"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا"،
القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 13.

لقد تحول الإسلام منذ زمن ليس بقريب إلى قوة سردية مؤثرة في سلوك الأفراد ومصير الجماعات وصار متحكما في وجهة التاريخ ومحددا لمصير العالم لما تتضمنه من أنطولوجيا عميقة ورؤية أسكاتولوجية للحياة.

ويظن البعض أن الإسلام تم الاستيلاء عليه والهروب به وتعرض لتحويل وجهة وتم إلغاء البعد السردي منه وإفراغه من مضمونه التربوي واستخدامه في الأعمال الحربية العنيفة والسلوكات القتالية غير المشروعة. فماهي مقاصد السردية الاسلامية؟ وكيف تحول الإسلام الى سرد؟ وماذا يراد به عندما يقع إدخاله إلى العملية السردية؟ وهل هو سردية عنيفية أم سردية قوية؟ وكيف يربط الاسلام قوته السردية بالسلم والبر؟ ألا يوجد فرق بين السرد القصصي والسرد التاريخي للأحداث؟ وهل القرآن كتاب تاريخي أم سردي؟ ولماذا يؤكد السرد على الطابع المدني للإسلام وعلى الحقيقة الجمهورية؟ ومتى يسترد الإسلام كونيته؟ وماهي الفائدة المرجوة من بلاغة السرد القصصي في القرآن غير التسامح والمحبة والتعاون؟

والحق أن السردية الإسلامية تعتمد على التخييل والمحاكاة من أجل الاعتبار والتدليل وتضرب الأمثال وتقدم القصص وتجعل من الإيمان مسلكية أخلاقية في حسن العناية بالذات والحرص عن احترام الغير، وذلك لأنها لا تنظر الى الماضي بعيون الدهشة والإعجاب إلا لكي تتمكن من نقد الحاضر وتنظر إليه بعيون غير راضية وغير مطمئنة وتقتدر على صناعة المصير المقبل والتوجه نحو المستقبل بإرادة صلبة.

تعتمد السردية القرآنية على ما يتضمنه النص من معان ودلالات وقدرة على التحبيك وزرع الأمل وتقديم الوعد وإلزام المجتمع بالوفاء والتوجه نحو القصد والانتقال من النص إلى الخطاب ومن الكلام إلى الفعل.

كما تتكون السردية الإسلامية من عناصر خصوصية ذاتية يمكن تكثيفها في مفهوم الملة ولكنها تنشد الموضوعية وتنفتح على الوافد والمغاير وتلتقي بالعالمي والكوني وتريد الاسترجاع والاستجماع ولكنها تطلب أيضا التقدم والتسريع والتحديث وتبحث عن الاستباق والاستشراف وتتمسك بالريادة والراهنية.

تتصف السردية الإسلامية بالطابع الاجتماعي التعاوني وتمس العمق الشعبي للجماهير وتعتبر الفقر رذيلة والظلم فسادا واحتكار الثروة جريمة وتنادي بالغنى الروحي وكسب المال بالطرق الشرعية وتعتصم بالعدالة والمنفعة العامة والمساواة وتمنح العزة والكرامة والمواطنة للمستضعفين والمساكين واليتامى والمحرومين والسائلين وتحرص على الصلح والإصلاح والمصلحة والاستقرار والتمدن وتحرير الرقاب.

والحق أن الإسلام من حيث هو سرد يتدخل في المجال الأخلاقي والحقوقي في حياة الأفراد والجماعات ويلقي بظلاله من حيث لا يريد فاعلوه على القوانين الدستورية والقرارات السياسية من بوابة فن التأويل، وذلك للصراع الدائر بين القوى الاجتماعية بغية الاستحواذ على المقدس الاسلامي وتوظيفه لمصالحهم وإرادة المعنى التي تلبست بإرادة القوة والتي تجعل كل عملية تفسير للنصوص تعكس موقع المفسرين من السلطة وأغراضهم الشخصية ومصالحهم الفئوية، زيادة على الصراع بين التأويلات الدائر في الساحة السياسة حول طبيعة العلاقة بين الدولة والدين ومدى مساهمة الوحي الإلهي المنزل في التشريع البشري.

لقد اعتقد البعض أن الدين انتهى من الناحية التاريخية وأننا نشهد نهاية عصر الإيمان وحاول البعض الآخر الذهاب إلى مابعد المعتقدات وتطرق آخرون إلى مسألة إفلاس السرديات الإسلامية وأفولها. بيد أن الأمر يتعلق بأسوأ معتقد وبموقف إيديولوجي متعال على التاريخ وغير ملائم للواقع الموضوعي وحقيقة الحياة والدليل هو ما نراه بأم أعيينا من عودة للديني وتزايد الطلب على الإيمان واستنجاد البشر بالإلهي.

هناك حاجة أكيدة يجدها المسلمون في علاقة بالإسلام من جهات عديدة يمكن أن نحصرها في ثلاثة:

- الحاجة إلى الألوهية: يجد المسلم المعاصر نفسه في حاجة إلى تجديد علاقته بربه وتجديد الثقة في الألوهية وتحقيق المصالحة مع الذات الإلهية والاستعانة بها في مواجهة الصعوبات والمشكلات. كما يستمد المؤمن ثقته في نفسه ومحيطه من الله في المجالات النفسية والاجتماعية والأخلاقية.

- الحاجة إلى النبوة: يظل النبي هو القدوة الحسنة للمسلمين والنبراس الهادي والشخصية التاريخية التي توفر المرجعية الأخلاقية والتربوية لكل الناس ويظل الحديث الشريف الوعاء الروحي لهم. هكذا يمثل النبي مركز الثقل والنقطة المرجعية في ثبت الهوية ومنح الرؤية الاستشرافية للحياة.

- الحاجة إلى الوحي: القرآن ليس مجرد كتاب ديني تؤمن بقدسيته طائفة من الدينيين وانما هو أكثر من ذلك بكثير لما يتضمنه من اعجاز ووفرة في الدلالة وفائض في المغنى وقيمة مضافة في العلم ويعود اليه الناس ليتدبروا فيه شؤون دنياهم وآخرتهم ويفتشوا في آياته عن مقاصد ومناسك.

من هذا المنطلق يكون الموقف الداعي الى مابعد السردية الاسلامية مجانبا للصواب ومتحاملا على معشوق المسلمين وغير عارف بمقومات الفلسفة السردية نفسها وجاهلا بالعناصر التكوينية للإسلام وواقع في نظرة عدمية متشائمة تريد تصفية الحساب مع المخزون الحي للشعوب واستبداله بالجاهز.

هكذا يظل الإسلام في صيغته التأويلية أحسن القصص وأجمل العبر بالنسبة للإنسانية ويبقى المسلمون في تعلق به من جهة الألوهية والنبوة والوحي تأملا وقراءة وتدبرا بغية ايجاد حلولا ايتيتقية وتربوية للمزالق المستعصية التي تعاني منها البشرية على المستوى الرمزي والمادي وتقتضي ثورة روحية.

من المفروض أن يتم الاشتغال على العلاقة العضوية بين السرد والإسلام وأن ينظر إلى السرد من زاوية إسلامية فيكون القصص وأن يتم التعامل مع القرآن من حيث هو معطى قصصي ومنجم سردي واستخلاص التبعات الإيتيقية والفنية من ذلك وإعادة تشكيل الأركان والأحكام على ضوء هذا التغيير.

من المعلوم أن السردية الاسلامية هي بالأساس سردية عربية من جهة التعامل التأويلي مع لغة الضاد باعتبارها مأوى الكائن ومسكن الكينونة ولكنها تتضمن مختلف السرديات الأخرى التي ينتشر فيها.

نحن أمام سرديات اسلامية وليس أمام سردية واحدة وهذه السرديات الخاصة تتحدث كلها عن مبحث واحد ولكن بأسلوب مختلف وبلغة مغايرة وهذا التنوع والاختلاف هو مصدر إثراء وإضافة. لكن لماذا تم تعليق الحكم حول حقيقة القصص الفني في القرآن وتم التغاضي عن ثراء السرد الإسلامي؟ أليس السرد إعجازا في القرآن؟ ألم ترتبط البلاغة بالقصص ويتغير المعنى بتغير الأسلوب والمبنى؟

* كاتب فلسفي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0