بناء وهيكلة المجتمع كانت قائمة على أسس معنوية وقيم واتجاهات ذات طابع متعارف عليه، مجتمع يكسوه الوقار والقيم الأخلاقية التي تحترم الكبير والصغير لملَكَتهِ الفكرية لا من اجل ماله ومنصبه، أما في وقتنا الحاضر فإن للازدهار المادي والفئوي الحصة الأكبر في مجتمعنا، إذ أصبح الناس يعاملونك على أساس مظهرك، أموالك، منصبك، علاقاتك مع الأشخاص الأغنياء، هذا هو المعيار الأهم في وقتنا الحالي كي تكون شخصية محبوبة ومعروفة ولها مكانتها العالية.

لا ضير أن تكون المادية موجودة لأن الإنسان بطبعه يحب المال ويحب أن يصبح ذا نفوذ ومكانة ولكن هذا لا يبرر أن تفقد قيمك وأخلاقك، وكل ما تربيت عليه كي تصبح ذو مال وجاه ومنصب، ففي هذه الحالة (الغاية لا تبرر الوسيلة)، وعليه أصبح مجتمعنا بأغلبيته مجتمعا تفكيره مادي لا معنوي، وانتقلت هذه الأفكار إلى الأطفال أيضا إذ نرى أن ابن الغني لا يلعب مع أبناء الأشخاص من ذوي الدخل المحدود، ذلك ما ولد الطبقية والفئوية في مجتمع كانت المفاضلة فيه تقوم على التقوى، كما جاء في قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) سورة الحجرات.

ولإعادة بناء المجتمع بالصورة الصحيحة وإعادة هيكلته، يجب إعادة ترسيخ القيم النبيلة والأخلاقية في داخل كل شخص من المجتمع والتذكير الدائم أن الله يحبُّ الصادقين البسطاء وأن الأوطان تبنى بالأفكار لا بالأموال التي لا يليها تفكير صحيح.

وبهذا فإننا نعاني في العراق من تصاعد النزعة المادية الاستهلاكية على حساب منظومة القيم والأخلاق، وان ما يجري اليوم يهدد حاضر ومستقبل الأجيال، مما يتطلّب رصد هذه الظاهرة والسعي للحدّ منها والموازنة بين التطلّع المادي والحضور المؤثر للقيم في إدارة العلاقات الاجتماعية المختلفة، من هنا توجهت (شبكة النبأ المعلوماتية) إلى عدد من الكتاب وذوي الشأن الفكري وطرحنا عليهم السؤال التالي:

ما أسباب ازدهار المادية وانتشار النزعة الاستهلاكية على حساب القيم المعنوية؟ وما هي الحلول في رأيكم؟

أجابنا الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط بالقول:

القيم المادية والقيم المعنوية كلاهما مطلوبتان في المجتمع الإنساني. القيم المادية تساعد على زيادة إنتاجية المجتمع وتحسين نوعية الحياة وتحقيق الرفاهية والازدهار والإشباع المادي للإنسان. أما القيم المعنوية فهي تساعد على رفعة الإنسان وسمو أخلاقه وحسن علاقاته مع الناس الآخرين. والعكس يصح في الحالتين.

المجتمع الحضاري ذو التنظيم الحسن هو الذي ينجح في اقامة معادلة متوازنة لنوعي القيم، فلا تميل الكفة لصالح قيمة على قيمة. فالتوازن من اهم علامات البناء السليم للمجتمع وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: "وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ". فالتوازن بين القيم المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، هو الحالة الحسنة، وانعدام التوازن هو الحالة الفاسدة. الواضح ان القران الكريم يدعو الى التوازن بين القيم.

لكن قد ينهار هذا التوازن ويتحول الانسان الى "رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ"، او الى مادية تقطع صلة الانسان بالجانب الروحي والأخروي من وجوده.

أسباب الخلل في معادلة القيم المادية والروحية متعددة وكثيرة يمكن جمعها في عبارة واحدة هي "سوء الفهم" الذي يطلق عليه القران الكريم مصطلح "اتباع الشيطان".

وتعليقا على رأي الأستاذ عبد الجبار الشبوط نقول، إن الله اجتبى الأشخاص البسطاء كي يكونوا أنبياء ورسلاً له، وأكد في رسالاته على أن البساطة والتقوى والأخلاق هي ما تجعل من الإنسان قادرا على بناء نفسه ووطنه بالصورة الأتمّ والأصح.

أما الكاتب عدنان أبو زيد فيقول في معرض إجابته:

الانغماس في الماديات والابتعاد عن القيم، مشكلة تمر بها اليوم الكثير من البلدان غير المستقرة امنيا واجتماعيا واقتصاديا، لاسيما الشعوب العربية، لكنها في العراق برزت بشكل واضح منذ تسعينات القرن الماضي وهي ليست وليدة اليوم.

أحد أسبابها تداعيات الحروب التي خاضها العراقيون، وأكسبتهم الخوف وعدم الأمان.

ما ينفرد به العراقيون أيضا هو انتشار الرياء، لكن يغيب الصدق وعلاقات التعاون والتآزر والرحمة. التمسك بالمبادئ والاخلاق الظاهري غير الحقيقي ينتشر بين أفراد المجتمع، ويرتدي الكثير من الناس رموزه ويبرون ممارساته لكن الفساد وسرقة المال العام، وعدم الإخلاص بالعمل في الدوائر الحكومية والخاصة، والعنف، والطائفية ينتشر بشكل لافت.

فضائل الأخلاق تنحسر ويحل محلها اللهاث وراء المال والعلاقات المصلحية، كما ان التظاهر بالتدين ينتصر على الدين الحقيقي، والقيم والأخلاق.

تعليقا على رأي الأستاذ عدنان ابو زيد نقول: إن مخلفات الحرب كثيرة وولدت الكثير من الآلام التي جعلت الناس تبتعد عن قيمها وتغير من اتجاهاتها، لتجعل منهم أشخاصا يحبون المال ويفكرون بالمناصب والمظاهر، وذلك ما يؤدي الى تفكك المجتمع لا تآزره.

الكاتب عبد الأمير المجر يقول:

كلما تقدمت اسباب سيطرة العقل البشري على الطبيعة، ضاقت فسحتها المعهودة وتعقدت علاقات الانسان مع اخيه الانسان ومع الطبيعة نفسها، لان الاشياء تصبح مقننة بشكل اكبر، فمع اتساع مساحة المنتج من الاطعمة والسلع، وكذلك الفن والثقافة ووسائل الاتصال والترفيه وغيرها، وكل هذا لن يحصل عليه أي انسان إلاّ بثمن، ولو أحصينا الان مجموع ما يجب علينا ان ندفع لأجله المال كي نحصل عليه قياسا بما كان عليه الامر قبل قرن لوجدنا ان الحياة كانت شبه مجانية.. نعم لقد اصبح المال يتحكم بكل مفاصل الحياة ولا ديمومة للعيش او إمكانية الحصول على ما اصبح من ضرورياته من دون المال، أي ان الانسان بات امام غول صنعه بنفسه، هو النقد، الذي صار يكبل يومه بالكامل.. انا ارى ان الانسان امسى مأسورا لقوة المال التي أخذت تتحكم بكل شيء وان ما نسميه الآن بالنزعة المادية، هو نتيجة طبيعية جدا لافرازات الواقع العالمي الذي يسير بنا الى ما يريده المال وأصحاب المال، لا ما يريده الإنسان الذي اخذ يئن تحت قسوة هذا الاستعباد وقوة وطأته عليه.

وتعليقا على رأي الأستاذ عبد الأمير المجر نقول: على الرغم من أن البساطة التي كانت موجودة في مجتمعنا هي ما تجعله بسيطا وجميلا، ومع تقادم الوقت أصبحت الماديات مطلوبة وبكثرة، وتوجّه الأفراد إلى جمع الأموال من أجل شراء كل ما يحتاجونه وأكثر، إلا أن هذا لا يمنع من أن يكون الشخص صاحب أخلاق عالية وقيم نبيلة.

في حين يقول الكاتب إبراهيم سبتي:

النزعة المادية عند الفرد ليست وليدة اللحظة، بل إنها تتواجد معه منذ إبصاره نور الحياة. لان الانسان بطبعه يميل الى الاهتمام بهذا الجانب بشعور او بلا شعور وتتحدد حتى سلوكياته واساليبه جراء هذا الاهتمام. ولكن نقول بأن للحياة المعاصرة والعصر التقني المتسارع، الاسباب المباشرة في نشر الثقافة المادية ومن ثم الاستهلاكية التي تعصر من المفاهيم وتستنزف الثوابت التي يتربى عليها الانسان.

ان عصرنا الحالي بات يشعرنا بأن لا مكان فيه للانسان المحافظ على ثوابته وامكانيته المتوارثة الاصيلة، مع جيوش الراكضين نحو الاستحواذ والحصول على مكاسب مادية بكل الوسائل والطرق وبالتالي ستكون هذه النزعة هي الوجه الآخر للاستهلاك اليومي لتفاصيل الحياة والتي لا تنتهي ولن يكون لها حدّ. اعتقد بأن الانسان قادر على الوقوف بوجه الهوس المادي والاستهلاكي ومواجهة السرعنة والتهافت غير المبرر للإنفاق المتلاحق والوقوع في دائرة الاستهلاك والتحول الى كائن مجرد من الشعور بالمسؤولية، ذلك انه يستطيع الركون الى أصالته ومهد تربيته والتأثر الايجابي الملموس بالمحيط الذي ليس بالضرورة كله غارق بسلبياته.

هذا الانسان يحافظ على مقدراته التي تربى ونشأ عليها دون تقليد الاخرين والغيرة العمياء منهم حتى ولو ادى ذلك الى حرمانه من بعض الامور التي يحصل عليها غيره بوسائل وجري محموم. إنها الإرادة والقوة وسط مجتمع يصارع من اجل ابقاء ثوابته وقيمه مرفوعة وسط العصرنة والاستهلاك المريع الذي حول الانسان الى كائن لا وجود له مهما بلغ من الحياة. ان التطور السريع في مفاصل الحياة، قد احدث نقلة واسعة بين تدرج الحياة المتعارف عليه وبين الفجوة المصطنعة واسقطنا في مهاوٍ سحيقة لا ينجو منها إلا من تمسك بأصالته وعلى ما جُبل عليه.. انها تحولات لا يمكن ان تسير بإيقاع هاديء طالما تواجد من يمتلك النزعة المادية ووقع في براثن الواقع الاستهلاكي المر، انه صراع الرغبات والإرادات ومحنة القوة المواجهة للنزعات المستحدثة في العصر الراكض بخفة نحو المجهول.

أما تعليقنا فنرى أن ما ورد في أعلاه صحيح وواقعي ومؤشَّر بصورة دقيقة، لكننا مطالبون بالسعي المنظم لتفادي تداعيات هذه الظاهرة الخطيرة، وأول المسؤولين هم النخب القيادية في المجتمع.

الكاتبة زينب الأسدي ترى:

ان الاقتصاد الرأسماليّ يخلق ميلًا للأشخاص إلى الانخراط في نمط حياة شديدة المادّيّة يدور حول الاستهلاك المُسرِف والمهدِر للموارِد، الأمر الذي يساهم في تدمير القيم وأساليب الحياة الطبيعية المتوازنة، واستغلال المستهلكين من قبل الشركات الكبرى، فضلًا عن التدهور البيئي، والآثار النفسيّة السلبيّة الأخرى كزيادة حالات القلق، والدافع المستمرّ لمواكبة الآخرين لاسيما في مجال التقليد الأعمى مما يؤكد طغيان ثقافات وافدة تسعى لتدمير قيمنا وأعرافنا الأصيلة، بل وحتى معتقداتنا تسعى لتلويثها بما يسمى بالحداثة زورا وبهتانا.

الاستهلاك هو الغاية الأساسيّة لكلّ النشاطات الاقتصاديّة التي تضرب على الوتر الحسّاس في إدارة العولمة وخلق التداول، وهو أمر طبيعيّ إذا ما اتّسم بالتوازن والوسطيّة، ولكن ما يزعزع هذا التوازن هو الاستهلاك التفاخريّ المتصاعد الذي تناولته السياقات النقديّة مشيرة لنزعة الإفراط في اقتناء السلع والخدمات، خصوصًا مع العلامات التجاريّة الشهيرة وسيطرة الإعلان الذي يخلق للمستهلِك عينًا ثالثة تجعله يرى الأشياء كما تشاء غيلان السوق وحيتانها.

من بين الحلول التي تحدّ أو تقلل من تفاقم الأزمة، تكاتف الملاكات التربويّة بمختلف مهامها كي تغرس ثقافة استهلاكيّة تمكّن لا محالة من تخفيف الممارسات اللاواعية، وتنمية البعد القيمي والإنساني المدروس، والابتعاد عن النزعة الفرديّة وتعزيز، مفاهيم الشعور بالمسؤوليّة الجماعيّة بخطط مدروسة تخلق السلوك الجمعي الواعي في الحاضر وفي المستقبل.

وتعليقا على رأي الكاتبة زينب الأسدي نرى، أن انتقال الناس إلى شراء حاجات لا يحتاجونها فعليا ويقومون بشرائها من اجل التفاخر والتباهي، هو الأمر الذي سيقود المجتمع للتفكك وعدم ديمومة قيمه، كيف يبنى مجتمع تعتقد شخصياته ذات المكانة العالية أن معيار احترام الإنسان هو مقدار ما يملكه من مال، أو حجم وحساسية منصبه الذي يشغله في الدولة أو في اي مؤسسة مؤثرة في المجتمع؟

الأستاذ قاسم حسن مدير مكتبة المعارف من جهته يقول:

أنا اعتبره جزء من الخواء الفكري والمعرفي والثقافي وهو ما تغذيه القوى الممسكة بالسلطة. فترى أنت وأنا كم الاسواق والمولات التي تنشأ في كل مكان وحتى على اراضي تابعة للدولة بدلا من بناء المدارس والمستشفيات وغيرها، من المرافق التي تهم المواطن بصورة مباشرة فينشئون أماكن التبضع هذه من اجل سرقة المواطن بشكل غير مباشر بسلع هم يستوردوها من مناشىء غير رصينة.

ومن يتملكه الخواء بأنواعه فإنه يترك او حتى لا يفكر ان يبني عقله ونفسه وفكره بأشياء ترفع قيمته كانسان.

والحل هو تغيير في سياسة الدولة عموما وهذا لن يحدث في ظل هذه السلطة، لأنه مهمتها تدمير الوطن بكل مفاصله حتى هي تبقى تمسك بالسلطة.

كذلك لا يمكن إعفاء المجتمع العراقي لاسيما النخب من مسؤولية الحد من التفشي المادي على حساب الأخلاقي والقيم الأصيلة، فمهمة التصدي لابد أن تُقاد من أصحاب العقول الواعية والإرادات غير القابلة للقنوط أو الاستسلام.

وأخيرا نقول تعليقا على رأي الأستاذ قاسم حسن: إن الدولة لابد أن يكون لها دور كبير في توعية وإرشاد الناس، وتعرفيهم بأن بناء الوطن يبدأ من الشخص نفسه وينتقل للمجتمع، فالأفضل بناء مدرسة على حساب المول وبناء مستشفى على حساب الاستثمارات ذات الطابع الاستهلاكي المتكرر.

اضف تعليق