العالم في سباق للوصول إلى أكبر قدر من المعرفة الدقيقة المستمدة من العلوم التي تكفل الرفاهية للإنسان، وتضمن له التفوق على غيره، واذا كانت الدول المتقدمة تولي اهتماما كبيرا للبحث العلمي فذلك يرجع إلى أنها أدركت أن عظمة الأمم تكمن في قدرات أبنائها العلمية والفكرية...

نلاحظ اليوم مدى حاجة المجتمع العربي إلى الدراسات والبحوث العلمية التي تؤدي إلى معالجة كافة التحديات والمشكلات التي تعصف بالأفراد والمؤسسات على حد سواء، بل وعدم الاكتفاء بذلك، بل ومواكبة التطورات العالمية وصولاً للريادة والمنافسة وتخطى كل الأزمات التي تعيق مسيرة النهضة الشاملة، فالعالم في سباق للوصول إلى أكبر قدر من المعرفة الدقيقة المستمدة من العلوم التي تكفل الرفاهية للإنسان، وتضمن له التفوق على غيره، واذا كانت الدول المتقدمة تولي اهتماما كبيرا للبحث العلمي فذلك يرجع إلى أنها أدركت أن عظمة الأمم تكمن في قدرات أبنائها العلمية والفكرية، والبحث العلمي ميدان خصب ودعامة أساسية لتطورها وبالتالي تحقيق رفاهية شعوبها.

واليوم جامعاتنا العربية تدرس مساقات مناهج البحث العلمي في جميع التخصصات العلمية والتقنية، وتخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتهدف من خلال هذه المنهجية إلى ترسيخ ثقافة البحث العلمي وجعل الطالب منهجياً في تفكيره وبحوثه متخلصاً من الجمود الفكري ومتوجهاً نحو الإبداع والتجديد والنقد والتحليل المنهجي السليم.

وعند تناولنا مصطلح البحث العلمي فإننا نقصد الطريقة التي يتبعها الباحث في دراسة المشكلة لاكتشاف الحقيقة، أي تلك الخطوات المنظمة المتبعة من قبل الباحثين في معالجة الموضوعات قيد الدراسة وفق عملية منظمة تهدف إلى التوصل إلى حلول لمشكلات محددة، أو تؤدي إلى معرفة علمية جديدة، وتأتي في خضم هذه العملية مجموعة من المبادئ التوجيهية الهامة، والاستراتيجيات النافذة نحو المعالي، فيقع على عاتق الباحثين جهداً وعملاً متميزاً عبر عملية تفكير وتقصي ودراسة عميقة، فالباحث يتحسس المشكلة التي تصلح موضوعاً لبحثه، ويعايشها، ويبين حدودها، وأفضل المناهج للسير في تحليلها ومعالجتها.

والبحث العلمي وفق ذلك هو موهبة تمنح لبعض الناس ولا تمنح للآخرين، فالبحث العلمي أصالة وإبداع، وتلك قدرة خاصة تبرز أو تتألق لدى بعض الأفراد، وتتضاءل أو تنعدم عند آخرين، لذلك يتوجب على الباحثين الطامحين للمجد قبل كل شيء التقيد التام بالمبادئ الأساسية للموهبة والإبداع في مناهج البحث العلمي، وهنا أتناول مبادئ هامة للباحثين في مناهج البحث العلمي تخلق رؤية واضحة للباحثين بحيث تجعلهم على موهبة، وتتجلى في قدرتهم الاستقلال لفهم الحقائق ونقدها وتفسيرها، حتى يكونوا على المستوى المطلوب للمنهج العلمي الدقيق، وتتمثل هذه المبادىء في النقاط التالية:

المبدأ الأول: الإيمان التام بقيمة البحث العلمي

إن كل باحث طامح للمجد لا يمكن أن يصل لهدفه، ويتذوق طعم التميز والإبداع في مسالك البحث العلمي دون الإيمان التام بقيمة البحث العلمي، وتأثيره على الصعيد الشخصي، وعلى صعيد المجتمع من جانب آخر، وأن يكون مقتنعاً بضرورة المساهمة في تكوين المعرفة التي هي نتاج الفكر الإنساني، وكل باحث يبدأ من المعرفة التي توصل إليها غيره، ثم يزيد عليها، أو يعدلها، أو يطورها، وإذا كان إيمان المجتمع بدور البحث العلمي ضرورة أساسية، فإن هذا الإيمان لا بد أن يتوافر أيضاً للأفراد الذين يقومون بالبحث العلمي، لأن الإيمان بدور البحث العلمي وقيمته وقدرته على تطوير المجتمع من كافة النواحي، أمر لازم لنجاح البحوث العلمية.

المبدأ الثاني: الإرادة والمقدرة العلمية

إن الباحثين السالكين درب مناهج البحث العلمي، هم الأقدر على فهم ذواتهم، من خلال الإرادة الذاتية المتمثلة في الرغبة النفسية والمقدرة العلمية، فإن مبادئ العدالة والإنصاف تقتضي أن يحكم المرء على نفسه، فإذا تحقق من وجود كفاءة عقلية لديه تتمثل في القدرة على التأمل والتحليل والنقد والتفسير والمقارنة، فإن لديه قدرة علمية على البحث العلمي والالتحاق بركب الدراسات العلمية عبر بذل الجهد المناسب والوقت الكافي وتحقيق الأهداف المرجوة من هذه المسيرة العلمية الطويلة.

المبدأ الثالث: القصد إلى هدف محدد وأصالة تحقيقه

الباحث الجاد لا يبتدئ عمله إلا وقد حدد لنفسه هدفاً معيناً، قد يتمثل في رغبة الباحث في الوصول إلى نظرية علمية جديدة، أو تطبيق جديد لمعرفة قائمة بالفعل، كل ذلك حسب طبيعة الحقل العلمي الذي ينتمي إليه الباحث، ويلزم أن يكون الباحث أصيلاً في انتهاج أسلوب تحقيق هدفه، وكل باحث يجب أن يعتد بمقدرته على استقلالية التفكير، لا أن يكون الباحث مجرد ناقل لأفكار الآخرين، ومن سمات الأصالة أن يكون الباحث حاضراً في كل موضع من مواضع بحثه، فعليه أن يدلي برأيه في كل مسألة يتناولها، يناقش النظريات والآراء، ويحللها وينقدها، معبراً عن شخصيته، وسيطرته على مادة بحثه.

المبدأ الرابع: سعة المعرفة وفضيلة الصبر

يجب أن يتوفر لدى الباحثين الطامحين للمجد قدر كافٍ من الثقافة والمعرفة الواسعة، والإلمام بكل ما كتب من بحوث حول موضوع دراستهم، من خلال القراءة اللازمة للتعمق في فهم فروض المشكلة، والحرص على الاطلاع الواسع على الكتب والمراجع الأصلية، ولا سيما الحديثة منها، وعدم الاقتصار فقط على الكتب والمصادر التي تتصل مباشرةً بالمشكلة موضوع بحثه، إن طريق البحث العلمي شاق وطويل، لذلك يجب على الباحث التحلي بفضيلة الصبر والأناة، وتحمل المشاق في تحصيل المعارف والعلوم.

المبدأ الخامس: روح التواضع العلمي

إن التواضع من شيم العلماء العظماء، والباحثين الطامحين للمعالي هم الأقدر على التحلي بصفات العظماء، والباحث يجب أن يوجه نشاطه بتواضع دون إفراط في الثقة بالنفس، أو الزهو بقدراته ومهاراته، ومن آيات التواضع العلمي: البعد عن الغرور، وعدم تحقير أي رأي والسخرية منه، أو التنزيل من فكر صاحبه، ويتعين على الباحث الاعتراف بنسبية ما ينتهي إليه، وأنه على استعداد لأن ينزل عن رأيه أو يعدل عنه، إذا قدمت الأدلة والبراهين المخالفة.

* خبير في البحث العلمي والدراسات
[email protected]

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق