إذا كان الوطن الذي انهيت فيه دراستك وتقيم على ارضه لا يحترم الشهادة ولا يؤمن بمبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع وإعطاء كل ذي حق حقه، فلا يبقى أي قيمة للتحصيل الدراسي ولا يمكن ان نعتبر الشهادة الجامعية سوى ورقة كغيرها من الأوراق التي لا تحمل خصوصية.

الأوضاع المزرية التي يمر بها الشعب العراقي وبالخصوص شريحة الشباب بمختلف فئاتهم العمرية، جعلتهم يشعرون وكأنهم حلقة زائدة في المجتمع يمكن الاستغناء عنها بأي وقت، فالعراق من بين البلدان قليلة التي لا تعطي للشهادة والشخص المتعلم المكانة التي يستحقها، وبالنتيجة عاش الخريج على الهامش، لا يطمح بأي شيء وليس لديه الرغبة بالوصول الى هدف من الاهداف التي رسمها في بداية مشوراه العلمي.

نخبة واسعة من شباب الجيل الجديد صارع الظروف لأنهاء المرحلة الجامعية، ولعل الكثير من القصص المأساوية شاهدة على ما عاناه الطالب العراقي أيام الدراسة الاكاديمية، فقط اضطر البعض منهم الى بيع بعض الأغراض المنزلية لإتمام مسيرته الدراسية؛ على امل ان يعوض ذلك بعد الحصول على وظيفة مرموقة تضمن له ولأسرته حياة كريمة.

فالحالم بمثل هذه الوظيفة اصطدم بعد التخرج بمحدودية فرص العمل وفق اختصاصه وبدأت في داخله تراوده الأفكار السوداوية حول المصير الذي ينتظره والحياة الجديدة المقبل عليها، في ظل فقدان الوظائف الشاغرة وشحة الاعمال الحرة التي لا تنسجم مع امكانياته العملية والعلمية، وبالنتيجة يفضل البقاء في المنزل او الانخراط بمهنة لا تناسبه من جميع النواحي.

العراق من الدول التي لا توفر للخريج فرص النجاح بقدر ما تعطيه كم هائل من اليأس والاستسلام للظروف المحيطة فيه، فكيف لمتخرج ان يذهب يوميا وهو حامل لشهادة ربما تكون عليا لعمل ويتقاضى اجر لا يسد قوت يومه او تكاليف أجرته، على امل الوصول الى مرحلة التثبيت على الملاك الحكومي الدائم، ويبقى يصارع الفقر والحيرة بينما قطار الحاجات الضرورية تزداد حمولته شهر بعد آخر.

لقد القت الظروف الاستثنائية التي عاشها العراق بظلالها على جميع شرائح المجتمع، لكن الأكثر تضررا منها هو الخريج الذي تحمل اوزار الحياة الجامعية بما فيها من قهر وضيم وصعوبة في توفير الجوانب المالية، اعتقادا منه بأن الشهادة ستأخذه الى عالم فسيح مليء بالخيرات، عالم يعطي لشهادته المكانة الجليلة التي تساعده على توفير الالتزامات الشخصية او العائلية فيما بعد.

بعد توقف المصانع المحلية عن العمل والتدفق الهائل بأعداد الخريجين حتى بلغ رقما مخيفا، تضاعفت المأساة لهؤلاء الشباب الباحثين عن فرص للعمل في القطاعين الخاص والعام دون العثور على من يرحب بهم ويعطيهم الفرصة المناسبة لمزاولة اختصاصاتهم، فهم يصطدمون بصخرة البطالة المزمنة التي ضربت البلد وحولت اغلب ابناءه الى قوة عاطلة او معطلة غير منتجة.

وقد يقع على الطالب نفسه قسطا يسيرا من المسؤولية إزاء ما يمر به من ظرف قاهر، فقد يكون هو من أهمل نفسه ولم يليها المزيد من الاهتمام لبناء شخصية متكاملة من الناحية الفنية والعلمية، والشروع نحو الاعمال الحرة في الاختصاص لبناء عمل قادر على ان يدر أرباح طائلة تعفيه من مشقة البحث عن فرصة عمل اخرى في القطاع الحكومي الذي يعاني من التخمة بالدرجة الأساس.

وهذا الطرح او التصور لا يعني ان البيئة الجامعية العراقية غير منهارة وتحتوي على المستلزمات التي تقدم الدعم الكافي للطالب لتحقيق التفوق والنجاح الكبير، اذ يجد اغلب الطلبة أنفسهم محشورين بقاعة لا تصلح للجلوس أصلا وتفتقر لأبسط المقومات الضرورية للمرحلة الدراسية، وهنا تصبح مهمة الأستاذ شبه مستحيلة لمتابعة الطلاب والاجابة على استفساراتهم اثناء تلقيهم المادة العلمية.

في ظروف مثل هذه يصعب التخلص من الآثار السلبية التي حاصرت البيئة العلمية وجعلتها خالية المضمون، فلوا أردنا النهوض بالأمر قد نحتاج الى سنين طوال، فلا يمكن تحقيق تقدم علمي قادر على خلق بيئة عمل جديدة قائمة على ابتكار طرق حديثة وعصرية للاستفادة من الطاقات البشرية المتخرجة، لكيلا تتحول الى مجرد ارقام وتسلسلات لا طائل منها.

من التداعيات الخطيرة على الشهادة الجامعية في الوقت الحالي هو افراغها من محتواها وجعلها مجرد وثيقة تندرج الى جانب الوثائق الفردية الواجب جلبها عند المراجعة لأحدى الدوائر الحكومية، ويفرز لنا هذا الحال فقدان عنصر التنمية والتطور الذي ينشده المجتمع، بل تدفع هذه التراكمات الى صعوبة إيجاد الحلول للخروج من الوضع الراهن على المدى القريب، لا سيما في ظل الضعف الحاد لدى المخرجات الجامعية وعدم قدرتها على تأدية وظيفتها بالشكل المطلوب.

اضف تعليق