يفترض ان تكون العادات والتقاليد والآداب والاخلاق، من أعزّ الاشياء لدى الشعوب كونها تمثل الهوية والمائز عن غيرها، بيد إن كل هذا يترك جانباً ليحل محله التراب، والماء، والمال، ليكون الهمّ الأكبر في الصراع بين الشعوب المقهورة والقوى القاهرة سياسياً واقتصادياً، فتكون المطالبة بالحصول على الاستقلال السياسي من سيطرة هذه القوى واستعادة السيادة على الارض والمياه والثروات، وهذا نتاج الثقافة الانهزامية لشريحة المثقفين "المستلبين" ممن أقنعوا شعوبهم بأن جزء كبير من محنهم ومعاناتهم طيلة قرون من الزمن مرده الى تلكم التقاليد والعادات، وحتى الأخلاق، مما يستدعي صياغة ثقافة جديدة بقالب جميل حتى وإن جاء من وراء البحار.

حدث هذا عندما عاشت الأمة لقرون عديدة في ظل ثقافة ضبابية خليط من العادات والآداب والقوانين الاجتماعية التي يعود جزء منها الى الثقافة المحلية وتراث الآباء والاجداد، والجزء الآخر؛ للثقافة الدينية التي خلفها رسول الله، وهي ثقافة القرآن الكريم، وقيم السماء، وما يريده الله –تعالى- للبشر، ولاسباب لسنا بوارد الخوض فيها، عجزت الأمة عن الحفاظ على تلك الثقافة الاسلامية التي خلّفها لهم نبيهم، ثم كرّسها الأئمة المعصومون من بعده، بل و صار تغليب العادات والتقاليد الخاصة بهذا الشعب او ذاك على "الثقافة الأم"، الامر الذي حدا ببعض المثقفين والمفكرين المعاصرين لأن يفرطوا بالثقافة الاسلامية برمتها، علماً أنهم قرأوا سيرة نبيهم، وكيف أنهم استخرج العادات والتقاليد الحسنة في العهد الجاهلي ودمجها في الثقافة الاسلامية مثل؛ الشجاعة، والكرم.

سيرة رسول الله ثقافة الفطرة السليمة

لمن يطالع السيرة النبوية الشريفة يجد أن النبي ليس فقط دعا الى عبادة الواحد الأحد، و حارب استعباد البشر، و وأد البنات، والربا الفاحش، وكل مظاهر الانحراف والبغي في المجتمع الجاهلي، وإنما جعل انسان الجزيرة العربية آنذاك يلامس كيانه وشخصيته الانسانية لأول مرة، وبما يتطابق تماماً مع الفطرة الانسانية، فكان أول قرار له؛ إلغاء الفوارق بين بني البشر، وعدّهم سواسية أمام الله الواحد الأحد، من خلال نشر ثقافة المساواة والأخوة الايمانية، وجعل التقوى والايمان والعمل الصالح هو معيار الأفضلية وليس أمر آخر، وهذا بحاجة الى تغيير بعض العادات والتقاليد والسلوكيات كان منها؛ قول العرب في الجاهلية في تهنئتهم للمتزوج حديثاً: "بالرفاء والبنين"، كون الناس آنذاك كانوا يتمنون للمتزوج أن يرزق بمولود ذكر وليس بأنثى، فنهاهم رسول الله عن قول هذا وقال لهم: "بل قولوا على الخير والبركة"، كما كان من سنّة النبي تغيير أسماء الأولاد التي دأب العرب آنذاك على تسميتهم بأشياء غير محببة، كأن تكون من الجماد، او الحيوان، كما هو الحال في "صخر"، أو "حرب"، أو "معاوية"، وهو اسم يرمز الى أنثى الكلب! وكان يستبدلها بأسماء جميلة، ثم وضع فقرة في القانون التربوي بأن "يحسن الأب تسمية ابنه"، كأحد حقوق الابن على أبيه.

كل هذه وغيرها من الامور الجزئية في الحياة، أولاها النبي الأكرم اهتماماً بالغاً لتكون منظومة ثقافية شاملة ينتهجها عرب مكة والمدينة، ومن ثم سكان الجزيرة، وكل مكان يصله شعاع الاسلام في العالم.

إن سنّة النبي الأكرم وثقافته المستمدة من قيم السماء لا تقل أهمية عن الاحكام والشرائع التي جاء بها من عند الله، ومن خلال تبليغه كلام الله وآيات الكتاب المجيد طيلة فترة حياته، فهذه السنّة كانت تمثل طريقة حياته، صلى الله عليه وآله، وكل حركة وسكنة له، وطريقة كلامه، ومشيه، ونومه، وطعامه، وتعامله مع أسرته، وافراد المجتمع، وهذا ما لم يأتي بالتفصيل في القرآن الكريم، بل جاء بالخطوط العريضة للأحكام والسنن الإلهية والقيم الاخلاقية العامة، ولذا نجد أن "الخُلق العظيم" سبق الآية الكريمة التي مدحته بهذا الخصلة العظيمة، فهو، صلى الله عليه وآله، لم يستثن في أخلاقه الكريمة حتى القط النائم على ردائه، والخروف الذي أطعمه نواة التمر بظاهر يده تكريمه للتمر، بل وحتى الديك الذي كان وحيداً في دار أحد الاصحاب! كما جاءت في بعض الروايات، وايضاً الحفاظ على النبات والطبيعة والبيئة من خلال الحرص على التشجير، "لو بقيت ساعة على يوم القيامة، وكان بيد أحدكم فسيلة فليزرعها".

ولمن يسأل عن سبب الاهتمام بالعادات والتقاليد التي سنّها النبي الاكرم قبل الف واربعمائة عام، يكفي أن يراجع اهتمام قوى الاستعمار التي انطلقت من اوربا لتجتاح الاراضي الاسلامية، فأول ما قامت به تغيير العادات والتقاليد لدى الشعوب لمعرفتهم أنها تشكل الثقافة والهوية المناقضة تماماً لما لديهم من ثقافات يريدون نشرها وتكريسها تمهيداً للسيطرة والنفوذ، "فهم حاولوا تغيير كل شيء، وحتى العادات البسيطة، كما فرض الحكام –من بعدهم- على الناس ان لا يستعملوا الملابس التي كانت سائدة عندهم، وأجبروهم على استعمال الزي الغربي"، (محاضرات ثقافية، السيد جعفر الشيرازي)، وهذا ما فعله رواد العلمانية والتغرّب في العالم الاسلامي، وفي مقدمتهم؛ كمال اتاتورك في تركيا، ورضا بهلوي في ايران، ففي ايران تم ترويج لبس القبعة للمزارعين بذريعة الحفاظ على رأس الفلاح من حرارة الشمس! والامثلة على ذلك كثيرة ومعروفة.

العودة الى شاطئ الأمان

من أهم وأبرز سمات القرآن الكريم أنه صانع مُتقِن "لثقافة مستدامة" تفيد البشرية جمعاء في كل زمان ومكان، فهو جاء {بلسان عربي مبين}، تعبيراً عن واقع الانسان، وحقيقة تكوينه، وما ينطوي عليه من صفات ونوازع وغرائز، ولمن يقرأ آيات من الذكر الحكيم، لاسيما في السور المدنية الخاصة بالمجتمع والحضارة، يجد كماً هائلاً من العادات والآداب والتقاليد التي تنظم حياة الانسان والمجتمع بأفضل ما يكون.

ولا أروع من التفاتة سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي في حديثه عن الآية الكريمة {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ}، فقد أراد القرآن تقويم سلوك أهل المدينة ممن كانوا يأتون الى بيته وينادونه بصوت عالٍ ليخرج اليهم –كان معظمهم من عرب البادية- وكانوا ينادونه باسمه "أخرج الينا يا محمد"! بمعنى أن جميع من كانوا يتصرفون هكذا لم يكونوا يعقلون، بيد أن القرآن يتوخى الأدب في التعليم، ومراعاة مشاعر الناس، بما يسميه الفقيه الشيرازي بـ "أدب القرآن".

إن الطريقة الذكية لصياغة ثقافة جديدة ومتميزة للمسلمين، تكشف عن قدرة القرآن الكريم لأن يكون "المصدر الأول للثقافة الاسلامية"، ففي الآيات الكريمة ثقافة الحوار، وثقافة الحب بين أفراد الأسرة، وثقافة المسؤولية المجتمعية، وثقافة التنافس على البر والتقوى، وثقافة الاحترام المتبادل، وثقافة السلم واللاعنف، وغيرها كثير، وهذا يثير لدينا تساؤلاً عن مدى قدرتنا على الاستفادة من المصدر الثرّ لاستعادة ثقافتنا من براثن الثقافات المستوردة المفروضة علينا منذ اكثر من قرن من الزمن.

إن القدرة في هذا المضمار تمثل جوهر التحدي في الكفاح لنيل الاستقلال الثقافي، فقد ابتعدنا كثيراً عن روح القرآن وثقافته، فبقي كلمات جميلة على أوراق براقة وأغلفة زاهية، حتى بلغ الأمر لأن يدرجها البعض ضمن الكتب التي تباع وتشترى في المكتبات، فليست هنالك قوة خارجية ابعدتنا عن القرآن الكريم، ومنعتنا من الاستفادة منه كما يجب، والدليل أن المسلمين في القرون الاولى كانوا أسياد العالم في علومهم وآدابهم وأخلاقهم التي حملتهم الى آفاق الارض لينتشر نور الاسلام الى أقاصي اندونيسيا والصين، والى أقاصي افريقيا، إنما الهجران، والانكفاء على الذات بحثاً على المصالح الضيقة والسعادة بأقل الاثمان، هو الذي جعلنا ضحايا ثقافات من وراء البحار، ومن ثم تكون لدينا ثقافة هجينة تتلاعب بأذواق وتقاليد وعادات الناس ذات اليمين وذات الشمال بين فترة وأخرى، الامر الذي يضعنا امام استحقاق العودة الى هذا الكتاب المجيد، والى شاطئ الأمان وسط الأمواج الثقافية الهائجة، وقبل التفكير بالعودة يجدر بنا التفكير بحل ثلاث مشكلات ضمن مسيرة الكفاح هذه، وهو ما أشار اليه سماحة السيد جعفر الشيرازي في كتابه "محاضرات ثقافية"، ودعى لمعالجتها وهي:

المشكلة الاولى: الفهم الخاطئ للقرآن

البلاغة والاستعارة والسجع وجزالة التعبير وعذوبة القول، كلها وغيرها تدفع بالبعض لأن يسحب آيات القرآن الكريم الى سائر ما يطالعه ويقرأه من كتب اللغة، والأدب، والمؤلفات الثقافية والفكرية، في حين إن ما نقرأه بين دفتي الكتاب المجيد هو كلمات الوحي النازلة من السماء، وعلى الجميع فهم هذه الحقيقة قبل استنباط أي حقيقة او قانون او حكم من القرآن، وهو ما يسمى بالايمان والاعتقاد بكتاب الله، "لأن الاعتقاد يظهر على جوارح الانسان اذا كان جازماً، أما اذا لم يكن اعتقاده حقيقياً، بل كان مجرد لقلقة لسان فلا يظهر على جوارحه ولا في عمله".

المشكلة الثانية: الفهم التجزيئي

ربما يكون الفهم والإيمان لبعض مفاهيم القرآن، بل ويعمل بها، ثم يترك المفاهيم والقيم الاخرى تصوغها ثقافات اخرى لانه "يريد أن يجمع بين الثقافة الاسلامية وغيرها، فيأخذ من القرآن الكريم ما ينسجم مع ظروفه وأوضاعه ويترك منه ما لا ينسجم معها"، ولا أدلّ على تشبث البعض بثقافة التسامح والسلم الواردة في القرآن، بينما يشيح بوجهه عن الآيات العديدة الداعية لمواجهة الظلم والطغيان، والدعوة للإصلاح والتغيير والتضحية بالمال والنفس في هذا الطريق، ويقال أن الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، عندما عاد من زيارته لاسرائيل عام 1977 رفع شعار الآية الكريمة: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}، ويبدو انه نسي هذه الآية عندما خاض حرب تشرين عام 1973 ضد اسرائيل!

المشكلة الثالثة: محاولات ليّ عنق النصّ

مرة اخرى تتدخل الرغبات والمصالح في فهم آيات الذكر الحكيم من خلال توجيه المعنى نحو غايات مطلوبة لدى هذا او ذاك بما يُطلق عليه حديثاً بـ "ليّ عنق النصّ"، في قضايا كبرى مثل؛ القيادة التي أقضت مضاجع القبائل العربية في صدر الاسلام، وبعض الاسماء التي بقيت تحنّ الى الجاهلية رغم ما قدمه خاتم الانبياء والمرسلين، وما بناه لهم من حياة طيبة، وحضارة صاعدة على سائر الأمم.

الثقافة القرآنية فيما يتعلق بأمر القيادة واضح جداً في آيات عدّة توضح صفات وشروط القيادة، منها؛ الجواب النازل من السماء الى نبي الله ابراهيم عندما ابتهج باختياره إماماً ونبياً: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، فالظلم ليست من ثقافة القرآن فيمن يريد ان يكون قائداً وحاكماً، فهل حكم المسلمين هذا المعيار بعد رحيل نبيهم الكريم؟

رغم وضوح الآية الكريمة النازلة يوم الغدير في حق أمير المؤمنين، بأن {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً }، بمعنى أن الولاية والقيادة بالنصّ الإلهي تكمّل الدين، ومن دونها فلا تبقى مصداقية للدين، ولكن! وبعد مضي قرون وعهود، اذا بنا نسمع من حكام في بلدان صنعها الاستعمار الغربي يختفون خلف آية قرآنية لكسب المشروعية أمام الجماهير: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ}، فأولي الأمر هو نفسه ذلك الملك في هذا البلد الخليجي، او ذلك الزعيم العربي!

ولعل من روّاد ليّ عنق النصّ؛ الخوارج الذين رفعوا الآية الكريمة: {إن الحكم إلا لله} في وجه أمير المؤمنين الذي جاء التنصيب له بالولاية والقيادة من السماء مباشرة، والمشكلة ما تزال قائمة، حيث المساعي جارية لتغيير المعاني الحقيقية للآيات وحرفها عن معناها ومرادها كما ارادت السماء وذلك من خلال اعتماد بعض التفسيرات والتأويلات بما يتوافق مع الرؤى والغايات عند هذا او ذاك.

وجود هذه المشكلات والعقبات في طريق الوصول الى ثقافة صحيحة، هو الذي يهدد ثقافتنا بالتبعية والذيلية واستنساخ الثقافات والعادات من الخارج مما يجعل الناس في مهب الريح، وفي تغيرات مستمرة كما لو أنهم من جنس الجماد يتقبلون كل نمط، وكل موديل يظهر في الاسواق الغربية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5