبعث من المنبر الحسيني، فهو باكورة الشعائر الحسينية، انطلق من مجلس يزيد بعد أيام من واقعة عاشوراء واستشهاد الامام الحسين، وما يزال يصدح بدوره المحوري الخاص، وقد تخللت مسيرته عبر القرون، تطورات اجتماعية وثقافية أظهرت ممارسات جديدة أضيفت الى الشعائر الحسينية.

من يحتاج لمن؟!

شيعة أهل البيت، عليهم السلام، في البلاد الاسلامية لم يكن لديهم ما يجبرون كسرهم؛ سياسياً وثقافياً واجتماعياً، سوى هذا المنبر والخطيب الحسيني.

كان للأسرة نبراساً للفلاح والصلاح، وللمصلحين والثائرين صوتاً هادراً يقطعون به دابر الظلم والطغيان، ويخلقون تلك الهواجس المرعبة التي أقضت مضاجع الحكام على مر العصور، الى جانب دورهم الوعظي والإرشادي، فهم الساعد الأيمن لعلماء الدين والحوزة العلمية لنشر أحكام الدين وتحكيم الشريعة في الحياة، فضلاً عن إحكام الربط بين حياة الناس –في كل زمان ومكان- وبين حياة المعصومين وسيرتهم، وطريقة حياتهم.

بالمجمل؛ يتضح أننا نحظى بنعمة إلهية لا تضاهى تحملنا مسؤولية أخلاقية وحضارية ودينية ايضاً بالحفاظ على الدور الحقيقي للمنبر الحسيني، والحرص على استمراريته كما اراده لنا الأئمة المعصومين الذين طالما أكدوا بأن "أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا"، فسألوا الامام الرضا، عليه السلام، عما هو "الأمر" قال: "يتعلم (الخطيب) علومنا ويعلمها الناس فان الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا"، ولحققوا السعادة والرخاء في حياتهم.

ولعل البعض يردد الروايات عن بكاء النبي الأكرم، ونوح الصديقة الزهراء، صلوات الله عليهما، في حياتهما على الامام الحسين، وكذا الحال بالنسبة للأئمة الاطهار، وكيف أنهم كانوا يقيمون العزاء، ويحثون على إقامة المآتم والمراثي، ويشجعون الشعراء والادباء، كل هذا لإرواء النفوس والقلوب بمفاهيم ومبادئ النهضة الحسينية، وإزالة جدب الافكار بالتضحية، والإيثار، والصبر، والمساواة، والحرية، والإصلاح، فكل ما نقدمه من أعمال ومنها المجالس الحسينية "لا يحتاجها الله –تعالى- ولا سيد الشهداء، إنما نحن من نحتاجها، إن سيد الشهداء ليس بحاجة الى بكائي، بل أنا الذي احتاج الى هذا البكاء، حتى آتي يوم القيامة وعيني قريرة يوم تكون كل العيون باكية، أنا الذي احتاج للحضور في مجالس سيد الشهداء، حتى آتي يوم القيامة وقلبي حيّ يوم تموت فيه القلوب لأن القلب الذي يحضر مجالس سيد الشهداء يكون حيّاً في الحياة الدنيا، وحيّاً يوم القيامة ايضاً، إذن؛ لنؤدِ أعمالنا بتواضع لا بإدلال". (الشعائر الحسينية والتحديات الحضارية، الفقيه الشيرازي).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1