تحتل العائدات النفطية اهمية كبيرة بالنسبة للاقتصادات المتقدمة والنامة على حدٍ سواء، وكذا الحال بالنسبة للدول المنتجة او المستهلكة. فالدول المنتجة تحصل عليها وتسهم في تمويل الموازنة العامة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل مباشر. أما بالنسبة للدول المستهلكة فإنها تستفيد من تلك العائدات ولكن بشكل غير مباشر اي انها تحقق التنمية الاقتصادية الاجتماعية ولكن بعد استخدام النفط الخام في انتاج السلع والخدمات التي تساهم في تحقيق تلك التنمية.

تشكل العائدات النفطية نسبة كبيرة في الاقتصادات النفطية وخصوصاً اقتصادات البلدان العربية باعتبارها بلدان أحادية الإنتاج، أي تعتمد بشكل كبير جداً على عائدات النفط، لأنها تمثل عصب التنمية الاقتصادية في تلك البلدان ومصدراً من مصادر الناتج القومي الإجمالي.

فالنفط يمثل عنصراً رئيساً في بناء قاعدة صناعية وخاصة صناعة التكرير والبتروكيمياويات أو ما يتبعها من صناعات لاحقة أخرى، هذا فضلاً عما يمثله النفط كمصدر لإمدادات الطاقة تعتمد اغلب البلدان المنتجة للنفط على النفط في تمويل اقتصاداتها وذلك لما يتمتع به من مزايا ايجابية كثيرة.

لكنه في نفس الوقت، يتميز بتذبذب أسعاره بين الحين والآخر وذلك لأسباب عديدة مما يؤدي إلى تذبذب عوائده، هذا سوف يخلق التبعية من القطاعات الاقتصادية للقطاع النفطي ومن ثم يصبح الاقتصاد اقتصاد أحادي الجانب يتعرض للتقلبات التي تصيب القطاع النفطي، وكما هو الحال بالنسبة للدول العربية النفطية التي تعرضت له عندما واجهت تحدياً حقيقياً يمس أساس وجودها والذي يتمثل في تآكل قاعدتها المادية (العائدات المالية) نتيجة لتدهور أسعار النفط بسبب الأزمات السياسية والعسكرية (حرب الخليج الأولى والثانية) فضلاً عن استشراء الممارسات الريعية والفساد المالي والهدر غير المبرر للإمكانات المالية، هذه العوامل أدت إلى تراجع النمو الاقتصادي ومعدلات التكوين الرأسمالي وسوء توزيع الثروة بين الافراد.

ونتيجة لما تقدم فإن العائدات النفطية لها آثار ايجابية وأخرى سلبية وهذه الآثار هي نتيجة لإدارة العائدات النفطية، فإن كانت الإدارة سليمة وذات خطط استراتيجية وطنية ومستقبلية فان الآثار سوف تكون ايجابية. أما إذا كانت الإدارة ذات عقلية ريعية تنظر للعوائد النفطية على إنها رزقاً أو حظاً أو صدفةً، ويكون واجبها فقط هو توزيع تلك العائدات على المواطنين مقابل كسب ولاءهم وبالتالي تضمن استمرارها بالسلطة، فهي بذلك عملت على قطع العلاقة بين تيار العائدات النفطية التي تؤول للدولة وبين الجهد الإنتاجي ككل، أي إنها ترى إن العائدات النفطية لم تأتي نتيجة لعمل إنساني منظم ينتج عن الجهد أو تحمل المخاطر.

وهذا ما أشار إليه لوشياني حين قال (ان الصفة الأساسية للعقلية الريعية هي إنها تنطوي على قطع في السلسلة بين العمل وجزائه فالجزاء يصبح كسباً مفاجئاً لا نتيجة لعمل جاد منظم، انه يكون متعلقاً بوضع ما، لذا فهو معّرض للخسران وذو صفة نّهازة للفرص).

العائدات النفطية هي المردودات النقدية التي تحصل عليها الدول النفطية مقابل تصديرها للنفط بعد ان يتم اشباع الطلب المحلي. وبالتأكيد ان العائدات النفطية تتأثر بمجموعة من العوامل التي يمكن توضيح اهما بما يلي:

اولاً: اسعار النفط//

تمثل اسعار النفط العنصر الرئيس الذي يؤثر على حجم العائدات النفطية، وبما ان اسعار النفط متذبذبة بين الارتفاع والانخفاض كنتيجة لأسباب عديدة، اهما العوامل الاقتصادية والعوامل السياسية والعوامل الطبيعية …إلخ. تتمثل العوامل الطبيعية بالعرض والطلب اي كلما ارتفع حجم الطلب على النفط كلما ارتفعت اسعاره، وهذا يؤدي الر ارتفاع حجم العائدات النفطية. والعكس صحيح، في حالة ارتفاع العراض. أما بالنسبة للعوامل السياسية فهي متمثلة بالتكتلات والاتفاقيات وغيرها التي تعمل على زيادة او تخفيض الانتاج النفطي لتحقيق التوازن السعري للنفط. والعوامل الطبيعية متمثلة بأجواء المناخ الذي يفضي الى زيادة الطلب على النفط اذا كان المناخ ذو برودة شديدة وان زيادة الطلب تؤدي الى زيادة اسعاره ومن ثم زيادة حجم العائدات النفطية، والعكس صحيح في حالة اعتدال المناخ.

ثانياً: حجم الاحتياطي النفطي//

يُعرف الاحتياطي النفطي بكميات النفط الخام المكتشفة في باطن الارض التي يمكن استخراجها بالشكل الاقتصادي وبالأدوات المتاحة. وللمزيد عن الاحتياطي النفطي وانواعه يمكن مراجعة المصادرة الخاصة باقتصاد النفط. فكلما تتوفر الاحتياطيات النفطية بشكل كبير كلما تساعد تلك الاحتياطيات على الانتاج بشكل كبير بعد ان يتهم الاهتمام بزيادة الطاقة الانتاجية التي تتناسب مع حجم تلك الاحتياطيات، وبالتالي فكلما ارتفعت الاحتياطيات النفطية ادت الى زيادة الاهتمام بزيادة الطاقة الانتاجية وزيادة الانتاج وزيادة حجم الصادرات النفطية بعد ان يتم تغطية الحاجة المحلية من النفط الخام، وبالتالي زيادة حجم العائدات النفطية.

ثالثاً: التضخم//

يُعرف التضخم على انه الارتفاع العام والمستر في اسعار السلع والخدمات. وبما ان النفط له سعر حاله حال السلع الاخرى، لذا فالنفط اسعاره ترتفع كما ترتفع اسعار السلع الاخرى، وبالتالي فان التضخم يؤثر على حجم العائدات النفطية، إذ كلما يرتفع حجم التضخم كلما يؤدي هذا الارتفاع الى انخفاض حجم العائدات النفطية الحقيقة، اذ ان العائدات النفطية قبل ارتفاع حجم التضخم مع افتراض بقاء العوامل الاخرى ثابتة (حجم الانتاج والتصدير على سبيل المثال) كانت ذات قدرة وقوة شرائية عالية، لكن بعد حصول التضخم بالتأكيد ستنخفض القدرة والقوة الشرائية لتلك العائدات، فعلى سبيل المثال، كانت العائدات النفطة قبل ارتفاع حجم التضخم تؤدي الى انجاز اغلب المشاريع التنموية ذات الأمد الطويل أو لم تجعل الموازنة العامة من العجز على الاقل، لكن بعد ارتفاع حجم التضخم نلحظ اغلب البلدان النفطية تعاني من التلكؤ في تنفيذ المشاريع فضلاً عن انجازها بالكامل، كما نلحظ ايضاً ان اغلب موازنات الدول النفطية تعاني من العجز، وذلك بسبب اعتمادها على النفط بشكل كبير جداً المتميز بتذبذب اسعاره.

رابعاً: القرار السياسي//

لم تعد العوامل الاقتصادية هي المؤثر الوحيد على حجم العائدات النفطية، اذ اصبح القرار السياسي لا يقل اهمية عن العوامل الاقتصادية في التأثير على حجم العائدات النفطية، وخير مثال على ذلك، هو القرار الذي اتخذته منظمة اوبك في عام 1973 في منع تصدير النفط الى جميع الدول التي ساندت العدوان الاسرائيلي على فلسطين وذلك لمنع العدوان على فلسطين المظلومة عربياً في الوقت الحاضر، ذلك الفرار ادى الى ارتفاع اسعار النفط من 2.11 تقريباً للبرميل الواحد الى 11.12 دولار في عام 1973، وكذلك بالنسبة للحرب العراقية–الايرانية، فإن لم يكُن منشأها النفط فهي على الاقل لم تكن ستستمر لثمانية اعوام.

خامساً: الفساد الاداري والمالي//

ان من اهم التحديات التي تواجه البلدان النفطية في الوقت الحاضر هي مشكلة الفساد التي تفاقمت وبشكل كبير مع زيادة حجم العائدات النفطية لتلك البلدان، اذ لا يمكن تحقيق تقدم في عملية التنمية بأصعدتها المختلفة طالما هناك فساداً مستشرياً في القطاعات الاقتصادية، فعن طريق الفساد يتم هدر وتبذير العائدات النفطية مما يهدد عملية الاستقرار السياسي والاقتصادي، ويظهر الفساد بشكل كبير خاصة في الفترات التي تضعف فيها قدرة الدولة وتتراجع فيها الحياة المدنية لصالح المفسدين وبالتالي يكون الفساد الصفة الملازمة للدولة والمجتمع، حيث تتمثل معظم حالات الفساد بتوزيع الاراضي والمناصب على أساس الولاءات للحكومة وللعشيرة او في اعمال السلب والنهب لا سيما في الفترات التي تعقب الحروب او الثورات او الانتفاضات.

وهذا ما حصل في العراق حينما قدر وزير النفط العراقي السابق ابراهيم بحر العلوم حجم الخسائر التي منيت بها وزارة النفط ولحقت بالاقتصاد العراقي جراء عمليات تهريب المشتقات النفطية ما بين 10 و15 في المائة من الموازنة المقررة لاستيراد هذه المشتقات والبالغة 4.5 مليار دولار، كما ويشير راضي حمزة الراضي، رئيس هيئة النزاهة العامة سابقاً الى الفساد في القطاع النفطي بقوله (ان ضياع الاموال العامة يثير قلق المسؤولين في حكومة العراق. ان من الصعوبة محاربة الفساد نظراً لغياب آلية قوية للسيطرة على جميع موظفي المؤسسات، ونظراً لعدم وجود دعم من الدوائر المسؤولة عن تطبيق القانون، وما عزز الخسائر المالية لتفاقم الفساد في القطاع النفطي هو استهداف وتخريب المرافق النفطية الحيوية والخطوط الناقلة والمصافي، ما نجم عنه ارباك انشطة الانتاج والتوزيع وتذبذب معدلات التصدير للنفط الخام وزيادة الحاجة الى استيراد المشتقات النفطية بكلف عالية وبالعملة الاجنبية بالتوازي مع ظاهرة التهريب). وعليه فان اجمالي حجم الخسائر خلال مدة الحرب الاخيرة وما بعدها وصل الى (7) مليار دولار.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0