بضغطة زر بسيطة على إحدى المتصفحات ستعرف حجم أصحاب الشهادات العليا الذين تجاوز عددهم الخمسين ألف حامل شهادة منذ تغيير النظام في العراق ولغاية اليوم، اذ يشير العدد المذكور الى رواج سوق الشهادات واختفاء واضح للنتائج الإيجابية من هذا الكم الكبير من البحوث والباحثين المتخرجين في السنوات الاخيرة.

على سبيل المقارنة بين واقع الشهادات العليا في السنوات التي سبقت العقد الأخير، وبين التي مُنحت بعد ذلك، لوجدنا الفرق شاسعا ولا يمكن ان نجري نوع من التقارب بين الاثنين، ففي السابق كان الطالب الذي يكلف بإعداد بحث علمي يجوب جميع المكتبات العامة والخاصة علّه يعثر على مصدر او مصدرين يخدمان بحثه ويدعمان مضمونه.

ولا تنتهي هذه الرحلات اليومية للبحث بين ثنايا الكتب لإخراج ما يُغني البحث العلمي ويقوي حجته امام لجنة المناقشة المكلفة بتقويم البحث وتعين الخطأ، والثناء على الصواب فيه، وبالتالي يخرج لنا بحث متكامل الى حد ما من ناحية الشكل والمضمون، ويعود هذا التكامل الى الضغط الكبير الذي يمارس على الطالب الباحث من اجل تمكينه من ادواته البحثية.

انتاج البحث بالطريقة القديمة او ما تسمى بالكلاسيكية هي الأسلوب الأمثل لتخريج باحث علمي قادر على توظيف العلم لخدمة مجاله بصورة عامة، ولا يخرج عن السياق العلمي العام القائم على الرصانة البحثية والدقة في نقل المعلومة، وفي اغلب الأحيان يصل البحث الى نتائج علمية رصينة في حال تطبيقها على ارض الواقع ستغير كثيرا من الأوضاع المعوجة.

قبل ظهور جائحة كورونا لم تستهوي اغلب الشباب العراقي فكرة الحصول على الشهادة العليا، لكن وبفعل التسهيلات التي قدمت من قبل الجامعات الدولية الى جانب المحلية، ازداد طمع الشباب بالحصول على الدرجة العليا؛ ما دام لا يتطلب ذلك الحضور الفعلي الى الجامعة وتلقي المحاضرات بصورة مباشرة من الأستاذ، بحكم انتشار الوباء والاعتماد على التطبيقات الالكترونية.

وانتهت اغلب الاشهر الأولى عقب ظهور الفيروس بصورة التعليم الالكتروني، واُكملت الفصول الدراسية دون الحضور كليا والنتيجة المترتبة هي عدم معرفة وإطلاع الباحث على اساسيات البحث العلمي التي تجعله باحثا مميزا قادر على لقط المعلومة بعناية والتوصل الى نهاية مُرضية تتوافق مع المنطق والهدف الأساس من اجراء البحث العلمي.

بعد انتهاء السنة الأولى بحلوها ومرها، انتقل الباحث الى مرحلة كتابة البحث والذي يتطلب ربما جهدا فريدا لإتمامه بالفترة المقررة، واختصارا لهذه العملية الشاقة يلجأ الطالب الى التشبث والبحث عن مكتب من مكاتب إعداد البحوث العلمية، ليغطي على عجزه البحثي، الذي يمنعه من الدخول الى عالم الكتابة الرحب والجميل بما يضيفه الى شخصية الباحث من تراكم معرفي وثقافي كبيرين.

لم يحتاج مزيدا من الوقت ليتم العثور على ضالته في احدى المكاتب او عن طريق ارشاده من قبل صديق خاض نفس التجربة البحثية وانتهى بالاعتماد على باحث آخر متمكن من ادواته ومتمرس في إعداد الرسائل والاطاريح العلمية لقاء مبلغ من المال، وكأن العملية تتم وفق معايير السوق الذي يحكمه العرض والطلب والربح والخسارة بصرف النظر عن المادة العلمية التي يحملها البحث المترهل بالأساس.

وفي فترة وجيزة يتم الانتهاء من الكتابة البحثية ويتم ايضا الاتصال بالباحث الذي لا يعرف من اين جُمعت المادة العلمية، وكيف انتظمت بهذه الصورة لتخرج الى النور، وكالعادة يدفع المبلغ المتبقي بذمته، بينما الفرحة عارمة بداخله، ليس لأنه انتهى من المهمة العصيبة، بل لأنه اقترب كثيرا من حصوله على الوجاهة الاجتماعية التي يحلم بها وتُحقق له هذه الأمنية درجة الماجستير.

يحاول الطالب الذي حمل الرسالة على جنبه مبتسما ان يفهم ما موجود بداخلها من مادة علمية وضعها له غيره، وأمره بالاطلاع عليها ليتمكن من الإجابة على بعض الأسئلة المتوقعة من قبل اللجنة، وقد يضطر الى تفريغ نفسه ساعات او أيام لقراءتها قراءة سطحية لعلها ترفده بالإجابات التي من المؤكد غير وافية وليس شافيه؛ لأنه ببساطة لم يبذل اقصى درجات الجهد لإنجاز العمل العلمي.

كتابة الرسائل للطلبة الراغبين بالحصول على درجة علمية ربما ليس الهدف منها التنمية الفكرية، بل قد يكون الغرض هو الأثر المالي المترتب عليها، وبالتالي أصبحت هذه العملية ظاهرة يتبعها كل من يريد الشهادة للغرض المذكور، وبالطبع يخرج لنا اشبه بالباحث قصير اللسان لا يقوى على إجابة ابسط الأسئلة العلمية ضمن اختصاصه، وفي المحصلة النهائية أصبح ضمن الحاملين للشهادة العليا.

عامان او أكثر يحصل العديد من الطلبة على شهادة الماجستير او الدكتوراه بطرق ملتوية، وكأنهم ربحوا جائزة نوبل للسلام، بينما الواقع يقول غير ذلك، فالحصول بهذه الطريقة يعني عدم احترام العلم ولا يمكن لمن ترقى بهذا الاسلوب ان ينفع بعلمه الشحيح في المجالات التي يعمل بها، ففاقد الشيء لا يعطيه وبالتأكيد صاحب الشهادة أي كان منصبه فهو قاصر لا ينتج ابسط أنواع المعرفة.

اضف تعليق