من أكثر الأمور حساسية في العملية التربوية هو المناهج الدراسية، او ما يمكن ان نسميه المائدة المعرفية، فمن خلالها يمكن ان تحول جيل بأكمله الى جيل يحمل أفكار وأيدولوجيات غير منطقية او اعتيادية وبالتالي تكون قد حكمت على النشئ الجديد بالضياع والتبعية الى مجموعة فكرية دون قصد.

ومن يتتبع المناهج الموضوعة من اللجان الخاصة في وزارة التربية يجدها تحمل نفس سياسي بحت، تبتعد في أحيان كثيرة عن الحالة النفسية للطالب، وغير مقيمة في الوقت نفسه للحالة السياسية والاجتماعية التي مر ويمر بها البلد، من تدهور في الوضع الأمني وتراجع في المكانة الاقتصادية للأفراد وفقدان فرص العمل وغيرها من الإشكاليات التي تواجه المجتمع وانعكست على قطاع التعليم بصورة عامة.

ومن الإخفاقات التي وقعت بها اللجان الخاصة بوضع المناهج، هي ان المنهج الحالي لا يعزز اهتمام الطالب بالعملية التربوية واكتساب المهارات العلمية، بل يركز على الحفظ والذاكرة والموضوعات النظرية، بعيدا عن العمق العلمي الذي يصنع من التلاميذ والطلبة رجال علم ومشروعات لباحثين واعدين.

ولم تتوقف معاناة الطلبة عند حد الجلوس على مقاعد خشبية متراصين الى جانب بعضهم البعض، وكأنهم مذعورين من خطر يداهمهم، حتى السقوف، لا ترحمهم وتشجب الامطار عنهم، الى جانب ذلك توجد معضلة كبيرة، الا وهي معضلة تغيير المناهج الدراسية بالتزامن مع استأزار الوزارة من قبل شخصية تنتمي الى الحزب سين او الكتلة صاد.

كل هذه المشكلات والمعرقلات تزرع في نفوس الأطفال الكراهية الدائمة للمدرسة وتجعلهم يحاولون التملص منها في أقرب فرصة يظفرون بها، ومع ذلك فان رحلة التعديلات المنهجية متواصلة على قدم وساق، وقد اتضحت بشكل جلي بعد تغيير النظام السابق الذي جعل المناهج تمجد نظامه وتبرز شخصية الزعيم على انه القائد الأوحد للمنطقة العربية.

بعد سنوات التغيير اتبعت وزارة التربية منهجية بعيدة بصورة كبيرة عن السياقات المعمول بها في الدول التي مرت بظروف استثنائية مثل العراق، فلم تعمد الى تغيير سريع للمناهج الدراسية واعتمدت على سياسية الجرع البسيطة والمتباعدة الى حد ما، منعا لحدوث ارتابك في العملية التربوية، وبالتالي تعود الطلبة على التغيير بشكل تدريجي وانسيابية بمرور الوقت.

اما في العراق لم تؤخذ هذه المسألة بالحسبان، وكان التغيير اشبه بالدفعة الواحدة او على هيئة دفعات متلاحقة، قبل اخضاع هذه التغييرات الى الاختبارات القبلية التي تسبق عملية التغيير النهائية، وبذلك برزت العديد من الاخطاء وعدم استيعاب للمناهج الموضوعة على عجالة من قبل الوزارة.

ونتيجة للسرعة التي تكلمنا عنها وفقدان التخطيط والتنسيق الكاملين من الجهات المختصة، شاهدنا حصول تغييرات في سنوات متتالية، وبهذه الحالة خلقت الوزارة نوع من الفوضى في ترسيخ المناهج الدراسية، ووسط هذا التلكؤ، تقترح لجنة المناهج تعديل آخر اما إضافة او حذف ما يعني استمرار المشاكل وتعقيدها بما يزيد الضغط على كاهل الطلبة من الناحية العلمية.

ما الحل؟

الحل يأتي عن طريق التريث قليلا عن التغيرات الحاصلة في السنوات الأخيرة والتي أتخمت الكتب المنهجية بالمواد المتسمة بنوع من الصعوبة، وقد لا تناسب المرحلة العمرية، ففي بعض المواد تم ادخال موضوعات يصعب على مدرس المادة فهمها، فكيف لهذا النوع من التربويين ان يعطي المادة العلمية حقها ويبسطها بالشكل المطلوب؟

ومن بين الحلول الناجعة لمنع المشكلة المنهجية من التفاقم، هو تعزيز الارتباط وترصين التكامل بين المراحل الدراسية كافة، أي ان تكون كل مرحلة مكملة للأخرى وصولا الى المرحلة الجامعية، وهنا يتطلب استمرار السعي والعمل على تحقيق هذه الغاية لعدم الاصطدام في مواد ومناهج جديدة عند العبور الى مرحلة أخرى.

ويأتي ضمن قائمة الحلول النافعة هو توفير مختبرات علمية لإجراء التجارب المختبرية، وجلب المواد والعناصر التوضيحية وعدم الاكتفاء بالمناهج الصامتة او الجامدة التي لا تقدم لطالب العلم بمراحله الأولية المعلومة الكافية وتؤهله لخوض واجتياز الاختبارات الفصلية.

تراكم عدم الاهتمام بتطوير المناهج الدراسية وترصينها، يعني ذلك اننا سنواجه في السنوات القادمة اجيالا مثقلا بالمشكلات العلمية والعملية والفكرية، لا يمكنهم مواكبة التطورات والقفزات المعرفية، ذلك انهم أنشوا على أساس هش لا يقوى على حمل وتأدية الدور الهادف في المستقبل القريب...

اضف تعليق