ربما لا يدرك الكبار عمق الشعور بالزهو والفخر لدى الصغار عندما تصل منهم، عبارة "السلام عليكم"، وهم جلوس في البيت، او جلوس على مقاعد الدراسة، وربما حتى في الطرقات. هذه العبارة "الخفيفة على اللسان والثقيلة في الميزان" تستدعي جملة من المشاعر الطيبة والافكار الايجابية تفيدهم في حياتهم اليومية ولمستقبلهم.

وفي المنظومة الاخلاقية والثقافية، تقف هذه المفردة في مكانة سامية ذات شأن في البناء الاجتماعي، وقد جاءت التوصيات المؤكدة من المعصومين، عليهم السلام، بضرورة إفشاء السلام، وهو مستحب، وغير واجب، ولكن؛ اذا صدرت التحية من طرف، فان على الطرف الآخر رد التحية بمثلها – على الاقل- وجوباً، ومن أهمية رد السلام، أنها مقدمة على القراءة في الصلاة، ففي الاحكام؛ يجب على المصلي أن يقطع قراءة السورة او التسبيح، ورد السلام بمثله على من سلّم عليه في مكان لا يوجد فيه إلا المصلّي والشخص الآخر.

وعندما نعرف أهمية هذه المفردة الثقافية والاخلاقية في تعزيز العلاقات بين افراد المجتمع، فمن المؤكد تنعكس هذه الخصيصة على العلاقة بين الكبار والصغار في المجتمع ايضاً، وربما اكثر بكثير نظراً لفارق السن، فأداء السلام من رجل كبير في السنّ على طفل صغير لها طعم خاص يختلف بشدة عما ندأب عليه خلال تعاملنا فيما بيننا.

رسالة محبة وسلام، من يبعثها؟

الطفل الصغير، بين محيطين تربويين رئيسيين – إن جاز التعبير- هما: البيت ثم المدرسة، ومن أهم ما يطلبه في محيطه الاجتماعي والتعليمي؛ المحبة والمودة والحنان، الى جانب السلام والأمن والاستقرار، فاذا حصل عليهما اطمأن على حياته ومستقبله، وهذا يتحقق بالدرجة الاولى من خلال "السلام عليكم" التي يبادر اليها الأب في البيت لدى دخوله في المساء، او المعلم والمدرس لدى دخوله قاعة الدرس.

وعندما تنطبع حالة السلام والمحبة في نفس الطفل فانها تتفاعل مع شخصيته لتكون سلوكاً سوياً ينعكس مباشرة على تعامله مع افراد المجتمع، ومع مرور الايام والسنين تكبر معه هذه الخصال، فيكون من السهل عليه احترام الآخرين والتودد اليهم وبعفوية كاملة، بينما العكس تماماً نلاحظه في بعض الشباب الذين يجدون صعوبة في مد جسور علاقة طبيعية مع الآخرين، وإن ارادوا ذلك لحاجة معينة، فانه يسلكون الطرق الملتوية و اتباع اساليب قائمة على صفات سيئة وخطيرة، مثل الكذب والغش والازدواجية والانانية وغيرها. والسبب في ذلك، افتقار هذا الشباب في طفولته لأي لون من الاحترام والتقدير، سواءً في البيت او المدرسة، فعندما لا يصنع الأب والمعلم هذا الاحترام للطفل الصغير من خلال "السلام عليكم" البسيطة والسهلة على اللسان، فانه في شبابه بل وفي كبره، سيضطر لصنع الاحترام الذي يحتاجه بشدّة، بطرق غير مشروعة وغير اخلاقية.

ومما يؤسف له حقاً من بعض الآباء أنهم يشعرون بنوع من الاحراج عندما يلقي الضيوف السلام والتحية على اطفالهم ويظهرون لهم الود والاحترام، مثل القيام أمامهم ومصافحتهم، فيعدون ذلك نوعاً من التكلفة والإحراج لهم، مما يربك الطفل الصغير ويجعله في موقف محرج، متسائلاً عما اذا كانت مبادرة الضيف صحيحة أم لا؟ وما هي دوافعها؟.

إن على الكبار في البيت والمدرسة الايحاء بقوة الى أن أداء التحية والسلام ليست من الامور الكمالية او المجاملة الفارغة، إنما تمثل لبنة في البناء النفسي وتكوين الشخصية المستقبلية.

يتحدث أحد التربويين أنه وجد رد فعل غريب من التلاميذ عندما يسلّم عليهم لدى دخوله قاعة الدرس، وهو الضحك والابتسام، وهذا أمر متوقع من اطفال لم يعهدوا من رجل كبير أن يسلّم عليهم، لذا فان ابتساماتهم العفوية كناية عن الخجل والحيرة عما يجب ان يفعلوه إزاء هذه المبادرة.

نمط ثقافي وحضاري

اذا راجعنا تاريخ الاقوام والشعوب ونمط ثقافتهم، نجد أنهم كانوا يستخدمون مفردات خاصة في موارد عدّة منها التحية فيما بينهم، بين الداخل والخارج او خلال الذهاب والاياب وغير ذلك، ومن هؤلاء عرب الجاهلية في الجزيرة العربية، بيد أن الاسلام جاء وقدم نمطاً جديداً للتحية ذو دلالات عميقة، وهي "السلام عليكم"، هذه المفردة كانت تشكل احدى الصفات المميزة للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وهو شاب يافع قبل ان يبعث نبياً، وفيما بعد صرّح القرآن الكريم في غير آية مباركة أن التحية الصحيحة هي {السلام}، وهي تحية أهل الجنة: {تحيتهم فيها سلام...}. وانطلاقاً من هذا المبدأ حرص النبي الأكرم على ترسيخ هذه المفردة في السلوك الاجتماعي، واختصّ بالدرجة الاولى الاطفال قبل الكبار، حتى جاء عنه، صلى الله عليه وآله: "خمس لست بتاركهن حتى الممات: لبس الصوف، وركوبي الحمار مؤكفاً وأكلي مع العبيد، وخصفي النعل، وتسليمي على الصبيان لتكون سنّة من بعدي".

وعلى هذا الطريق سار علماء دين كبار ضمن مشروعهم الاصلاحي والتربوي، وابرزهم المرجع الديني الامام السيد محمد الشيرازي –قدس سره- الذي اشتهر بهذه الصفة بين علماء عصره، فكان لا يدع طفلاً قريباً منه إلا ان يسلّم عليه ويدنيه ويسكب عليه من فائض الاحترام والحنان. وفي مجلس تأبينه – قدس سره- استذكر سياسي بارز في العراق، كيف أنه في صغره، وبينما كان مشغولاً باللعب في احدى أزقة كربلاء المقدسة، كان المرجع الشيرازي يمر من عندهم ويسلّم عليهم.

طبعاً؛ هذا ليس بالأمر الهيّن، لان القضية تتعلق بمد جسور العلاقة بين كبير في السن وآخر صغير فالمسافة بعيدة بعض الشيء، لذا تحتاج المسألة نوعاً من السعي والجهد لتجاوز عقبات نفسية طالما نجدها أمام بعض الكبار في السن في مجتمعنا، بحيث يجدون صعوبة في أداء التحية وبصوت مسموع للصغار، لما يتصورونه نوعاً من الضعة والتصاغر، غافلين عن ان نتيجة مبادرتهم الطيبة تزيدهم رفعة وتؤكد دورهم التربوي والتعليمي، عندما يحظى الطفل والتلميذ بشخصية كبيرة امامهم، فهو يجد نفسه محترماً وسط حشد من التلاميذ المحترمين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0