تختلف ردود البشر على أنواع الإساءة التي يتعرضون إليها تبعاً لنوع الشخصيات، ومستوى الأخلاق، واختلاف الوعي، بحيث يمكن تصنيف البشر في تعاملهم مع مواقف الإساءة إلى أربعة أصناف تُظهر معادن شخصياتهم وأخلاقهم وغاياتهم.

الصنف الأول: وهو الأغلب بين الناس الذي يغلب عليه طابع الجهل والتخلف، بحيث لا يفكر إلا في إرضاء نفسه بالانتقام ورد الإساءة - وإن كانت بمستواها أو أكثر منها، وهذا ما ساهم في انتشار الظواهر الاجتماعية: كالقتل، والاعتداء، والخصومة، وقطيعة الرحم، وغيرها، فهذا الصنف خسر الكثير من رصيده الشخصي والاجتماعي والقانوني والأخروي.

أما الصنف الثاني: فيعمل بالسكوت الناتج عن خوف من ردة المسيء وسطوته، أو اتكائه على القانون للاقتصاص منه، أو لأسباب أخرى شخصية أو عائلية أو اجتماعية أخرى، فحفظ بذلك نفسه من التعرض إلى مزيد من الإساءة، وكسب جزءاً من الأجر والثواب، ورجحاناً لأخذ حقه أمام القانون.

أما الصنف الثالث: فيعمد إلى صفة الحلم بحيث لا يفكر في رد الإساءة أو اللجوء للقانون في أخذ حقه، وذلك حرصاً على أن لا ينزل إلى أخلاق المسيء المتردية، أو خوفاً من تشويه صورته، أو حفاظاً على وجاهته، فكسب الأجر والجزاء الكبير، وحفظ مكانته بين الناس -بالرغم ما تركته الإساءة من آثار أثرت في تغير علاقته بالمسيء.

أما الصنف الرابع: فيلتزم بالصمت والحلم والإحسان وهو المتمتع بمستوى عالٍ من التربية والفكر والغاية، بحيث لم يفكر للحظة في رد الإساءة، أو اللجوء إلى القانون في أخذ حقه، أو بحمل الضغينة والحقد على غيره، بل كان موقف الإساءة سبباً في تحويله إلى موضع إحسان ومحبة ودعاء، آخذاً بقول الله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

فعن جابر قال: سمع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) رجلاً يشتم قنبراً، وقد رام قنبر أن يردّ عليه، فناداه أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: مهلاً يا قنبر، دع شاتمك مهاناً ترضي الرحمان وتسخط الشيطان، وتعاقب عدوّك، فو الذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ما أرضى المؤمن ربّه بمثل الحلم، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت، ولا عوقب الأحمق بمثل السكوت عنه.

فمن البديهيات الحياتية أن نلتقي بشخص ينتمي للأصناف الثلاثة الأولى، لكن هل من الممكن أن نرى شخصاً ينتمي إلى الصنف الرابع؟!! والجواب: نعم، لكن ندرتهم بين الناس ناتج عن ضحالة الفكر، وكثرة النفوس المريضة، والرغبة في إرضائها، والتكالب على الدنيا، والتردي في الأخلاق.

كذلك يحتاج المنتمي لهذا الصنف إلى مقومات مهمة منها: قوة الإيمان والإخلاص، والقلب الطاهر، والعزيمة في ممارسة تلك السلوكيات، لكن اختلاف الناس في درجة المقومات لا يمنع من محاولة الاقتداء بسلوك الأنبياء والصالحين.

وقد يقول قائل: إن هذا الصنف مرتبط تحديداً بالعلماء الربانيين، أما إيجاده بين عامة الناس فهو ضرب من الخيال!!

وهذا ليس صحيحاً، فالمترفع عن الإساءة لم يفكر في الثواب والجزاء، أو ينظر إلى عِظم المقام والمنزلة للأنبياء والصالحين، بل أدرك أن المسيء صنع له إحساناً حقيقياً وهو لا يشعر به!! فقد منحه الفرصة للاقتداء بأخلاق النبي محمد وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، ونيل القرب منهم، وهذا الأمر صعب مستصعب، لا ينال إلا من خلال السعي الدائم لنيل رضا الله عبر مجاهدة النفس، وتتبع سيرة محمد وآل محمد، والتخلق بأخلاقهم صلوات الله عليهم أجمعين.

ونقول مجازاً: محظوظ من أساء لإنسان ينتمي لهذا الصنف الإيماني!! لأنه سيحظى بعفو صادق أسقط حق المساء إليه من ذمته، وبدعاء خالص قد يكون سبباً في هدايته، أو إنزالاً للمحبة له في قلبه، بحيث أصبح الدعاء للمسيء عنده كشربة ماء تروي عطش الظمآن!!.

أخيراً: قد لا يحالفك التوفيق في عالم الدنيا لتعرف شخصاً يملك هذه الملكة الإيمانية، لكن ما مستوى الحسرة التي تنتظرك في عالم الآخرة حينما تواجه إنساناً عَمِل بها، وأنت من تلذذ بالإساءة إليه؟!!.

اضف تعليق