{وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}

في غمار مواجهة محتدمة على الصعيد السياسي، والفكري شهدها العراق في ستينات القرن الماضي، ينجو من يحافظ على وجوده في الساحة بإيجاد ما يسمى بحالة "توازن القوى" مع الخصوم، بينما يعلو من يتفوق ويستوعب الساحة بعمقه الفكري ورصيده الاجتماعي، وعندما نلقي نظرة على تلك الحقبة التاريخية ونقارنها مع ما نحظى به اليوم من قدرات و امكانيات وظروف مؤاتية، نعرف حجم الانجاز العظيم الذي حققته الحركة المرجعية في العراق انطلاقاً من كربلاء المقدسة، وهي لا تمتلك سوى الإيمان والإرادة والعزيمة وامكانات بسيطة مقارنة مع امكانات تيارات فكرية كانت مدعومة من دول كبرى، ومنهج عمل شعاره "الغاية تبرر الوسيلة"، بينما كان شعار الحركة المرجعية؛ الآية القرآنية من سورة النحل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

لقد حول الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي فكرة الحوار الى تطبيق عملي للتعريف بالنظام الاسلامي في الحياة، وكيف أنه الأصلح للبشر جميعاً؟ وكيف يكون القرآن وكلمات النبي وأهل بيته، عليهم السلام، فنارات معرفية وعلمية لما يحتاجه الانسان في حياته؟

لم يكن الشهيد الشيرازي يكتفي بإيمانه أنه على حق، إنما المهم تعميم هذا الايمان على افراد المجتمع وبمستويات عالية، وهو ما اختطّه الرسول الأكرم، وأهل بيته خلال أدائهم دورهم الرسالي، فكانوا يقدمون الاسلام بأروع صورة، يبقى الاختيار على الانسان نفسه، وهل يريد ان يكون عبداً لله، يمنحه كل شيء في الحياة، حتى النصر على أعداء الله –تعالى- كما جاء الوعد الصادق في القرآن الكريم، او يكون عبداً لمن يملك السلطة والمال، فلا يمنحه سوى الذل والموت وحياة النكد؟

منهج الحوار مع الآخر انتهجه الشهيد الشيرازي منذ انطلاقة عمله الرسالي وهو لم يكمل العشرين من العمر، واستمر عليه حتى آخر لحظات حياته، نظراً الى ان ما يحمله من فكر وعقيدة ليست من النوع الذي يحتمل مقولة "الغاية تبرر الوسيلة"، إنما هي رسالة سماوية الى البشرية جمعاء، فهي مسؤولية حضارية كبيرة وعاها الشهيد منذ نعومة أظفاره، جعلته يحاور الجميع على أسس علمية رصينة بغية الوصول الى الحقائق، هذا الحوار كان في أيام المواجهة المحتدمة مع التيارات الوافدة الى العراق في ستينات القرن الماضي، ثم استمر في المهجر، حيث فتح الشهيد صفحة جديدة من حياته الجهادية.

الحوار في قلب المعركة

عندما تعرض الشعب العراقي لموجة فكرية تدعوه الى الإلحاد والتنكّر للخالق وللدين، وحتى القيم الاخلاقية، كان الشهيد الشيرازي في طليعة علماء الدين الذي هبوا لمواجهة هذه الموجة، وبما ان النظرية الماركسية تداعب مشاعر الفقراء ممن يعانون المحن ومصاعب الحياة بسبب تكدس الثروة في جيوب الاثرياء، كان لابد تبيين أن المشكلة من خطأ بشري ولا دخل للدين والتعاليم السماوية بفقر وحرمان الناس، وأن "الدين ليس أفيون الشعوب" بل هو أمل الشعوب على مر الزمن.

الخطوة الاولى ضمن مخطط بعيد المدى اتخذه الشهيد الشيرازي في اعداد ثلّة من الشباب الواعي وتنشئتهم في الهيئات الحسينية، والمحافل القرآنية، ليأخذوا على عاتقهم هذه المهمة، ثم الشروع بالكتابة والخطابة وعقد الندوات في المساجد والحسينيات لمناقشة تلك الافكار التي درسها الشهيد وأمسك بنقاط الضعف فيها، فراح يكتب ويؤلف ويناقش هذه الافكار ويكشف ثغراتها للشريحة المتعلمة في المجتمع، بل ولعامة الناس، ومن الجولات الناجحة في إحدى المساجد المعروفة بمدينة كربلاء ما تسبب بانزعاج شديد من الطرف المقابل الى حد أنهم دعوا الى التوقف عن إلقاء السيد الشهيد محاضراته الفكرية في هذا المسجد.

نعم؛ سنوات المواجهة الفكرية المحتدمة، كانت بحق، سنوات الجمر، حيث كان التنظيم المرجعي يخوض حرباً شرسة غير متكافئة، ليس فقط مع الطرف وما يحمله من افكار، بل و مع الظروف الصعبة، ومع ضغوطات الانظمة الحاكمة، علاوة على العقبات والصعوبات داخل المجتمع، مع ذلك كان السيد الشهيد حامل لواء الحركة الثقافية بما لديه من كلمة و بيان وخلق رفيع، ملتزماً بقواعد الحوار والنقاش العلمي لأي فكرة ونظرية تقتحم الساحة مهما كانت القوى خلفها، ولم يلجأ الى المعارك الكلامية والتسقيط والتشويه، ما عدا القصائد الحماسية التي كان يلقيها في المهرجان الخطابي بمناسبة ذكرى مولد أمير المؤمنين بكربلاء المقدسة، بينما سائر أيام السنة كان السيد الشهيد عاكفاً على التأليف والنشر والمحاضرات والندوات.

إن شجاعة الكلمة والبيان في مواجهة تيار الإلحاد، والمنطق السليم الذي اتبعه، أثمر عن إعجاب رجال الحكم الذين انقلبوا على عبد الكريم قاسم في شباط عام 1963، لما وجدوا في افكاره وطرحه ما يعزز التماسك الاجتماعي ويصون القيم، فبلغ تأثيره على الساحة الثقافية والسياسية أن حجز لنفسه فترة خاصة في أثير اذاعة بغداد ليقدم الى الملايين محاضراته في الدين والأخلاق، وكان احياناً يسجل محاضراته في البيت ثم يأخذها الى مقر الاذاعة ببغداد ليتحول الى صديق محترم ودائم لمسؤولي الاذاعة آنذاك.

وهذا لا يعني انه استراح الى نمط فضفاض من الطرح الثقافي يأخذ بنظر الاعتبار متبنيات وقناعات الآخرين وإن كانت على باطل، ففي الوقت الذي كان يناقش الفكر الماركسي، كان يناقش ويجادل الفكر القومي والعروبي ايضاً، ويثبت أنهما لن يكونا الحل لمشاكل العراق وشعبه، ولعل البعثيين رصدوا هذا الحراك النشط للسيد الشهيد منذ بداية الستينات وقبل ان يصلوا الى الحكم في الانقلاب الاول (1963)، والانقلاب الثاني (1968)، فكمنوا له في الوقت المناسب عام 1970، وأوقعوا به في مكيدة معروفة ألقت به في غياهب السجون وغرف التعذيب.

نجاحات باهرة في نشر التشيع خارج العراق

خرج السيد الشهيد من السجن بشكل اعجازي غير متوقع على اثر إلغاء حكم الاعدام في اللحظات الاخيرة، وهو مثخن بالجراح في جسده ونفسه، لانه يُجبر على مغادرة أرض المقدسات ومنطلق الثورات، بيد انه لا ينسى الاهداف الكبيرة التي ضحى من اجلها؛ هو، وكثير من الشباب المجاهد، فكان التزامه منهج الحوار مواكباً لحركته الجديدة خارج العراق التي كرسها لنشر الثقافة الاسلامية في لبنان وسوريا والخليج وافريقيا.

المنطق السليم، والبرهان في الكلام، والبشاشة المشرقة في الوجه، كلها كانت الطريق السريع لتحقيق نجاحات كبيرة في مجالات التأسيس والتأليف والنشر وإقامة العلاقات الوطيدة مع شخصيات غير شيعية وحتى غير مسلمة، يكفي الاشارة الى تأسيس الحوزة العلمية الزينبية الى جوار مرقد السيدة زينب في سوريا، واستحصال إقامات للطلبة الافغان في سوريا، وهو امرٌ غاية في الصعوبة من الناحية الرسمية، فضلاً عن المنغصات والاستفزازات من ابناء المذهب الواحد وهم يحاولون وضع العصي في عجلة هذا المشروع الحضاري العظيم، فكان السيد الشهيد يواجه كل هذا بالكلام الطيب والادلة المقنعة على صحة ما يذهب اليه.

والنموذج الثاني الذي لابد من الاشارة اليه؛ حثّ العلويين في سوريا على إعلان تشيعهم بشكل رسمي في بيان وقعه عدد كبير من علمائهم، وأنهم بالأصل شيعة اثنى عشرية، بيد ان الظروف السياسية القاهرة في الازمان الماضية دعتهم للتمويه خوفاً من البطش والقمع.

والنموذج الثالث في اختراق المؤسسة الدينية الوهابية خلال تواجده المتواصل في موسم الحج، ولقاءاته بعدد من مشايخ الوهابية وايضاً المسؤولين في السعودية و اقناعهم بشكل مذهل بعدم وجود أي ضرر عليهم من إعادة بناء مراقد أئمة البقيع، وانها تعود عليهم المنفعة والانطباع الايجابي في العالم الاسلامية، بيد أنهم تخلصوا من الحرج الذي سببه لهم السيد الشهيد بأن شرطوا عليه تقديم طلب رسمي من دولة اسلامية ثم تستجيب الدولة السعودية على ذلك، وهو ما لم يحصل مطلقاً.

إن منطق السبّ والشتم واللعن والتكفير لا يبني ثقافة، ولا يصنع وعياً، ولا يحقق الحرية والعدالة ولقمة العيش الكريم للناس، بقدر ما يقوم بكل ذلك؛ لغة الحوار والمنطق التي نرى أن تلك الاطراف الخاسرة بالأمس تتعكز عليها اليوم لتكون مصداق قول أمير المؤمنين: "كلمة حق يُراد بها باطل"، ولذا فان هؤلاء لم يسجلوا نقطة واحدة لصالحهم ولا جولة ناجحة في الحوار مع السيد الشهيد في الفكر والعقيدة فكانوا دائماً الأخسرين

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4