بقلم: بيتر سنجر

ملبورن ــ تخيل أنك فقد محفظتك، وداخلها توجد بطاقات العمل التي تحمل عنوان بريدك الإلكتروني. تُرى ما مدى احتمال أن تتلقى رسالة تخبرك بأن محفظتك تم العثور عليها؟ وإذا كانت المحفظة تحتوي على نقود، فهل يؤدي هذا إلى تحسين، أو تقليص، احتمالات استعادتك لها بمحتوياتها سالمة؟

بطرح هذه الأسئلة فإننا نتساءل أيضا إلى أي مدى يتحلى أغلب الناس بالأمانة في الأساس، أو يهتمون بالغرباء. يزعم بعض خبراء علم النفس التطوري أن الإيثار مقصور على أقربائنا وأولئك الذين يمكنهم الرد بالمثل على أي مساعدة نقدمها لهم. هل يُعَد هذا تفكيرا مغرقا في التشاؤم؟ في الشهر الفائت، ألقى باحثون من الولايات المتحدة وسويسرا بعض الضوء على هذا السؤال عندما نشروا نتائج دراسة ضخمة ومبدعة ضمت أكثر من 17 ألف محفظة "مفقودة" في 40 دولة.

في البنوك، والمسارح، والمتاحف، والفنادق، والمكاتب العامة في 355 مدينة مختلفة، سلم مساعدو البحث محفظة للشخص المسؤول عند المنضدة وزعموا أنهم عثروا عليها في الشارع، لكنهم في عِجلة من أمرهم. ثم طلبوا من الشخص المسؤول أن يهتم بالأمر، وغادروا دون تقديم تفاصيل الاتصال أو طلب إيصال استلام.

كانت كل المحافظ مصنوعة من البلاستيك الشفاف، وكانت تحتوي على ثلاث بطاقات عمل متطابقة تحمل عنوان بريد إلكترونيا مرئيا على الفور. وكانت كل محفظة تحتوي أيضا على قائمة تسوق للبقالة، مكتوبة باللغة المحلية. وقد وُضِع ببعض المحافظ 13.45 دولارا أميركيا أو ما يعادلها بالقيمة الشرائية بالعملة المحلية، في حين احتوت محافظ أخرى ــ في تجربة اقتصرت على الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وبولندا ــ على 94.15 دولارا أو ما يعادلها. وكانت أغلب المحافظ تحتوي أيضا على مفتاح. وقد قام الباحثون بتسجيل عدد الرسائل التي أبلغت عن العثور على محفظة والتي تم استلامها على عنوان البريد الإلكتروني المسجل على بطاقات العمل. ولتمكين الباحثين من دراسة العوامل التي قادت إلى الإبلاغ عن العثور على المحفظة، كانت كل محفظة تحتوي على بطاقات تحمل كل منها عنوان بريد إلكتروني فريد.

كما قد يتوقع المرء، كان معدل الإبلاغ يميل إلى الارتفاع في الدول الأكثر ثراء. وتصدرت القائمة سويسرا، والنرويج، وهولندا، والدنمرك، والسويد، حيث جرى إخطار أكثر من 65% من مالكي المحافظ المفترضين. وجاءت كل من بولندا وجمهورية التشيك بعد دول الصدارة بفارق ضئيل ــ وقبل دول أكثر ثراء مثل أستراليا، وكندا، والولايات المتحدة.

يزعم بعض الناس أن المؤمنين بالأديان هم الأكثر ميلا إلى الإذعان للقواعد الأخلاقية مقارنة بغير المؤمنين، لكن الدراسة لا تدعم هذا الرأي، على الأقل إذا كان بوسعنا أن نحكم على مدى قوة المعتقد الديني من خلال نسبة الناس في أي بلد الذين يقولون إن الدين مهم في رأيهم. في السويد، والدنمرك، والنرويج، وجمهورية التشيك، يقول ما لا يقل عن 75% من السكان إن الدين ليس مهما في رأيهم، ومع ذلك كانت معدلات الإبلاغ في كل هذه الدول مرتفعة. من ناحية أخرى، يقول أكثر من 80% من السكان في بيرو والمغرب إن الدين مهم للغاية في رأيهم، ومع ذلك كان معدل الإبلاغ في كل من البلدين أقل من 25%.

كانت النساء أكثر ميلا من الرجال إلى الإبلاغ عن المحافظ، بنحو 2% تقريبا. وعلى هذا فإن هذه الدراسة تضيف إلى الأبحاث السابقة التي تشير إلى أن النساء أكثر من الرجال ميلا إلى الالتزام الأخلاقي.

بيد أن النتيجة الأكثر لفتا للنظر التي أسفرت عنها هذه الدراسة هي أن المحافظ التي احتوت على نقود كان إبلاغ مالكيها المفترضين عن العثور عليها أكثر ترجيحا من تلك التي لم تحتو على نقود. وكانت هذه النتيجة ثابتة في 38 دولة من أصل الأربعين دولة ــ وكان الاستثناء المكسيك وبيرو، حيث لم يُحدِث تواجد النقود أي فارق إحصائي يُذكَر في معدل الإبلاغ (المنخفض). علاوة على ذلك، في الدول الثلاث حيث تم "العثور" على المحافظ التي احتوت على 94.15 دولارا، كان معدل الإبلاغ أعلى من نظيره عن تلك التي احتوت على 13.45 دولارا فقط.

نظر الباحثون في تفسيرات متعددة محتملة لهذه النتائج، بما في ذلك الخوف من العقاب بسبب الاحتفاظ بالنقود، وتوقع المكافأة في نظير الإبلاغ عنها، واحتمال إعادة المحفظة التي عُثِر عليها بدون النقود، حتى عندما يتم الإبلاغ عنها. ولكن عندما جرى جمع المحافظ المبلغ عنها، أُعيدت 98% من النقود التي كانت تحتوي عليها. وتشير أدلة أخرى إلى أنه من غير المرجح أن يكون الخوف من العقاب أو الأمل في الحصول على مكافأة الدافع الرئيسي للإبلاغ عن العثور على المحفظة.

لماذا إذن يكون الناس أكثر ميلا إلى الإبلاغ عن محفظة تحتوي على مبلغ أكبر من المال؟ يقترح الباحثون أربعة عوامل تحدد ما إذا كان شخص ما لديه الفرصة لإعادة محفظة ليفعل ذلك: المكسب الاقتصادي المتحقق من الاحتفاظ بها، والجهد الذي ينطوي على الإبلاغ عنها، والاهتمام النابع من الاهتمام الإيثاري بمالك المحفظة، ونفور المرء من أن يرى نفسه لصا. وفقا لهذا النموذج، ورغم أن وجود النقود يزيد من المكسب الاقتصادي المترتب على الاحتفاظ بالمحفظة (كلما زاد مقدار المال كان المكسب أعلى)، فإن هذا المكسب الاقتصادي يفوقه مزيج من الاهتمام الإيثاري ورغبة المرء في أن يرى نفسه كشخص أمين.

يأتي الدليل على أن الاهتمام الإيثاري بالغير يلعب دورا في اتخاذ قرار الإبلاغ عن المحفظة من مقارنة معدلات إعادة المحافظ التي تحتوي على مفتاح وتلك التي لا تحتوي على مفتاح. يفترض أن المفتاح مهم للمالك، ولكنه على النقيض من النقود، لا يعود بأي نفع على الشخص الذي انتهت المحفظة إلى حوزته. وعلى هذا فمن غير المرجح أن يكون هذا وثيق الصِلة بالتصور الذاتي لهذا الشخص على أنه أمين وليس لصا. ومع ذلك، كانت أرجحية إبلاغ المالك عن المحفظة التي تحتوي على مفتاح ونقود أكبر من تلك التي تحوي على نقود ولكن ليس المفتاح، مما يشير إلى أن الاهتمام بالتصور الذاتي للمرء لم يكن هو فقط الذي يدفع الشخص الذي بحوزته المحفظة إلى الإبلاغ عن العثور عليها.

الواقع أن هذه النتائج يجب ن تشجعنا جميعا. فمن الشائع أن نسمع الناس يشتكون من أننا نعيش في عصر حيث الغَلَبة للمصلحة الذاتية، وأن المعايير الأخلاقية قد انهارت، وأن قِلة من الناس يهتمون بالآخرين، وأن أغلب الناس قد يقدمون على السرقة إذا ظنوا أنهم يمكنهم الإفلات من العقاب. إن هذه الدراسة تقدم لنا دليلا متينا على أن العالم ليس سيئا إلى هذا الحد.

* بيتر سنجر، أستاذ أخلاق الطب الحيوي بجامعة برينستون من مؤلفاته كتاب تحرير الحيوان، أخلاق عملية، انتخبه معهد جوتليب دوتويلر كثالث مفكر معاصر من الأكثر تأثيرا في العالم
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1