جوزيف ناي

 

لقد كان ينظر الى الولايات المتحدة على انها تعتمد بشكل متزايد على واردات الطاقة وهذا مع إرتفاع الأسعار كان يحد بشكل كبير من النفوذ الجيوسياسي الأمريكي وقد تحولت السلطة إلى المنتجين.

ولم يتجاهل محللو مجلس الإستخبارات الوطني الأمريكي إحتمال حدوث مفاجأة تكنولوجية ولكنهم ركزوا على التكنولوجيا الخاطئة فالتركيز على الإمكانات الواعدة لمصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية جعلهم لا يلتفتون الى العامل المتغير الرئيسي.

لقد كان الإختراق التكنولوجي الحقيقي هو ثورة الطاقة الصخرية وفي حين أن الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي ليس بالشيء الجديد فقد كان تطبيقهما الرائد على الصخر الزيتي جديداَ وبحلول عام 2015، جاء أكثر من نصف إجمالي الغاز الطبيعي المنتج في الولايات المتحدة من الصخر الزيتي.

لقد دفعت طفرة الصخر الزيتي الولايات المتحدة من كونها مستوردة للطاقة إلى مصدرة للطاقة وتقدر وزارة الطاقة الأمريكية أن البلاد لديها 25 تريليون متر مكعب من الغاز الصخري القابل للإسترداد من الناحية الفنية والذي عندما نضمه لموارد النفط والغاز الاخرى يمكن أن تستمر لمدة قرنين من الزمان وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة الآن أن تكون أمريكا الشمالية مكتفية ذاتياً في مجال الطاقة في عشرينيات القرن الحالي وقد تم تحويل المرافق التي تم بناؤها لتلقي واردات الغاز الطبيعي المسال إلى مرافق للتصدير.

لقد تغيرت الأسواق العالمية أيضا بشكل كبير حيث كانت أسواق الغاز في السابق مقيدة جغرافياً بسبب الإعتماد على خطوط الأنابيب قد أعطى ذلك قوة السوق إلى روسيا والتي استخدمتها لممارسة النفوذ السياسي والإقتصادي على جيرانها الأوروبيين وقد أضاف الغاز الطبيعي المسال الآن درجة من المرونة لأسواق الغاز وخفض النفوذ الروسي وفي عام 2005، إستورد 15 بلداً فقط الغاز الطبيعي المسال أما اليوم، فقد زاد هذا الرقم بمقدار ثلاثة اضعاف.

وعلاوة على ذلك، فإن الحجم الأصغر للآبار الصخرية يجعلها أكثر إستجابة للتقلبات في أسعار السوق. إن من الصعب تشغيل وإيقاف الإستثمارات المتعددة السنوات التي تبلغ مليارات الدولارات في حقول النفط والغاز التقليدية؛ ولكن الآبار الصخرية هي أصغر وأرخص وأسهل للبدء والتوقف مع تغير الأسعار مما یعني أن الولايات المتحدة قد أصبحت ما یسمی المنتج صاحب الصوت الحاسم أي القادر على موازنة العرض والطلب في أسواق الهيدروكربون العالمیة.

وكما أشارت ميغان أوسوليفان من جامعة هارفارد في كتابها الجديد المتميز "ويندفال"، بأن ثورة الصخر الزيتي لها العديد من الآثار على السياسة الخارجية الأمريكية وتقول إن وفرة الطاقة الجديدة تزيد من قوة الولايات المتحدة وأن إنتاج الطاقة الصخرية يعزز الإقتصاد ويخلق المزيد من فرص العمل كما يساعد خفض الواردات ميزان المدفوعات وتخفف الإيرادات الضريبية الجديدة من الأعباء على الميزانيات الحكومية حيث أن الطاقة الأرخص تعزز القدرة التنافسية الدولية وخاصة للصناعات التي تعتمد على الطاقة بشكل مكثف مثل البتروكيماويات والألمينيوم والصلب وغيرها.

وهناك أيضا تأثيرات سياسية محلية ومنها ما هو نفسي فالعديد من الناس في الولايات المتحدة وخارجها في وقت من الأوقات كانوا يؤمنون بخرافة الإنحدار الأمريكي وكثيراً ما كان يشار إلى زيادة الإعتماد على واردات الطاقة كدليل على ذلك الإنحدار. لقد غيرت الثورة الصخرية ذلك وأظهرت أن وجود مزيج من ريادة الأعمال وحقوق الملكية واسواق رؤوس الأموال يشكل القوة الكامنة للبلاد وبهذا المعنى فإن الثورة الصخرية قد عززت كذلك من القوة الناعمة لأمريكا.

يقول المتشككون بأن إنخفاض الإعتماد على واردات الطاقة سوف يتسبب في إنقطاع الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط ولكن هذا الطرح يعكس سوء فهم لإقتصادات الطاقة فمن شأن حصول إضطرابات كبيرة مثل حرب أو هجوم ارهابي أن تؤدي الى توقف تدفق النفط والغاز عبر مضيق هرمز مما قد يدفع بالأسعار إلى مستويات مرتفعة جداً في أمريكا وبين حلفائنا في أوروبا واليابان وبالإضافة الى ذلك إن الولايات المتحدة لديها مصالح كثيرة غير النفط في المنطقة بما في ذلك حظر إنتشار الأسلحة النووية وحماية إسرائيل وحقوق الانسان ومكافحة الإرهاب.

قد تكون الولايات المتحدة حذرة من توسيع نشاطها بشكل يزيد عن الحد في الشرق الأوسط ولكن هذا يعكس تجربتها مع الغزو المكلف للعراق والإضطرابات العامة لثورات الربيع العربي بدلاً من أية أوهام بان الصخر الزيتي يؤدي الى استقلال سياسي للطاقة. أن قدرة أميركا على إستخدام العقوبات النفطية لإجبار إيران على التفاوض لإنهاء برنامجها للأسلحة النووية لم تعتمد فقط على إستعداد السعودية لتعويض صادرات إيران التي تصل لمليون برميل يومياً بل أيضا على التوقعات العامة الناتجة عن ثورة الصخر الزيتي.

وتشمل الفوائد الأخرى من الطاقة الصخرية للسياسة الخارجية الأمريكية تناقص قدرة بلدان مثل فنزويلا على إستخدام النفط لشراء أصوات الدول الكاريبية الصغيرة في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية وإنخفاض قدرة روسيا على إبتزاز جيرانها عن طريق التهديد بقطع إمدادات الغاز وبإختصار، كان هناك تحول كبير جدا في الجغرافيا السياسية للطاقة.

على الرغم من أنه لا يمكن لأحد أن يعرف مستقبل أسعار الطاقة فقد تستمر الأسعار العالمية المتواضعة لبعض الوقت ويمكن بالطبع لكل من التكنولوجيا والسياسة ان تغير ذلك التوقع فالتقدم التكنولوجي يمكن أن يزيد العرض ويقلل الأسعار، أما السياسة فهي أكثر عرضة لتعطيل العرض والتسبب في إرتفاع الأسعار ولكن من غير المرجح أن تكون الإضطرابات كبيرة أو طويلة الأمد في أعقاب الثورة الصخرية وهوما يجعلها ثورة جيوسياسية أيضا.

* جوزيف ناي، سكرتير مساعد وزير الدفاع السابق، وأستاذ في جامعة هارفارد، مؤلف كتاب القوة الناعمة وكتاب مستقبل القوة وكتاب هل انتهى القرن الأمريكي
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0