يُظهر هذا الانتقال من الانقسام الأيديولوجي العمودي إلى التنافس الرياضي الأفقي، تحوّلًا بنيويًا في أنماط السلطة والهيمنة والتمييز السياسي داخل المجتمع. فمن منظور ميشيل فوكو، لا تختفي السلطة حين تتراجع الأيديولوجيا الصلبة، بل يُعاد تشكيلها ضمن شبكات ناعمة من الانضباط والتمثيل الرمزي، حيث تنتقل من مركز القرار السيادي إلى فضاءات الحياة اليومية...
لم يُفاجئني ذلك المشهد: طفلٌ صغير، وإخوته، ووالداه، في نزاعٍ وانقسامٍ شديدين وهم يتابعون فرص الفوز وإحباطات الخسارة في الدوري الأوروبي عمومًا، والدوري الإسباني خصوصًا. بين مناصرٍ لهذا ومناوئٍ لذاك، اذ تكشّف لي من خلال الاكتظاظ غير المألوف في مقاهي المدن. كيف تتوزّع الجماهير بين فرحٍ صاخب بالنصر، وخيبةٍ ثقيلة عند الهزيمة.
استعدتُ فجأة، مركّباتٍ اجتماعية مشابهة قبل قرابة سبعة عقود، حين كانت الأسرة في بلادنا منقسمة بين اليسار وأقصاه، واليمين وأدناه. جدالاتٌ تمتدّ بالصوت العالي، وتفيض من البيوت إلى المقاهي الشعبية التي تحوّلت آنذاك إلى محطاتٍ للعنف والاستقطاب السياسي الشعبوي. بل إنّ لكل تجمّعٍ سياسيٍّ مقهاه الخاص. وكنتُ أتساءل يومها بدهشةٍ مبكرة: هل تستحقّ الأيديولوجيات كلّ هذا التنافس السلبي؟ ولا سيما وأن أنظمة الحكم في تلك الحِقَب كانت غارقةً في براغماتياتٍ صِرفة، بلا قيمة أيديولوجية حقيقية لتلك الصراعات.
تذكّرتُ عندها، عمودًا فكريًا لافتًا خطّه المفكّر السياسي حسين العادلي بعنوان: «الدولة مقبرة الأيديولوجيات» ومفاده (أنّ السياسة ليست فكرةً تُحاكَم، بل واقعًا يُدار، وأن الأيديولوجيا تُشعل المعنى لكنها تعجز عن إدارة التعقيد اليومي للمصالح. فهي تُعبّئ ولا تُوازن، تُلهِم ولا تُنظّم، وتمنح الجماهير سببًا للتضحية، لكنها لا تمنح الدولة شروط البقاء.
يشهد التاريخ بلا رحمة أنّ الثورات تنطلق من أفكار كبرى: الحرية، العدالة، الخلاص، الهوية. تكون الأيديولوجيا ضرورةً في لحظة الهدم، لأنها تمنح الألم معنًى، والتضحية وعدًا. لكن ما إن تولد الدولة من رحم الثورة، حتى تتحوّل الأيديولوجيا من شرطٍ للانبعاث إلى قيدٍ على الاستمرار. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات، والقوانين المرنة، والتنازلات العقلانية؛ لا تقوم على النقاء، بل على التوازن؛ ولا تُدار بالحقيقة المطلقة، بل بالممكن الأقل كلفة.
ومن هنا، فإنّ كل دولة تُصرّ على أن تكون أيديولوجية تمشي عكس طبيعتها: إمّا أن تتخلّى عن أيديولوجيتها سرًّا وتُبقيها خطابًا، أو تصطدم بالواقع فتنكسر، أو تتحوّل إلى سلطةٍ شمولية تُضاعف القمع لحماية الوهم. تفشل الأنظمة المؤدلجة لأنها تحاول إخضاع الواقع للنص، لا إخضاع النص للواقع؛ فتُقدّس الفكرة أكثر من الإنسان، وتحيل الفشل إلى خيانة، والنقد إلى ارتداد، والاختلاف إلى تهديدٍ وجودي.
فالسلطة تبحث عن البقاء، بينما تبحث الأيديولوجيا عن النقاء. ومن لا يُكيّف ويتكيّف ويتحرّك وفق الممكن، لا يحكم. وهكذا تصبح الدولة مقبرة الأيديولوجيات، لا لأنها تقتلها، بل لأنها تُجبرها على الانتحار أو التخلّي عن ذاتها)).
ومن حيث انتهى العادلي، يمكن القول إنّ الأسرة التي انقسمت يومًا ما أيديولوجيًا قد خلعت هذا الثوب في زمنٍ كان فيه الدفاع عن المبادئ يمتطي حصان الأيديولوجيا بلا توقّف…..ولا أدري لماذا استدعيتُ في هذا السياق من فوري صورة الثائر تشي جيفارا ، يوم غادر منصب محافظ البنك المركزي الكوبي ليعود إلى عالم النقاء الأيديولوجي، وينتهي قتيلًا في صراعٍ غرائبي أشعلته وشاية راعي أغنام في ادغال بوليفيا.
فحين انطفأت نقطة الاشتعال الأيديولوجي لدى الثائر الأممي، كانت كوبا غارقة في مشكلات إدارة الدولة وتنظيم المجتمع: من سائق الحافلة، إلى الحلاق الحكومي، وصولًا إلى أزمة الصواريخ.
هناك، وُضع الحماس الثوري في مهبّ الريح، وغلبت براغماتيات العيش اليومي على خطابات الثورة، وصارت الجماهير الباحثة عن رغيف الخبز تطوي كتب الأيديولوجيا لتضعها "مجازًا" في أفران الإنتاج. هكذا يكتب التاريخ نفسه دائمًا: صراعٌ بين أيديولوجيات صلبة تصلح لسراديب النضال السري، لكنها تتعثّر عند امتحان إدارة السلطة والمصالح العامة المتعارضة.
مساران لا يلتقيان إلا على نغمةٍ احتفالية، تُعزف في المناسبات الكبرى، استدعاءً لحنينٍ جميلٍ لماضٍ لم يعد صالحًا للحكم، لكنه يظلّ صالحًا للذاكرة. وأجمل تلك الذكريات اليوم، هي التي حوّلت براغماتيات الحياة إلى انتماءٍ رياضيّ: تعبٍ لأندية، وشغفٍ بكرة القدم، وانقسامٍ أسريٍّ جديد، لا على أساس الأيديولوجيا، بل على أساس القميص والنتيجة.
هكذا غادرت الأسرة عصر التعصّب الفكري، ودخلت عصر الكرات والأندية، وكأنّ كرة القدم "على طريقتها" سجّلت أهداف «نهاية التاريخ» كما تخيّلها فوكوياما: صراع أنديةٍ لا صراع أيديولوجيات.
وأخيراً، يُظهر هذا الانتقال من الانقسام الأيديولوجي العمودي إلى التنافس الرياضي الأفقي، تحوّلًا بنيويًا في أنماط السلطة والهيمنة والتمييز السياسي داخل المجتمع. فمن منظور ميشيل فوكو، لا تختفي السلطة حين تتراجع الأيديولوجيا الصلبة، بل يُعاد تشكيلها ضمن شبكات ناعمة من الانضباط والتمثيل الرمزي، حيث تنتقل من مركز القرار السيادي إلى فضاءات الحياة اليومية. وفي هذا السياق، تؤدّي الرياضة دور جهازٍ انضباطيٍّ غير قسري، يُعيد إنتاج الانتماء والامتثال عبر الطقس والمتعة، لا عبر القمع أو الإكراه.
أما وفق قراءة أنطونيو غرامشي، فإن هذا التحوّل يعكس انتقال الهيمنة من المجال السياسي المباشر إلى المجتمع المدني، حيث تُدار «الموافقة» عبر أشكال ثقافية شعبية، لا عبر الأيديولوجيا الثورية أو الخطاب الطبقي.
فالرياضة هنا ليست حيادية بل تمثّل إحدى آليات الهيمنة الثقافية التي تُعيد توجيه الطاقة الاحتجاجية نحو منافسات رمزية لا تهدّد البنية القائمة وتُنتج إجماعًا اجتماعيًا قائمًا على القبول أكثر من الاقتناع.
وفي المقابل، يمكن قراءة هذا التحوّل على ضوء أطروحة فيلسوف المانيا كارل شميت حول التمييز بين الصديق والعدو، إذ يُعاد إنتاج هذا التمييز في المجال الرياضي بصورةٍ مُفرَّغة من مضمونه الوجودي ، حيث يتحوّل «العدو» إلى منافسٍ مؤقّت، ويُحاط الصراع بقواعد تمنع انزلاقه إلى حربٍ سياسية.
وبهذا، يُحتوى المنطق الشميتي داخل إطارٍ ترفيهي يحافظ على شحنة الانقسام دون أن يسمح لها بتقويض النظام.
وختاماً، لا يمثّل هذا التحوّل نهاية الصراع، بل إعادة عقلنته اجتماعيًا. فالدولة بوصفها جهازًا لإدارة التناقضات، تُفرغ الأيديولوجيا من قدرتها السيادية، وتدفعها إلى الانكماش داخل الحقول الرمزية والثقافية، وفي هذا الإطار يغدو انقسام الأسرة حول نادٍ رياضي تجلّيًا مصغّرًا لتحوّلٍ تاريخي أوسع، يُعاد فيه توزيع الولاء من منطق العداء الوجودي إلى منطق المنافسة المنضبطة، ومن خطاب الحقيقة إلى اقتصاد المتعة والقبول.



اضف تعليق