ليست كل أشكال التلوث ترى. فبينما تنشغل العين بما يطفو على سطح الأنهار أو يتكدس في مكبات النفايات، يتشكل نوع آخر من التلوث بعيدًا عن الانتباه، في أحجامٍ أصغر من أن تُلاحظ، لكن أكبر من أن تهمل. هنا تحديدًا تظهر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بوصفها واحدة من أكثر الظواهر البيئية إثارة للقلق في السنوات الأخيرة...

ليست كل أشكال التلوث ترى. فبينما تنشغل العين بما يطفو على سطح الأنهار أو يتكدس في مكبات النفايات، يتشكل نوع آخر من التلوث بعيدًا عن الانتباه، في أحجامٍ أصغر من أن تُلاحظ، لكن أكبر من أن تهمل. هنا تحديدًا تظهر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بوصفها واحدة من أكثر الظواهر البيئية إثارة للقلق في السنوات الأخيرة.

هذه الجسيمات، التي يتراوح حجمها بين أجزاء نانومترية وقرابة خمسة مليمترات، لم تعد مجرد توصيف علمي داخل المختبرات، بل تحولت إلى عنصر ثابت في النقاشات البيئية والصحية على حد سواء. فهي لا تنتج فقط عن التحلل البطيء للنفايات البلاستيكية الأكبر، بل يُصمَّم بعضها ليكون صغيرًا منذ البداية، قبل أن يبدأ رحلته في الهواء والماء والتربة.

خطورة المسألة لا تكمن في الحجم فحسب، بل في الانتشار. فالجزيئات البلاستيكية الدقيقة لم تعد مرتبطة ببيئات صناعية أو مناطق ملوثة بشكل واضح، بل تم رصدها في أنظمة بيئية متعددة، وفي مسارات لم تكن متوقعة سابقًا. ومع اتساع نطاق الدراسات، بدأ العلماء يتعاملون معها بوصفها واقعًا بيئيًا مستمرًا، لا حادثًا عابرًا.

الأمر لم يتوقف عند حدود الطبيعة. فالدراسات الحديثة تشير إلى وجود هذه الجسيمات داخل جسم الإنسان، في سوائل وأنسجة مختلفة، ما فتح بابًا واسعًا للأسئلة العلمية. ورغم أن النتائج النهائية لا تزال قيد البحث، فإن مجرد وجود هذه المواد في الدورة الحيوية للإنسان نقل القضية من إطارها البيئي إلى مساحة صحية أكثر حساسية.

ما يجعل الملف أكثر تعقيدًا أن العلم نفسه لا يقدم إجابات حاسمة بعد، بل مؤشرات واحتمالات وتحذيرات مشروطة. بين فرضيات تتعلق بالالتهاب والإجهاد التأكسدي واضطراب وظائف الخلايا، يتشكل مشهد علمي حذر، لكنه بعيد عن الطمأنينة.

بهذا المعنى، لا تبدو الجزيئات البلاستيكية الدقيقة مجرد مشكلة تلوث إضافية، بل نموذجًا جديدًا لتحديات بيئية حديثة: مواد غير مرئية، تأثيرات غير محسومة بالكامل، وانتشار يصعب احتواؤه بالوسائل التقليدية. وهي معادلة تضع صناع القرار والباحثين والمجتمعات أمام سؤالٍ متجدد: كيف نتعامل مع ملوثات لا نكاد نراها، لكنها تحيط بنا من كل اتجاه؟

ما هي الجزيئات البلاستيكية الدقيقة؟ 

توجد عدة تعريفات أحد التعريفات الشائعة الاستخدام يُعرّف الجزيئات البلاستيكية الدقيقة بأنها أي شظية بلاستيكية يتراوح عرضها بين 1 نانومتر و5 مليمترات. النانومتر الواحد يُعادل جزءًا صغيرًا من عرض شعرة الإنسان، و5 مليمترات تُقارب عرض خاتم الزواج.

تقول سوزان غاردنر، مديرة قسم النظم الإيكولوجية في برنامج الأمم المتحدة للبيئة وفقًا لمنظمة (UN Environment Programme)، إن هناك مصدرين رئيسيين. بعض أنواع البلاستيك مصممة لتكون صغيرة الحجم، وتُعرف هذه بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة الأولية، مثل حبيبات البلاستيك الدقيقة التي تُضاف عمداً إلى غسول الوجه ومنتجات العناية الشخصية الأخرى. أما معظم الجسيمات البلاستيكية الدقيقة فتنتج عن التحلل البطيء لمنتجات بلاستيكية أكبر حجماً، بما في ذلك أغلفة الطعام البلاستيكية، وعلب الوجبات الجاهزة، والملابس المصنوعة من البوليستر، والإطارات، والدهانات، والعشب الصناعي. وتُعرف هذه بالجسيمات البلاستيكية الدقيقة الثانوية.

موجودة بكثرة توجد في الماء والتربة والهواء. ووفقًا لأحد التقديرات، تسرب 2.7 مليون طن من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى البيئة في عام 2020، وهو تقدير من المتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2040. تقول غاردنر، الذي يعمل قسمه على مكافحة التلوث البلاستيكي في البحيرات والأنهار والمحيطات: "من الآمن القول إن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة موجودة في كل مكان تقريبًا".

كيف تؤثر الجزيئات البلاستيكية الدقيقة الموجودة في أجسامنا على صحتنا؟

بحسب أحد التقديرات الشهيرة، قد نستهلك ما يصل إلى 52 ألف جزيء من البلاستيك الدقيق سنويًا، ورغم التشكيك في هذا الرقم لاحقًا، فمن الواضح أنها تدخل جسم الإنسان بكميات كبيرة. سواءً أكانت تُبتلع عبر الطعام أو السوائل التي نشربها أو تُمتص من الهواء الذي نتنفسه، فقد أصبحت جزيئات البلاستيك الدقيقة منتشرة في كل مكان. وُجدت في سوائل الجسم، من اللعاب والدم إلى البلغم وحليب الأم، بالإضافة إلى مجموعة من الأعضاء، بما في ذلك الكبد والكليتين والطحال والدماغ، وحتى داخل عظامنا. هذا التراكم المستمر للأدلة يُشير إلى سؤال واحد: ما هو تأثير كل هذا البلاستيك على صحتنا؟

لكن معرفة كيفية تأثيرها على صحتنا أثبتت صعوبتها. إحدى طرق معرفة ذلك هي ما يُعرف في الأوساط الطبية باسم "تجربة التحدي البشري". تُجرى هذه التجربة عادةً في مجال الأمراض المعدية، وتتضمن موافقة المشاركين على تعريض أنفسهم عمداً للإصابة بمسبب مرضي لمساعدة العلماء على فهم تأثيراته على جسم الإنسان بشكل أفضل. 

يقول رافاييل مارفيلا، أستاذ الطب الباطني وباحث الجسيمات البلاستيكية الدقيقة في جامعة كامبانيا لويجي فانفيتيللي في نابولي، إنه يشتبه في أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة والنانوية قد تساهم في تسريع الشيخوخة. ويعتقد مارفيلا أنها قد تحقق ذلك بعدة طرق، منها إحداث خلل في وظائف الأوعية الدموية، وخلق عبء متزايد من الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، فضلاً عن تغيير سلوك الخلايا في الأعضاء الداخلية من خلال توليد جزيئات تُتلف الحمض النووي تُسمى أنواع الأكسجين التفاعلية. وقد تم رصد هذه الاستجابة الالتهابية بالفعل في الطيور البحرية، مما أدى إلى حالة تُعرف باسم "التليف البلاستيكي"، ويرى مارفيلا أنه من المحتمل أن يحدث هذا أيضاً لدى البشر.

هذا شعورٌ تشاركه بيشلر، التي انجذبت إلى هذا المجال بعد قراءة تقارير عن التركيزات العالية للجسيمات البلاستيكية الدقيقة التي تم رصدها في عينات براز بشرية، وتكهّنت بأنها قد تكون مرتبطة بارتفاع معدل انتشار سرطان القولون والمستقيم. وقد أثارت أبحاثها اللاحقة شكوكها بأن تراكم الجسيمات البلاستيكية الدقيقة قد يساهم بطريقة ما في زيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ويقول كوسيرو إن المخاطر قد تختلف أيضًا اعتمادًا على الحالة الصحية الأساسية للشخص، حيث يكون كبار السن أو أولئك الذين يعانون من حالات صحية كامنة أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتأثيرات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة.

أشارت دراسات بحثية سابقة إلى أن الجسيمات البلاستيكية الدقيقة أو النانوية التي يبتلعها مرضى السرطان قد تؤثر على نجاح العلاج، إذ تستطيع هذه الجسيمات الصغيرة تغيير سلوك أدوية السرطان في الجسم، على سبيل المثال عن طريق الارتباط بهذه الأدوية والحد من كمية المادة الفعالة التي تُطلق في الأورام. والآن، تحاول كوسيرو، مع فريقها في جامعة بورتسموث، فهم ما إذا كانت جرعات معينة من الجسيمات البلاستيكية الدقيقة تشكل خطراً أكبر على الأشخاص المصابين بالربو المزمن أو غيره من أمراض الجهاز التنفسي طويلة الأمد. بحسب ما نشره موقع (BBC News).

مادة من نوع خاص

بشكل خاص، يركز الباحثون في دراستهم على "المادة العضوية الذائبة المشتقّة من الميكروبلاستيك"، وهي مركّبات كربونية تذوب في الماء وتنبع من البلاستيك نفسه، إمّا من إضافاته الصناعية، أو من وحداته المتكسّرة، أو من نواتج الأكسدة الضوئية.

في هذا السياق بحسب ما نقله موقع (الجزيرة نت)، فإن الدراسة تقدم صورة جزيئية تفصيلية لكيفية تشكل هذه المركبات وتغيّرها عبر الزمن ومع الضوء.

ولاختبار دور الضوء، وضع الفريق أربعة أنواع شائعة من الميكروبلاستيك في الماء، وهي البولي إيثيلين والبولي إيثيلين تيرفثالات و"بي بات"، وهو بوليمر يُستخدم في تطبيقات توصف أحيانا بأنها قابلة للتحلل، وحمض البولي لاكتيك.

بعد ذلك، قارن الفريق ما تطلقه هذه المواد بما يُعرف بالمادة العضوية الطبيعية الذائبة، الموجودة في الأنهار، تحت شرطين، الأول هو الظلام، والثاني هو الأشعة فوق البنفسجية لمدة وصلت إلى 96 ساعة، مع استخدام أدوات تحليل متقدمة.

نتائج مقلقة

النتيجة الجوهرية كانت أن الضوء ليس تفصيلًا ثانويا، بل هو "المحرّك" الأساسي الذي يرفع إطلاق الكربون العضوي الذائب من البلاستيك، ويغير تركيب ما يُطلَق مع مرور الوقت.

إلى جانب ذلك، ظهر أن البلاستك "القابل للتحلل" يتأثر بشكل أكبر من بقية الأنواع، مما يفتح بابًا لأسئلة جديدة حول الأثر البيئي الفعلي لهذه البدائل عندما تتحول إلى ميكروبلاستيك أو تتعرض لتجوية ضوئية.

وعند تحليل السحابة الكيميائية التي يطلقها الميكروبلاستيك في الماء، تبين أنها ليست مادة واحدة بل خليط واسع يضم ثلاثة مكوّنات رئيسية، الأول هو إضافات صناعية مُدمجة في البلاستيك (مثل بعض الفثالات) قد تنفلت بسهولة لأن ارتباطها داخل المادة أضعف نسبيًّا.

وثانيا، رصد العلماء مونومرات وأوليغومرات، وهي لبنات وشظايا صغيرة تنفصل عن سلاسل البوليمر نتيجة التكسّر.

وأخيرا، وجد العلماء نواتج أكسدة ضوئية تتزايد مع التجوية والتعرض للضوء، فتظهر مركبات أكثر "تأكسدا" غنيّة بمجموعات وظيفية حاوية للأكسجين، مما يدل على تحوّلات كيميائية نشطة على سطح البلاستيك وفي الماء المحيط به.

لا تزعم الدراسة أننا نعرف حجم الأضرار بدقة حتى الآن، لكنها تقترح آلية واضحة لما قد يحدث عندما يطلق الميكروبلاستيك مركّبات عضوية ذائبة صغيرة، فهذه المركبات قد تنشط نمو الميكروبات أو تكبحه فتربك توازن المجتمعات الميكروبية، وقد تؤثر في دورات المغذيات والكربون داخل الماء، كما يمكن أن تتفاعل مع المعادن وملوثات أخرى فتغيّر طريقة انتقالها أو التصاقها بالجسيمات.

لذلك فالمشكلة، كما توضحها الدراسة، لا تتوقف عند "حبة بلاستيك" قد تبتلعها كائنات مائية، بل تمتد إلى الكيمياء المتبدلة التي تتركها خلفها في البيئة المائية.

مختصة سعودية في التغذية تحذر منه

كشف تقرير علمي حديث عن خطر يشكله البلاستيك الدقيق على صحة الإنسان، حيث تنتشر هذه الجزيئات الدقيقة التي لا يتجاوز قطرها خمسة ميكرونات في المياه والأغذية، وحتى الهواء الذي نتنفسه.

وأوضح التقرير أن البلاستيك الدقيق يدخل جسم الإنسان عن طريق الاستنشاق أو تناول الأطعمة والمشروبات الملوثة، ويُعتقد أنه يتراكم في الأنسجة الحيوية، ما يؤدي إلى تأثيرات صحية خطيرة مثل الالتهابات، واضطرابات في وظائف الأعضاء، وزيادة خطر الإصابة بأمراض مزمنة.

وفي تفسيرها العلمي للأضرار الناتجة عن الميكروبلاستيك، أشارت مختصة الأبحاث في مجال التغذية وعمليات الأيض، الدكتورة ألاء آل مسعود لـ"العرببة.نت"، أن الميكروبلاستيك يُعرف بأنه جسيمات بلاستيكية صغيرة تقل عن 5 ملم، وهي منتشرة بشكل واسع في البيئة، حيث تتسلل إلى الهواء والماء والتربة وحتى مصادر الغذاء، وقد كشفت دراسات حديثة عن وجود الميكروبلاستيك في أنسجة وسوائل بشرية، بما في ذلك الدم والرئتين وحليب الأم، ما أثار القلق بشأن تأثيراتها المحتملة على صحة الإنسان.

التأثيرات الصحية المحتملة

وعن أهم التأثيرات، ذكرت آل مسعود، أنها قد تسبب تلف الخلايا، فقد أظهرت الأبحاث أن الميكروبلاستيك يمكن أن يتسبب في تلف الخلايا، بما في ذلك الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وقد وجدت دراسة من جامعة برشلونة المستقلة أن أكياس الشاي تطلق كميات كبيرة من النانو والبلاستيك الدقيق، الذي يمكن امتصاصه بواسطة الخلايا المعوية، ما قد يؤدي إلى اضطرابات في وظائف الخلايا.

كما يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات الغدد الصماء، حيث تحتوي بعض المواد الكيميائية في البلاستيك، مثل البيسفينول A (BPA) والفثالات، على خصائص تؤدي إلى اضطرابات هرمونية، وقد ارتبطت هذه المواد بمشاكل في التوازن الهرموني وصحة الإنجاب والمشاكل التنموية، كما يمكن أن تؤدي إلى مشاكل في الجهاز التنفسي، فيمكن أن يؤدي استنشاق الميكروبلاستيك من مصادر مثل الألياف الصناعية والغبار الحضري إلى مشاكل تنفسية. وتشير الدراسات إلى أن هذه الجسيمات قد تسبب التهابات في الرئتين، مما يزيد من تفاقم حالات مثل الربو.

مخاطر على القلب والأوعية الدموية

وتضيف الدكتورة آلاء أن أبحاثًا جديدة كشفت عن وجود الميكروبلاستيك في شرايين الإنسان، مما يثير احتمال ارتباطها بمشاكل القلب، مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية.

وأوضحت أن طرق التعرض تتم من خلال الابتلاع، فقد تم اكتشاف الميكروبلاستيك في العديد من الأطعمة، مثل المأكولات البحرية والملح وحتى مياه الشرب، وقد أظهرت الدراسات أن المأكولات البحرية التي يستهلكها الإنسان تحتوي على الميكروبلاستيك، ما يوضح طريقًا مباشرًا للتعرض عبر النظام الغذائي.

أما بالنسبة للاستنشاق، فيمكن أن يتم استنشاق الميكروبلاستيك من الغبار الحضري والألياف الصناعية وغيرها من المصادر، ما يؤدي إلى تعرض الجهاز التنفسي، والتلامس الجلدي. على الرغم من أن الجلد يشكل حاجزًا، فإن الميكروبلاستيك في منتجات العناية الشخصية والمياه الملوثة يمكن أن يتلامس مع الجلد، وما زالت الدراسات تبحث في مدى امتصاصها عبر الجلد.

الجهود التنظيمية والبحثية

وتضيف أن المجتمع العلمي يعمل بنشاط على دراسة تأثيرات الميكروبلاستيك الصحية لتوجيه السياسات التنظيمية. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات لحظر الميكروبلاستيك في مستحضرات التجميل، مما يعكس القلق المتزايد بشأن سلامتها. ومع ذلك، لا يزال المجال في مرحلة تطور، وهناك حاجة إلى المزيد من الدراسات عالية الجودة لفهم المخاطر بشكل كامل.

وختمت حديثها: على الرغم من أن الأدلة القاطعة التي تربط الميكروبلاستيك بمشاكل صحية محددة لا تزال قيد التطور، فإن الأبحاث الحالية تشير إلى مخاطر محتملة تتطلب اتخاذ تدابير احترازية. من الحكمة تقليل التعرض من خلال تقليل استخدام المنتجات البلاستيكية، ودعم الجهود التنظيمية للحد من التلوث البلاستيكي، والبقاء على اطلاع على الأبحاث الجارية لحماية صحة الإنسان.

هذا التحذير العلمي يُظهر الحاجة الملحة إلى مواجهة هذا التهديد الصامت، الذي قد يترك تداعيات خطيرة على صحة الأجيال الحالية والمستقبلية.

الميكروبلاستيك قد تزيد الإعاقة لدى سكان السواحل

أظهرت دراسة أولية أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة "الميكروبلاستيك" الموجودة في مياه المحيطات والبحار، قد تكون مرتبطة بزيادة معدلات الإعاقة بين سكان المناطق الساحلية.

وتنتشر هذه الجزيئات في البيئات البحرية بفعل التيارات المائية، إذ تبتلعها الكائنات البحرية، ما يؤدي إلى دخولها في السلسلة الغذائية، وبسبب صغر حجمها، يصعب ترشيحها وإزالتها من المياه، ما يجعلها تهديداً بيئياً متزايداً يمكن أن يؤثر على صحة الإنسان والنظم البيئية على المدى الطويل.

الحفاظ على البيئة البحرية

وبحسب ما نشر محمد المنصور في موقع (الشرق للأخبار) تسلط الدراسة الضوء على مخاطر جديدة محتملة للتلوث البلاستيكي في المحيطات، مما يستدعي إجراء مزيد من الأبحاث واتخاذ تدابير للحد من انتشار الميكروبلاستيك في البيئة.

ولم تثبت الدراسة، التي نُشرت خلال الاجتماع السنوي الـ77 للأكاديمية الأميركية لعلم الأعصاب، أن الميكروبلاستيك يسبب هذه الإعاقات، لكنها وجدت علاقة واضحة بين المستويات العالية من هذه الجزيئات وانتشار الإعاقة بين السكان.

وشملت الدراسة تحليل بيانات 218 مقاطعة ساحلية في الولايات المتحدة عبر 22 ولاية، حيث صنَّف الباحثون المناطق بناء على مستويات تلوث مياه المحيط بالميكروبلاستيك.

وتبيّن أن بعض المناطق تحتوي على أكثر من 1000 قطعة بلاستيكية لكل متر مكعب من المياه، بينما كانت المناطق الأقل تلوثاً تحتوي على أقل من 10 قطع.

وبعد ذلك، قارن الباحثون بين مستويات التلوث ونسب الإعاقة لدى السكان، ووجدوا أن معدلات الإعاقة كانت أعلى في المناطق ذات التلوث المرتفع.

وأظهرت الدراسة أن في المناطق التي تحتوي على أعلى مستويات من الميكروبلاستيك، بلغت نسبة الأشخاص الذين يعانون من إعاقات في التفكير والذاكرة 15.2%، مقارنة بـ13.9% في المناطق الأقل تلوثاً، أما نسبة المصابين بإعاقات حركية، فقد وصلت إلى 14.1% في المناطق الملوثة، مقابل 12.3% في المناطق الأقل تلوثاً.

كما ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في العناية بأنفسهم مثل ارتداء الملابس أو الاستحمام إلى 4.2% في المناطق ذات التلوث العالي، مقارنة بـ3.6% في المناطق الأقل تلوثاً.

وبالنسبة للإعاقات المتعلقة بالعيش المستقل، مثل القدرة على التسوق أو إدارة الأموال، فقد بلغت النسبة 8.5% في المناطق الملوثة، مقابل 7.7% في المناطق الأخرى.

خطر الإعاقات العصبية

وحتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل مثل أمراض القلب والسكتات الدماغية والتلوث الهوائي ومستوى الدخل، ظلت معدلات الإعاقة أعلى في المناطق ذات التلوث المرتفع، حيث سجلت زيادة بنسبة 9% في إعاقات التفكير والذاكرة، و6% في إعاقات الحركة، و16% في إعاقات العناية بالنفس، و8% في إعاقات العيش المستقل.

وأكد الباحث الرئيسي في الدراسة، سارجو جاناترا، أن البيئة تلعب دوراً رئيسياً في صحة الإنسان، وأن التلوث قد يكون عاملاً في زيادة خطر الإعاقات العصبية.

وأضاف جاناترا أن هناك حاجة ماسة لمزيد من الأبحاث لفهم كيفية تأثير الميكروبلاستيك على صحة الدماغ والجهاز العصبي.

وأشار الباحثون إلى أن كمية الميكروبلاستيك في مياه المحيط قد تتأثر بعدة عوامل، مثل التيارات البحرية والكثافة السكانية وأنظمة إدارة النفايات والأنشطة الصناعية، لكن لا تزال هناك تساؤلات بشأن كيفية تأثير هذه الجسيمات على صحة الإنسان، وما إذا كان التعرض الطويل لها يؤدي إلى تغيرات عصبية تساهم في زيادة معدلات الإعاقة.

اضف تعليق