يبحثون عن اسباب ارتكاب الجريمة وعوامل انحراف السلوك نحو الخطأ والتجاوز على حقوق الآخرين، والنتيجة؛ التوصل الى إشارات لمشاكل نفسية تتجسد في عُقد واختلال في المشاعر إزاء الآخرين، وايضاً؛ الى اسباب تربوية (محيط الأسرة)، و أخرى اجتماعية (المحيط الخارجي)، و أخرى اقتصادية (الفقر)...

أشرف الغِنى ترك المُنى

أمير المؤمنين، عليه السلام

يبحثون عن اسباب ارتكاب الجريمة وعوامل انحراف السلوك نحو الخطأ والتجاوز على حقوق الآخرين، والنتيجة؛ التوصل الى إشارات لمشاكل نفسية تتجسد في عُقد واختلال في المشاعر إزاء الآخرين، وايضاً؛ الى اسباب تربوية (محيط الأسرة)، و أخرى اجتماعية (المحيط الخارجي)، و أخرى اقتصادية (الفقر)، وهم في كل هذا مصيبون لا يجانبون الحقيقة، بيد أن عاملاً تكنّه النفس البشرية وينطوي عليها صاحبها بشكل غريب، فلا يسمح له بالظهور الى الواقع الخارجي وهو؛ فقر النفس.

ولسنا في وارد الخوض في تصنيف هذا النوع من الخلل النفسي، وما اذا كان علماء النفس والاجتماع يصادقون على هذا المصطلح ذو المفهوم الديني الناظر الى الزوايا الروحية في شخصية الانسان، انما المهم في هذا الحيّز الاشارة الى واحدة من هذه الزوايا التي تنبعث منها افرازات نفسية سيئة مثل؛ الكِبر المتولدة من عقدة الحقارة، ويكون علاجه التواضع، وبما أن القضية ذات بعد معنوي وليس مادي، فان علاجها يكون من سنخ المشكلة، "لأن غنى النفس وفقرها لا علاقة له بالطابع المادي للانسان، فقد تجد فقيراً لايمتلك إلا القليل من المال، لكنه ذو نفس كبيرة، بالمقابل تجد ثرياً ذا نفسية صغيرة". (بحوث أخلاقية، السيد جعفر الشيرازي).

الآمال الكبيرة و فقر النفس

في المقالات السابقة تحت عنوان "من المُحفزات الاخلاقية" كانت بوصلة الموضوع موجهة لضخ الحيوية في القيم الأخلاقية، واستخراج كنوز المعارف من هذه القيم السامية التي جاء بها الاسلام على صفحات القرآن الكريم كخطوط عريضة، ثم فصّلها النبي الأكرم والأئمة الهداة من بعده في سيرة حياتهم، فصارت منهجاً متكاملاً يحفّز و يُرغب الانسان في كل زمان ومكان للتخلّق بهذه القيم الجميلة والرائعة لما تتركه من أثر طيب وعميق في حياته، فالقيم الاخلاقية ليست لوحات فنية جميلة معلقة على الجدران تسرّ الناظرين، بقدر ما هي منهج عملي متطابق مع فطرة الانسان وعقله، تدعوه الى الخير، والجمال، والحق، والفضيلة، ومن العناوين المنشورة في سياق الموضوع: "معجزة ارتفاع المتواضع"، و"النصيحة رأسمال"، و"الاحسان و دوره في نظرية التنمية". وغيرها من العنواين في هذا السياق.

تحت هذا العنوان الفرعي يخال القارئ انه أمام نوع من التناقض، فكيف تكون الآمال العريضة والطموحات الكبيرة تعبيراً عن الفقر؟!

لكن بداية؛ علينا تعريف فقر النفس، أو شحّة النفس، حتى نحدد مكانه في العقل والسلوك.

إنه نوع من العجز الداخلي في تقديم شيء مقبول للآخرين فيعوضه صاحبه بسياسة الأخذ والمطالبة من الآخرين على طول الخط، وإن حصل شيء ما، فانه –وبسبب العجز النفسي الداخلي- لن يكون مستعداً بأي حال من الاحوال مشاركة الآخرين فيه، بل حتى لا يسمح للآخرين بالإطلاع والمشاركة في فرحة الانجاز او ما أحرزه بيده، حتى وإن كان بضعة دنانير!

بينما عكس هذه الحالة، يجد غنيّ النفس أنه يملك الدنيا وما فيها، فهو يتفوق على فقره المادي، بدماثة خُلقه، وحُسِن مِعشاره، وحبه للناس، والاستعداد الدائم للقيام بأي عمل ينفع الصالح العام، دون ان يتوقع مردوداً مالياً من أحد، مع قناعته بما لديه، لكن؛ هذا لا يعني أن غنيّ المال لا يكون غنيّ النفس، إنما الامر يعود الى طريقة تعامل صاحب المال والجاه والمنصب مع ما لديه، وانعكاسه على علاقته مع الآخرين.

عوداً على السؤال الآنف الذكر؛ فان شحّ النفس يبرر لصاحبه فعل كل شيء للحصول على كل شيء، وكيف لا، وهو لا يرى سوى نفسه في الوسط الاجتماعي، وإن حصل على المال الوفير والمنصب المرموق، فان جذور عقدة العجز تستمر في لسع مشاعره وتسميم عقله وتفكيره، فتجعله متجاوزاً على حقوق الآخرين طوال حياته، بل حتى لا يرى بأساً من الانحناء والتصاغر أمام الظالمين والطغاة والفاسدين للحصول على حفنة من الاموال، و ربما "كتاب شكر" يعلقه على الجدار، مقابل إسباغ الشرعية على أعمالهم، او تبرير افعالهم ومنهجهم المنحرف امام الناس.

ولكن! –مرة ثانية- هل يعني أن كل الطامحين يحملون هذا النوع من الخلل النفسي؟ بالقطع واليقين كلا، انما اختبار الطالب الطموح، و رجل الاعمال المتطلع الى النجاح، والعالم والفنان وجميع الطامحين في الحياة، في قاعدة انطلاقتهم لتحقيق المُراد، فإن كانت من نفس كريمة و رفيعة تَعِد النجاح والتفوق غير محصور في كلية الطب او الهندسة، او في فرصة العمل هذه او تلك، او في امتلاك هذه الدار او غيرها، او هذا المنصب او غيره، فانه ليس فقط سيكون موفقاً وسعيداً ومتصالحاً مع نفسه، بل سيكون متصالحاً مع الآخرين، ويكون مصدر ثقتهم واطمئنانهم، و ربما يكونوا هم من عوامل نجاحه وتحقيق طموحاته.

تربية النفس الغنيّة

القضية ليست هبة إلهية خاصة لأناس دون غيرهم، بقدر ما هي فرصة متاحة، وعملية تنموية وتربوية ذاتية تمكن الانسان من استحصال هذه المَلَكة تدريجياً، كما هو حال عديد الصفات والخصال الاخلاقية الجميلة مثل؛ التواضع، والإحسان، والصبر، والحِلم.

يكفي ان يضع الانسان خطوة الى الامام خارج رغباته ونزعاته النفسية، مثل الرغبة الجامحة للتملك، ليحرر نفسه من عقدة الفقر والعجز، ولعل أمير المؤمنين، عليه السلام، يضيء لنا في هذا الطريق ما روي عنه في "غُرر الحِكم"، يقول: "نال الغِنى من رُزق اليأس عما في أيدي الناس، والقناعة بما أوتي، والرضا بالقضاء".

والخطوة الأخرى على نزعة العجلة والتسرّع والتنافس غير الشريف على ما يعده البعض انجازاً وتفوقاً في العلم والمال وكل شيء في الحياة بداعي التمتع بنشوة الوصول قبل الآخرين، فربما تؤدي السرعة في هذا الميدان الى عواقب غير محمودة، وتحمل معها الفشل والانهيار، كما تحمل سرعة السيارة الموت لصاحبها، ففي التأنّي السلامة، وفي العجلة الندامة.

اضف تعليق