بذل الفلاسفة في اليونان القديمة، ومن بعدهم؛ المفكرون والمصلحون عبر التاريخ، جهوداً مضنية لصياغة فكر منير يرشد الناس الى الأفضل في الحياة، فكانت تفسيراتهم لحياة الانسان، وعلّة وجوده، وعلّة وجود الحياة، ثم بحثوا في طريقة فهم الانسان للاشياء والظواهر الطبيعية، هل يكون من نتاج تفكيره وجهده الذهني؟ أم من طرق غيبية تتصل بالسماء، كما هو منهج الانبياء والرسل الذين بعثهم الله –تعالى- للبشر؟

تعدد المدارس الفلسفية منذ عهد الاغريق وحتى العهود الاسلامية متأثرة بتلكم المدارس، كان أحد ابرز عوامل الانقسام في الامة، لانها لم تتعدد وتنوع في خط واحد، إنما كان طابعها التناقض دائماً، فلم تدم فكرة لفليلسوف، إلا و يأتي من بعده فيلسوف آخر ويدحضها، فمن حِكِم سقراط، الى مثلاية افلاطون، والى مادية ارسطو، ثم الى سلسلة طويلة من التصورات البشرية والاحتمالات الناتجة عن ظروف أحيطت بذلك المفكر فتمخضت فكرة معينة عن الانسان، والوجود، والقوة، والضعف، وغير ذلك، بخلاف الرسالات السماوية التي جاءت كلها في خط واحد طيلة عشرات آلاف السنين، وهي تهدف الى تعريف الانسان بربه وخالقه، ثم تعريفه بنفسه ودوره في الحياة، وكيف يجب ان يعيش ويسعد في هذه الحياة، إنما كان الاختلاف والتنوع في الاساليب الخاضعة للظروف الموضوعية لكل أمة ومجتمع.

لذا نجد البلاد الاسلامية تعاني اليوم أزمة فكرية داخلية حادة، قبل ان تكون مهددة بالغزو الفكري من الخارج، فالعدو الخارجي واضح المعالم، مهما تقمّص بمظاهر معينة، بيد أن المشكلة في الداخل، حيث القدسية تطبع جميع الافكار والنظريات التي تحكم العديد من البلاد الاسلامية، هي الاكثر خطورة، ولا أدل على هذا؛ المذهب الوهابي وابتداعه لفكرة التكفير والإلغاء بكل الوسائل الدموية والوحشية، وهناك من أطلق العنان لنفسه بالاعتماد على الجانب الروحي والمعنوي ليصل بنفسه الى ما يريد، فهو يعبد الله كما يريد، ويفسر الاشياء ويحكم ويفكر بالشكل الذي يراه بناءً على "الحالة العرفانية" التي بلغها، فكونه عارفاً يكفيه عما سواه، بينما تطرّف آخرون نحو العقل، كما بشّر به المعتزلة منذ العهد العباسي، وما يزال البعض يتغنّى اليوم، فكل شيء يجب ان يفهمه العقل ويستوعبه مادياً، وإلا لا وجود له، ولذا نجدهم يضطرون للخروج من الحرج إزاء القرآن الكريم، فيقولون بأنه مخلوق وليس منزل من قبل الوحي!

هذا المآل دفع بابناء الامة الذين يتجهون للصلاة صوب قبلة واحدة، ويقرأن كتاباً سماوياً واحداً، ويُقرون بنبي خاتم، بيد أنهم يفترقون على مذاهب لا تُعد خلقت عقائد مقدسة، ربما تبتعد، نصّاً وعقلاً عن السيرة النبوية الشريفة، ودفعت بهم في أتون معارك طاحنة وما تزال، تسببت في خسائر فادحة ليس في الاموال والانفس، وهو ليس بالقليل، إنما ايضاً في خسارة معنوية عظيمة بتكريس حالة التخلف والتقهقر الحضاري، لذا نجد الاسئلة الحائرة دون جواب منذ قرون، عن منهج الحكم في الاسلام، والصورة النهائية للنظام الاجتماعي، والنظام الاقتصادي ايضاً.

"الوحدة الاجتماعية" في عصر الغيبة والظهور

يفتخر الشيعة على سائر المذاهب الاسلامية بانفتاحهم العلمي والفكري بفضل فكرة "الاجتهاد" التي جاءت متطورة عن التفقّه الواردة نصّاً في القرآن الكريم، كما ورد آيات عدّة في الكتاب المجيد تدعونا الى التدبّر والتفكّر والتعقّل، الى جانب التزام الأسوة الحسنة برسول الله والاعتبار من الماضين والسنن الإلهية الجارية في الحياة.

هذه الخصيصة مكنت التشيع من مواكبة التطورات في الحياة، فهي تضع بصماتها من أحكام وتفسيرات وأجوبة وحلول لكل مستجد، استناداً الى الكتاب والسنّة والعقل والإجماع، وهذا لم يكن إلا بتسديد مباشر من الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، ورعايته لأهل العلم والفضل والتقوى ممن تحملوا مسؤولية قيادة الأمة فيما يتعلق بقاياهم الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، وكما كانوا صمام أمان للمجتمع الشيعي طيلة القرون الماضية، كانوا كذلك لسائر ابناء الامة في كل مكان وزمان، والامثلة يسجلها التاريخ لمواقف انسانية وحضارية من مراجع دين مثل؛ الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء، ومحافظته على التنوع الطائفي في المدينة، وموقف الميرزا محمد تقي الشيرازي، و رسالته الاسلامية الوحودية في الدفاع عن العراق، كبلد اسلامي امام الزحف البريطاني الاستعماري.

ولكن؛ المشكلة في اننا لا نتمكن على طول الخط من الحفاظ على تنوع وتعدد فكري يضمن لنا الامن والاستقرار في ظل التجاذبات السياسية القائمة، لاسيما في منطقة الشرق الاوسط –والأدنى تحديداً- وهي مأزومة بالأساس، بسبب موقعها الجغرافي وعمقها الحضاري، فضلاً عن الثروات الهائلة المودعة فيها، ومن أدوات هذه التجاذبات؛ الفكر والثقافة ومظاهرها المتنوعة الباحثة في كل الارجاء عن ثغرات للاختراق والانتشار مما تسبب في انقسامات خطيرة داخل المجتمع، وحتى داخل الأسرة الواحدة، بين من يؤمن بشدّة بالقيم الاخلاقية والدينية، ومن يدعو الى الحرية الفردية، أو الى المدنية، او الى العلمانية، وأخيراً، ربما ليس آخراً؛ نكران وجود الخالق (الإلحاد).

ولذا نجد علمائنا يدعون دائماً الى الوحدة العقائدية لتحقيق الوحدة الاجتماعية والوحدة السياسية، كون الفكر هو المحرك والدافع نحو صياغة الانظمة التي تقود الحياة، ومن هؤلاء العلماء؛ الفقيه المرحوم السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- الذي أكد تحقيق هذا الطموح على يد الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، في عصر الظهور، فهو الذي يأتي الى العالم "بالتعايش الواقعي" وليس النظري الذي يدعو اليه أهل الفكر والثقافة، فالعالم بشكل عام، والمسلمين بشكل خاص، سيعيشون التسامح والتعايش الحقيقيين، ويستريحوا من التناحرات والصراعات.

العالم والخلاص من التجارب الفاشلة

السؤال هنا؛ كيف يتم ذلك؟

هنالك عدة عوامل تجتمع لتساعد على تحقيق هذا التعايش والتسامح المأمول، منها ثلاثة عوامل:

العامل الأول: وضوح الحق

إن الحق قيمة عليا بحاجة الى مصاديق عملية، فهي المعيار لكل شيء، لذا نجد الجميع يتقمّص الحق ويدعيه لنفسه مهما كان بعيداً عنه، ولذا طالب الامام علي بن أبي طالب، عليه السلام، بأن "اعرف الحق تعرف أهله"، والامام الحجة المنتظر الذي يمثل الحق بكل مظاهره، سيكون بمنزلة الحجة البالغة على العالم عندما يرون منه البراهين القاطعة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فما يأتي به ينتج السلام والعدل والحرية والرفاهية بشكل لا تشوبها شائبة.

وفي ظل ظروف كهذه، يذعن العالم بأسره لقيادة الإمام، وثمة رواية لعلها تشير إلى هذا الأمر، وهي موجودة في "غيبة النعماني"، عن الإمام الباقر صلوات الله عليه في قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق}، حيث يقول الإمام الباقر، عليه السلام، "إن المعني بذلك خروج المهدي، هو الحق من الله يراه هذا الخلق".

العامل الثاني: فشل تجارب الحكم

التجربة السياسية الناجحة مئة بالمئة تعد من المثاليات، لان العالم مرت عليه نظريات وتجارب حكم عديدة، كلها تمثل محاولات لتحقيق الأفضل بشكل نسبي، حتى الديمقراطية فانها باتت "افضل الخيارات السيئة"، فهي لم تتمكن من تطبيق فكرة أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، بينما النموذج الذي يأتي به الامام الحجة، فانه الأكمل والأصح وفق الموازين المنطقية والعقلية.

وفي حديث شريف عن المعصوم: "حتى لا يبقى صنف من الناس إلا حكم الناس"، بمعنى أن العالم قد استنفذ كل المحاولات والنظريات في الحكم، ووصل الى طريق مسدود، كما نلاحظ ذلك اليوم، وربما العالم اليوم ملتزم بالقاعدة الفلسفية: "ليس بالإمكان افضل مما كان".

العامل الثالث: الاحتكام الى قانون السماء

من عوامل البؤس والشقاء في العالم؛ القوانين الوضعية المناقضة للمصلحة الانسانية، فثمة العديد من القوانين السائدة في العالم، لا تبرح تسبب الفقر والطبقية والديكتاتورية، وبعيداً عن الدين والسياسة، فان معظم دول العالم ما تزال عاجزة عن تطبيق وعودها بتوفير الرفاهية الحقيقية لجميع افراد مجتمعاتها، بينما نلاحظ اتساع الفجوة بين الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية الى درجة ان يكون واحد بالمئة من سكان العالم يمتلكون ثروة خمسين بالمئة من سكان هذا العالم! وهنالك احصائيات مشابهة وبالارقام المذهلة عن حجم الثروات التي يكتنزها عدد محدود في العالم مقابل مئات الملايين من الجياع والمحتاجين في القارات الخمس، الى السكن والعمل والعيش الكريم، بينما نظام الحكم الذي يأتي به الامام الحجة، فانه لن يبقي فقيراً واحداً في العالم، وسيبحث الناس عمن يأخذ منهم الزكاة، ويشهد العالم بأسره الرفاهية الحقيقية، وهذا لن يكون بمعجزة او بفعل عامل غيبي، وإن كان هو عضيد الإمام المنتظر، عجل الله فرجه، في كل الاحوال، بيد أن المعصومين، عليهم السلام، ملتزمين بسنن الحياة الطبيعية، ويعملون وفق معادلة الاسباب والعلل، لذا فان الامام ينجح في هذا بتطبيقه القانون السماوي العادل الذي يمنح الجميع فرصة العمل والتملك والبناء، ويوفر كل عوامل التنمية والتطور، فمن الطبيعي أن يسود الازدهار حياة الناس في كل مكان.

ثمة العديد من القوانين الاسلامية معطلة او مهمشة بحجة عدم امكانية تطبيقها، وهي القادرة على إنعاش الاقتصاد ورفع المستوى المعيشي للانسان الى أعلى مرتبة، ومنها؛ قانون "الأرض لله ولمن عمّرها"، فاذا انطلق الناس في كل مكان للبناء والإعمار دون ضرائب وقيود تعسفية، كيف يكون العالم حينئذ؟

ولا أدلّ على ذلك من المنطق السائد في كل مكان، لاسيما في بلادنا الاسلامية، بأن البناء والعمران مهمة الدولة وليس المواطن، فهي التي تمنح الارض، وهي التي تمنح ترخيص للبناء، ثم تتقاضى رسوم وضرائب على هذا البناء، ونفس المشكلة تنسحب على حرية العمل والسفر والتجارة وغيرها.

ورب سائل عن فائدة معرفة ما سيحصل في عصر ظهور الامام الحجة المنتظر، بينما من إنقاذ العالم مما هو عليه اليوم، بينما على ارض الواقع يعج هذا العالم بالكوارث والازمات بمختلف اشكالها؟

إن العالم بشكل عام، والمسلمون بشكل خاص، عندما يعرفون الآلية والكيفية التي سيتم بها إنقاذهم، ودورهم في هذه العملية الكبرى، فانهم سيقتربون من الحقيقة اكثر، ثم يقارنوها مع ما لديهم من افكار وعقائد وتوجهات مهما كانت راسخة في النفوس، فتساعدهم على اتخاذ القرار الحاسم في حياتهم اليوم، كما يقوم بنفس الشيء الاجيال القادمة، وما بعدها حتى تكون الارض مهيئة لذلك اليوم الموعود.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1