نتفق جميعاً على أن الاخلاق الحسنة لازمة المجتمع السعيد، وانها بمنزلة القلب والضمير الى جانب العقل والتفكير، وأن التطور التقني والفتوحات العلمية لن تعمّ الجميع إلا من خلال منظومة القيم الاخلاقية، بيد اننا نختلف في كيفية وقوف هذه القيم على ارض الواقع، كما تقف القيم المادية اليوم وبقوة.

ندعو السياسي لأن يكون نزيهاً وحريصاً على مصالح ابناء شعبه، كما ندعو التاجر للانصاف، والزوج لرعاية الحقوق، وهكذا سائر افراد المجتمع باللتحلّي بالخلق الكريم بأجمل صوره واشكاله، ولكن؛ كيف يتحقق ذلك؟

الباحثون في شأن السيرة النبوية، وايضاً سيرة الأئمة المعصومين، والاولياء الصالحين، ليس فقط يكشفون الوجه الأبرز من حياتهم المليئة بالمكارم والفضائل بما يسع العالم، وليس فقط ابناء قومهم في فترات حياتهم، إنما يسلطون الضوء على ايضاً الى الوجه الآخر لسيرتهم وكيف أوجدوا المصاديق العملية للاخلاق في مجتمعاتهم، بل وكيف شقوا طريق الاخلاق وسط جدب النفوس وتمردها على الاخلاق وكل ما يلزم الانسان من أحكام وأخلاق وآداب.

إن الابتسامة مقابل جذب رداء النبي بعنف، ومعها المناداة بـ "اخرج الينا يا محمد..."! أو الابتسامة أمام من يكيل الشتم والاتهام لأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، أمام ولده الحسن، وهو يعيش الايام الاولى لفقد أبيه، وغيرها من المواقف المماثلة، لم تكن عجزاً عن مواجهة الطرف المقابل بشكل حازم وقاطع، ومطالبته بتحسين الالفاظ واحترام الآخرين، كما قد يصدف للكثير منّا في موقف مماثل، انما التسامي على الجراح وقدرة على الاستيعاب لتقديم الصورة المغايرة لما عليه الناس من السلوك غير الحسن، هو الذي وفر لنا كل هذا الارث العظيم من مواقف اخلاقية نطالعها في الكتب ونقف امامها بغير قليل من الاعجاب.

في دعاء مكارم الأخلاق للإمام السجاد، عليه السلام، يدعو الله –تعالى- بأن "سددني لأن اعارض من غشّني بالنصح، وأجزي من هجرني بالبر، وأثيب من حرمني بالبذل، وأكافئ من قطعني بالصِلة، وأخالف من اغتابني الى حسن الذكر، وأن اشكر الحسنة وأغضّ عن السيئة". بما يعني أن التحلّي باخلاق الحميدة تحتاج لثمن باهض، وهو ليس بمستحيل قطعاً لطالبه، وهل عجز الانسان يوماً امام العلم والمعرفة؟ فالتوصل الى الحقائق العلمية والمكتشفات والاخترعات لم تكلف اصحابها جهداً عضلياً وذهنياً خاصاً بهم بين جدران بيوتهم فقط، بل تعدّى في كثير من الاحيان الى تحديات ماحقة تعرضوا لها من المحيط العلمي ثم الاجتماعي وحتى السياسي كما حصل للعلماء الذين اصطدموا بسلطة الكنيسة في سالف الزمان وما جرى عليهم من التنكيل والقتل بأبشع الصور.

وبما أن التحلّي بالاخلاق الحسنة هي مسألة نفسية، فان اتخاذ الموقف الايجابي إزاء الموقف السلبي في العلاقات البينية والاجتماعية، يتطلب قدراً كبيراً من الاستيعاب والتفهّم، وإلا لن يكون للأخلاق مكانة في العلاقات الاجتماعية مطلقاً، وهذا يعني – فيما يعنيه- ان يكون الانسان متسلحاً بقوة النفس والشجاعة ليكون مؤهلاً للتحلّي بالاخلاق الحسنة، ومن الامثلة على ذلك؛ مطالبة البعض بأن يكون الطرف الآخر هو المبادر للصلح والتنازل عما بدر من خطأ او تجاوز يتهم الجانبان ان الآخر هو البادئ، وفي أبسط الامور؛ نلاحظ حالة سائدة بأن البعض يتوقع ممن يصادفه في الطريق او مكان عمله، بأن يكون هو المبادر لأداء التحية والسلام!

هذه ربما من الامور البسيطة في حياتنا اليومية، ولكنها تمثل –مع سلسلة من المفردات اليومية- المنظومة الاخلاقية التي تضمن أمن واستقرار المجتمع، وتضخ الدفء في العلاقات البينية والاجتماعية، انطلاقاً من داخل الاسرة ومروراً بالمجتمع، وحتى العلاقة بين عامة الناس والمسؤول في الدولة.

اذا اردنا للصفات الحسنة ان تسود في العلاقات فيما بيننا علينا الاستعداد أولاً؛ لتحمل ثمن سيادة هذه الاخلاق في تعاملاتنا اليومية، ثم تجاوز الاطار الذاتي المقدس لدى الكثير وأنه يختلف عن الاخرين في فهمه وعلمه وثقافته، والتطلع الى عامة الناس على أنه جزء منهم، وهكذا كان الانبياء والأئمة والمصلحون، مع الالتزام بالمبدأ الاساس الذي ثبته أمير المؤمنين، عليه السلام، بأن "كن في الناس ولا تكن منهم"، أي ليس بالضرورة ان يتبنى سلوكهم وافكارهم، بل يقدم لهم البديل الافضل مهما كلفه ذلك من الصمت امام الاستفزاز والنكران والخذلان، إلا ان النتيجة تكون باهرة لأن (العاقبة للمتقين)، وهكذا فعل الانبياء، لاسيما النبي الأكرم، والأئمة من بعده، والأولياء الصالحين، صبروا اياماً قلائل ثم زرعوا الاخلاق الحميدة ليخلفوا للاجيال على طول الزمن، ارثاً حضارياً راقياً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1