يعد اتفاق قمة المناخ هو تتويج عمل دام لعقود، كونه الأول من نوعه في اتفاق جميع دول العالم على الحد من الانباعثات المسببة للاحتباس الحراري والسيطرة على درجة حرارة الأرض لمنع حدوث كوارث مناخية تصيب الكوكب بأكمله.

وبعد مفاوضات دامت لأسبوعين في باريس بين 195 دولة من أعضاء الأمم المتحدة، والتي دارت حول المناخ العالمي والاحتباس الحراري بداية من الانباعثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري إلى الأوضاع الاقتصادية في كل من الدول النامية والمتقدمة، "حان الوقت لوقف ارتفاع درجة حرارة الأرض"، هكذا كانت بداية الاتفاق الذي وقعته 195 دولة، المكون من 31 صفحة، فيما تلخص أهم ما تتناوله الاتفاقية بما يلي تعهد المجتمع الدولي بحصر ارتفاع درجة حرارة الأرض وإبقائها "دون درجتين مئويتين"، قياسًا بعصر ما قبل الثورة الصناعية، وبـ "متابعة الجهود لوقف ارتفاع الحرارة عند 1.5 درجة مئوية"، السيطرة على انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري باتخاذ إجراءات للحد من استهلاك الطاقة والاستثمار في الطاقات البديلة وإعادة تشجير الغابات، وضع آلية مراجعة كل خمس سنوات للتعهدات الوطنية التي تبقى اختيارية، وسيتم إجراء أول مراجعة إجبارية في 2025 ويتعين أن تشهد المراجعات التالية تقدمًا من قِبل الدول الموقعة، يتعين على الدول المتقدمة مساندة الدول النامية بالمساعدات التمويلية لمواكبة جهودات الدول المتقدمة في تحقيق ما تنص عليه الاتفاقية، حيث تم الاتفاق على منح الدول النامية ما يقرب من 100 بليون دولار بحلول عام 2020 لمساعدة تلك الدول في التخلص من الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، والتي تعتبر تلك الدول أولى ضحاياها، ترفض الدول المتقدمة أن تدفع وحدها المساعدة، وتطالب دولاً مثل الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة والدول النفطية الغنية أن تساهم، تجري في مقر الأمم المتحدة بنيويورك مراسم توقيع الوثيقة في 22 أبريل 2016 على مستوى عال، إلا أنها لا تدخل حيز التنفيذ إلا بعد المصادقة عليها من قبل 55 بلدًا تطلق ما لا يقل عن 55% من الحجم الكلي للغازات المسببة للاحتباس الحراري، تكون الدول المشاركة مسؤولة عن الإعلان عن نسب الغازات المنبعثة من الصوبات الزجاجية وغازات ثاني أكسيد الكربون بشكل سنوي مع الاحترام الكامل لسيادة كل دولة، تحل الاتفاقية الجديدة محل بروتوكول كيوتو - اتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي - الذي سينتهي العمل به في عام 2020، والذي كانت الولايات المتحدة تقاطعه بسبب إعفاء الصين منافستها الاقتصادية من الالتزام ببنوده.

وفيما كانت الدول النامية حتى الآن خاضعة لقواعد صارمة في مجال التقييم، نصّ اتفاق باريس على أن النظام ذاته ينطبق على الجميع، بحيث تكون هذه النقطة شديدة الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة، بيد أنه تم إقرار مرونة تأخذ في الاعتبار القدرات المختلفة لكل بلد.

شيه تشن هوا، المبعوث الصيني قال: "صحيح أن هذا الاتفاق ليس مثاليًا، هناك نقاط تحتاج إلى تحسين، ولكن هذا لا يمنعنا من اتخاذ خطوات تاريخية في المستقبل"، وقال وزير البيئة الهندي براكاش جافاديكار: "مع أنّ التنازلات هي جزء من أي مفاوضات، نعتقد أن هذا الاتفاق كان يمكن أن يكون أكثر طموحًا"، وصرح وزير الطاقة والبيئة لجزر المالديف: "بالنسبة للدول الجزيرية الصغيرة الممثلة في وزير البيئة للمالديف، علينا أن نضع في اعتبارنا أن التاريخ لن يحكم على ما أنجزناه اليوم، ولكن على ما سننجزه من الآن فصاعدًا"، كما صرّح باراك أوباما بأن اتفاق باريس يحدد الإطار المستدام الذي يحتاجه العالم من أجل حل أزمة المناخ، كما أنه يمثل أفضل فرصة عرضت علينا لإنقاذ الكوكب الوحيد الذي نعيش عليه"، وبيّن عالم المناخ من وكالة ناسا بيل باتزرت بأن من الصعب وقف ارتفاع درجة الحرارة عند 1.5 درجة مئوية، إلا أنه يرى أن الاتفاقية خطوة مهمة في تاريخ العالم باعتبارها الأولى من نوعها في التعاون بين الأمم المتحدة في السيطرة على المناخ الذي يضره الإنسان بنفسه.

بعد أن حظت الاتفاقية بسعادة لم تكن في الحسبان، ينتظر العالم دخولها حيز التنفيذ بداية من عام 2020، ليرى ما إن كانت بالفعل نقطة محورية في عمر البشرية كما وصفها مندوبي الدول أم لا، وعليه فبعد سنوات من المفاوضات الشاقة توصل ممثلو 195 دولة في باريس إلى اتفاق وصف بالتاريخي. لكن هل فعلا ينجي العالم قماره من هذه الاتفاقية، وهل ستلتزم دول العالم في الحفاظ على البيئة؟.

اتفاق عالمي

في سياق متصل اقر ممثلو 195 دولة في باريس اتفاقا عالميا غير مسبوق للتصدي للاحتباس الحراري في الكرة الارضية، الذي تزداد مخاطره على الانسان والطبيعة، واعلن رئيس قمة المناخ وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس "انظر (الى الوجوه) في القاعة وارى ان رد الفعل ايجابي ولا اسمع اعتراضا، تم تبني اتفاق باريس حول المناخ" ما اثار عاصفة من التصفيق استمرت لدقائق في قاعة المؤتمر وسط تبادل التهاني واجواء من الفرح. بحسب فرانس برس.

وصعد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الى المنصة وامسك بيد الامين العام للامم المتحدة بان كي مون وفابيوس في حين تعانقت مسؤولة المناخ في الامم المتحدة كريستيانا فيغيريس طويلا مع كبيرة المفاوضين الفرنسية لورانس توبيان، وعلق فابيوس وهو ينزل مرة ثانية المطرقة الممهورة بشعار قمة المناخ "انها مطرقة صغيرة لكن بامكانها القيام بشيء كبير".

نقطة تحول من الوقود الحفري

فيما أقرت الوفود المشاركة في المؤتمر العالمي لتغير المناخ اتفاقا فارقا يحدد المسار لتحول "تاريخي" لانهاء اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الحفري خلال عقود في محاولة للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، وفي نهاية أشد الأعوام حرارة منذ بدأ الرصد وبعد أربع سنوات من محادثات شاقة رعتها الأمم المتحدة تضاربت فيها كثيرا مصالح الدول الغنية والفقيرة ومصالح الدول الجزر التي تواجه الخطر مع مصالح الاقتصادات الصاعدة.

واحتاج وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس لدقائق معدودة لإعلان إقرار الاتفاق وسط تصفيق وصفير من وفود نحو مئتي دولة، وقال فابيوس وهو يعلن ختام الاجتماع وسط دهشة المراقبين الذين استعدوا لساعات من المداولات بعد أسبوعي التفاوض الشاقين "بمطرقة صغيرة يمكنك تحقيق أشياء عظيمة"، وقال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي قاد وفد المفاوضين الأمريكيين في باريس "إنه نصر لكل من على سطح الكوكب وللأجيال القادمة"، وأضاف "حددنا مسارا هنا. العالم التف حول اتفاق سيمنحنا صلاحية رسم طريق جديد لكوكبنا.. مسار ذكي ومسؤول.. مسار مستدام"، وقوبل الاتفاق بإشادة كبيرة كأول اتفاق عالمي للتغير المناخي يلزم دول العالم سواء الغنية أو الفقيرة بالسيطرة على الانبعاثات المسؤولة عن ارتفاع درجة حرارة الكوكب ويضع هدفا شاملا على المدى الطويل للقضاء على الانبعاثات الضارة التي يتسبب فيها البشر خلال هذا القرن.

كما يضع الاتفاق نظاما لضمان أن تفي الدول بجهود محلية للحد من الانبعاثات وتوفير مليارات الدولارات الإضافية لمساعدة لدول الفقيرة في التحول إلى اقتصاد صديق للبيئة، وقال فابيوس الذي وصف الاتفاق بأنه "طموح ومتوازن" إنه سيمثل نقطة تحول تاريخية" في الجهود الدولية لمنع تبعات كارثية محتملة لارتفاع درجة حرارة الكوكب.

وقال ميجيل أرياس كانيتي مفوض المناخ بالاتحاد الأوروبي "اليوم نحتفل.. غدا علينا أن نعمل"، ولم يتغير الاتفاق النهائي بشكل جوهري عن المسودة التي تم الكشف عنها في وقت سابق السبت وتشمل هدفا بالغ الطموح للحد من ارتفاع درجة الحرارة "لأقل بنسبة جيدة من درجتين مئويتين" عما كان عليه في قبل الحقبة الصناعية.

وفي السابق كان الهدف بشأن ارتفاع درجة حرارة الأرض هو درجتين مئويتين في 2010، وقالت إيزابيلا تيكسيرا وزيرة البيئة البرازيلية "هذا نصر للإنسانية"، ولعل النجاح كان مضمونا قبل بدء القمة بعدما قدمت 187 دولة خططا محلية مفصلة للكيفية التي ستعمل بها على احتواء زيادة الانبعاثات الضارة وتعهدات مثلت الأساس في اتفاق باريس.

ومع إفساح المجال لكل بلد لمواصلة هذه الإجراءات على طريقته فإن الاتفاق وضع أخيرا رؤية مشتركة، ويأمل مسؤولون إن يمثل الاتفاق بادرة قوية لسكان العالم وإشارة محتملة للمديرين التنفيذيين والمستثمرين بتوقع إنفاق تريليونات الدولارات لاستبدال الطاقة المعتمدة على حرق الفحم بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وقال هانز يواكيم شولنباور مدير معهد بوتسدام لأبحاث آثار المناخ "الأمر سيرجع لقطاع الأعمال والمستهلكين والمواطنين ولا سيما المستثمرين لاتمام هذا العمل"، لكن على النقيض من بروتوكول كيوتو وهو آخر اتفاق مناخي كبير أبرم عام 1997 لن تكون معاهدة باريس ملزمة قانونا وهو أمر من شبه المؤكد أن يقابل بالرفض في الكونجرس الأمريكي، وفي الولايات المتحدة سيرى الكثير من الجمهوريين المعاهدة بوصفها محاولة خطيرة لتهديد الرخاء الاقتصادي من أجل مستقبل غير مضمون حتى لو كان أقل تلوثا.

وسيتعين على الدول الوصول لأفضل إنجاز ممكن في مسألة انبعاثات الغازات "بأسرع وقت ممكن" وتحقيق توازن بين مستويات انبعاثات الغازات التي يتسبب فيها الإنسان وبين امتصاصها بواسطة الغابات أو المحيطات "بحلول النصف الثاني من القرن الحالي".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0