انزلاق اسعار النفط دون النصف فاقم من محنة البلدان النفطية، خصوصا مع دخول موجة الهبوط عامها الثاني واستمرار برامج التقشف والاقتراض لعدد كبير منها. ويبدو إن توقّع أسعار النفط الخام للسنة المقبلة مهمة صعبة لصناع القرار في هذه البلدان، في ظل جو عدم الاستقرار المهيمن على اسواق النفط العالمية مؤخرا.

عدة أسباب، الى جانب تخمة المعروض، ساهمت في تدهور الاسعار، اهمها تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي بفعل ضعف اقتصاد الصين وعدد من الاقتصادات الصاعدة واتجاه بوصلة أوبك صوب الحصص السوقية بدلا من استهداف الأسعار، فضلا على انحسار المخاوف بشأن العوامل الجيوسياسية التي قد تعيق إمدادات النفط من المصدرين الرئيسيين في الشرق الأوسط الى اسواق النفط العالمية. ومن المرجح أن يستمر المستوى المنخفض لأسعار النفط، ومن ثم سيكون على البلدان المصدرة للنفط تفعيل برامج الاصلاح والتنويع الاقتصادي واجراء تعديلات على سياسات الإنفاق والإيرادات لضمان استدامة أوضاع المالية العامة وتحقيق العدالة بين الأجيال.

ورغم تعدد الدراسات والتقارير التي تناولت مستقبل اسعار النفط خلال الاشهر والسنوات القادمة، الا ان الحذر والتشاؤم وسم عدد كبير منها، نظرا لطبيعة الصناعة النفطية وتعقد التطورات الجيوسياسية من جهة وغموض افاق الاقتصاد العالمي من جهة اخرى؛ لأسباب عدة منها:

1- تعثر الاقتصاد العالمي وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي في بلدان تقود قاطرة النمو الاقتصادي العالمي من نحو الصين وبلدان اسيا والبرازيل وبعض بلدان امريكا الجنوبية فضلا على ضعف النشاط الاقتصادي في معظم اقتصادات اوربا بسبب ازمة الديون السيادية.

2- تخمة المعروض من النفط الخام واستمرار الزيادة في امدادات النفط الخام من المصادر التقليدية وغير التقليدية والذي تجاوز حاجز 93 مليون برميل يوميا والناجم اساسا من فورة الاسعار الاخيرة التي حفزت الاستثمار في الابار النفطية باهظة الكلفة خصوصا بعد تجاوز سعر البرميل حاجز 110 دولار.

3- ارتفاع حجم المخزون التجاري العالمي فقد بلغ مستوى الخزين في الدول الصناعية الغنية مستويات غير مسبوقة بحيث وصل الخزين التجاري إلى 2.916 مليار برميل، مما ينذر ايضا بهبوط اضافي في الطلب على النفط ناجم عن وصول الطاقة الاستيعابية لحاويات التخزين والابار النفطية حدودها القصوى.

4- استمرار الانقسام داخل اوبك بشأن السياسة النفطية وتحول بوصلة المنظمة تجاه الحصص الانتاجية بدلا الاسعار، فضلا عن انحسار سيطرة اوبك على اسواق النفط العالمية من 50% الى قرابة 30% لصالح منتجي النفط الصخري.

5- ترقب اسواق النفط الخام لزيادة اضافية في امدادات الطاقة مع دخول الاتفاق النووي الايراني حيز التطبيق ووعود الحكومة الايرانية بزيادة مقدارها مليون برميل يوميا تضاف الى تخمة الامدادات.

6- استمرار حرب الاسعار بين منتجي النفط الكبار لغرض تامين اسواق قادرة على استيعاب الزيادة الحاصلة في الانتاج مما قاد الى برامج حسومات واسع النطاق لأسواق النفط العالمية (خصوصا الاسيوية) وكانت السعودية من أكثر اعضاء اوبك نشاطا في هذا الجانب.

7- استمرار الدوافع السياسية الرامية الى اضعاف عدد من البلدان التي يشكل النفط العمود الفقري لاقتصاداتها ومنها روسيا وإيران.

8- تغير في قواعد السياسة النقدية الامريكية قاد الى رفع اسعار الفائدة ومن ثم سعر صرف الدولار، فبعد عقد من اسعار الفائدة الصفرية قام الاحتياطي الفدرالية برفع اسعار الفائدة في منتصف ديسمبر الجاري مما قاد الى رفع اسعار صرف الدولار وهبوط اسعار النفط نظرا لارتباط الاخير بعلاقة عكسية مع الدولار.

* تدريسي في كلية الإدارة والاقتصاد/جامعة كربلاء
مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0