كشف تقرير تتبع أنشطة حرق الغاز في العالم لعام 2022، والذي صدر في بداية ايار الجاري، وهو مؤشر عالمي رئيسي مستقل لعمليات حرق الغاز-أن جهود تخفيض الكميات المطلقة من عمليات حرق الغاز وكذلك كثافته تعثرت خلال السنوات العشر الماضية على الرغم من التقدم القوي الذي تحقق في مرحلة مبكرة. ولم تُعوِّض التخفيضات الكبيرة التي تحققت في بعض البلدان عن الزيادات المثيرة للقلق في بلدان أخرى.

يحتل العراق المرتبة الثانية بعد روسيا في قائمة الدول العشرة الاولى المسؤولة عن احراق الغاز في العالم والمسؤولة عن حرق عن 75% من جميع عمليات حرق الغاز و50% من الإنتاج العالمي للنفط في 2021، فيما تضمنت الدول الاخرى (إيران، والولايات المتحدة، وفنزويلا، والجزائر، ونيجيريا، والمكسيك وليبيا، والصين). واكد البنك الدولي إن كمية الغاز المحترق في العراق وصلت سنويا إلى 17.37 مليون متر مكعب عام 2020.

أكد التقرير، انه في عام 2021، تم حرق 144 مليار متر مكعب من الغاز بلا داعٍ في مواقع إنتاج النفط والغاز في أنحاء المعمورة، مما أدَّى إلى إطلاق نحو 400 مليون طن من انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون، منها 361 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، و39 مليون طن في شكل غاز الميثان. ويعتبر حرق الغاز الزائد أو حرقه أثناء استخراج النفط من الممارسات الملوثة للغاية ولكنه أقل تكلفة بكثير من معالجته للبيع.

أطلق العراق مشروعا جديدا يهدف إلى استعادة الغاز الذي يشتعل عادة أثناء استخراج النفط في حقلين نفطيين في جنوب البلاد. سيتيح المشروع الجديد، الذي تم توقيعه في عام 2017 مع شركة الخدمات النفطية Baker Hughes، في نهاية المطاف إمكانية الاستيلاء على 200 مليون قدم مكعب (حوالي 5.6 مليون متر مكعب) من الغاز يوميًا يتم حرقها عادة في حقلي الناصرية والغراف النفطيين، وفقًا لوزارة النفط. وفي ذات الوقت، كشفت الوزارة ان تنفيذ المشروع واستغلال الغاز سيتعين انتظار 30 شهرا لاستكمال أعمال البنية التحتية.

في بداية أيلول 2020، وقعت شركة توتال إنرجي الفرنسية العملاقة عقدًا للاستثمار في إنتاج النفط والغاز والطاقة الشمسية في العراق. وقال المسؤولون إن الشركة الفرنسية الكبرى تخطط مبدئيًا لاستثمار 10 مليارات دولار في البنية التحتية، والتي ستسمح عائداتها بعد ذلك بجولة ثانية من الاستثمارات بقيمة 17 مليار دولار. وسيشهد أحد المشاريع بناء مجمع لاستغلال الإنتاج من حقول الغاز في القطاع. وبدلاً من حرق الفائض أو حرقه، فإن الخطة هي استعادته لاستخدامه في توليد الكهرباء.

على مدى العقد الماضي، ازداد معدل حرق الغاز في العراق بشكل مطرد ارتفعت الأحجام من 13 مليار متر مكعب في عام 2012 إلى ما يقرب من 18 مليار متر مكعب في عام 2021، تمثل حوالي 12 في المائة من إجمالي الاحتراق العالمي. في نفس الوقت يستورد العراق الغاز الطبيعي حوالي 10 مليار متر مكعب في عام 2020.

السلطات التشريعية والتنفيذية في العراق بحاجة الى تعزيز جهودها في انهاء هذا الملف بنجاح والوصول الى الهدف الاستراتيجي وهو ايقاف حرق الغاز بحلول عام 2030، وفقا لمبادرة (ZRF Zero Routine Flaring)، وهي مبادرة أُطلقت عام 2015، وتُلزم الحكومات وشركات النفط بإنهاء الاحتراق الروتيني في موعد لا يتجاوز عام 2030. وتهدف المبادرة الى دعم التعاون بين جميع أصحاب المصلحة المعنيين بحيث يمكن إيجاد حلول لحرق الغاز من خلال التنظيم المناسب وتطبيق التقنيات والترتيبات المالية.

بسبب المؤشرات والبيانات اعلاه والتي توضح حجم الغاز الذي يتم حرقه في العراق، وانه ثاني دولة في العالم بعد روسيا الاتحادية، وطبيعة التوجه العالمي لحماية المناخ وتقليل انبعاثات الغازات، وطبيعة المبادرة الملزمة بالنسبة للدول، أصبح لزاما ايلاء الموضوع اهمية بالغة ضمن السياسات العامة للحكومة الحالية والمستقبلية اذا ما تم تشكيلها. وبإمكان الحكومة العراقية الافادة من الخبرات الاجنبية لهذه المسائلة، وان يتم تخصيص نسبة من التخصيصات الاستثمارية للقطاع النفطي، الذي يحصل سنويا على اعلى معدلات الانفاق الاستثماري في الموازنة العامة الاتحادية للدولة العراقية، الى الاستثمار في الغاز المصاحب لتحقيق نتائج اقتصادية وصحية وحتى تعزيز أمن الطاقة في العراق وتحريره من هيمنة ارادات خارجية. اما عدم الاكتراث فستكون له عواقب على الامن غير التقليدي في العراق، واخرى سياسية واقتصادية وغيرها.

* مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق