أعرف أن أزماتِ العراق متواصلةٌ ومتواليةٌ، وأنها لن تنتهي بقدوم حزب ثَوري أو رئيس وزراء مستقل أو وزير تكنوقراطي؛ لأن منظومة الحكم فاسدة ومتهالكة، ولأن دودة الأرضة قد نخرت جدران الحكم ومنظوماتِه الإداريةَ بالفساد والمحاصصة والتخلف، فما عاد الأمر يستقيم ما دام رأس السمكة مصاباً منذ سنين بالجيفة وامتدت إلى ذيلها، مثلما أعرف أيضاً أن العِباد قد أهلكتهم هذه الأزمات، ونخرت في بيوتهم ورزقهم ونفوسهم، فما عادوا إلا صورة شبيهة للوصف الذي رسما المفكرون والمثقفون في كتاباتهم: أحياء كأنهم أموات.

كان السياسيون المعارضون منذ سنوات يرفعون شعار المظلومية التاريخية، حتى أصبحت نشيداً وطنيّاً، وشمّاعة للاستهلاك السياسي والديني، ومدخلاً لكسب الجماهير، فلا تنجو هذه الكلمة من مزايدات الساسة في كل مناحي الحياة، واستُثمرت بطريقة سمِجة، وصارت ثقافة وشعاراً وأيديولوجية وبضاعة رائجة، حتى أصبحت المظلومية تشكو من التخمة والترهل والإسفاف.

فأين دعاة مظلومية الأمس من مظلومية اليوم في وطن حوّلوه إلى أنقاض، وأفقروا المواطن وأذلوه، وجعلوا منسوب المظلومية بمساحة الكرة الأرضية، فما عاد للمواطن اقتصادٌ يحميه من فقر الحال، ولا تعليم ينقذه من جاهلية الخرافة، ولا صحةٌ تنقذه من وباء المرض المزمن، ولا زراعة تخفف من جوعه اليومي، ولا صناعة تنجيه من سموم بضاعة الجيران، ولا كهرباءُ تنير له ظلمة الحياة وقسوتها. فما بقي لهذا الذي كان مظلوماً سابقاً إلا أن يدعو إلى عودة ظلم الأمس، ويترحم على من كان يظلمه!! ولأننا نتحدث اليوم عن المظلومية، وظلم الحاكم والمسؤول للعباد، فقد تفاجأتُ حقّاً بوصول العشرات من الرسائل الإلكترونية إلى بريدي، مِن الذين خذلتهم وزارة التربية بضوابط التعينات في تقييم شباب العراق للوظائف التدريسية، فقد شعرت حقّاً بأن هناك ظلماً قاسياً وقع على من كان يحلم بوظيفة تسدُّ رمقه أو رمق عائلته، أو يحلم بزواج وأولاد، أو يبحث عن مستقبل وحياة بسيطة مثل البشر! والسبب هو أن الوزارة منذ زمن بعيد ليست لها استراتيجية واضحة للتعليم، بل همُّها خلق الأزمات للطلبة باستمرار، وفوضى القرارات المتناقضة، فلكل وزير مزاج، وأجندة حزبية مرتبطة هنا وهناك، وقراراتٌ لا تأخذ بنظر الاعتبار الجوانب العلمية والإنسانية، إنما تقوم على مصالح فئوية ضيقة، أو لها ارتباطات بأجندات انتخابية وولاءات حزبية وقرابيه.

قبل أيام خرجت أسماء تعيين الخريجين لوظائف تدريسية في بعض المحافظات، واشتعلت معها التظاهرات ووسائل التواصل الاجتماعي بنقد الضوابط وعدم عدالتها، وعرضت وثائق عديدة تؤكد وجود فعل فاعل في انتقائية التعيين، ففي قوائم الموصل ظهرت ثلاثة أسماء من أسرة واحدة، تعود لأحد نواب مجلس المحافظة، وتناقضات في القبول والتخصص! وبغضّ النظر عن التخوين والاتهامات، فإن مراجعة ضوابط التعيينات تحتاج إلى رؤية وتبصُّرٍ أعمقَ، لأنه ليس من المعقول أن يتساوى قديم التخرّج مع الجديد، ولا بد من ضوابطَ تحميه من الأعداد الكبيرة للمتخرجين، دون المساس بالثوابت القانونية والتخصصية، وكان الأجدر كما هو معمول في بلدان الجوار، وفي ضوابط السبعينيات والثمانينيات البدءُ بالتعيينات حسب سنة التخرج، والاستعجال بإنشاء مجلس الخدمة المدنية، لأن الضوابط الحالية لا تستجيب للكثير من الحقائق العلمية، وفيها الكثير من الثغرات التنظيمية والإدارية.

لا أدّعي معرفتي بوزير التربية الحالي شخصيّاً، لكنني أعرفه كشخصية تعليمية وتربوية، صاحب خبرات تراكمية في مجال التعليم، وصاحب مهارات إدارية تعليمية رصينة، وساهم في تطوير المؤسسات التي عمل بها، لكنه يحتاج اليوم إلى ثورة تعليمية في وزارته، بعيداً عن التنظير، نحتاجه وزيراً ميدانيّاً ليكتشف حقائق الواقع، وليس أكاذيب من يساعده في مهنته، نريده أن يعيد البسمة لمن صارت له عشر سنواتٍ عاطلاً عن العمل، وبدأ الزمنُ يأخذ من رزقه وصحته الكثير، والذي ضحى من وقته وصحته ليعمل محاضراً بالمجّان، وأن يكون عادلاً في قراراته بحدسه العلمي الذي عايش فيه الواقع خلال سنين عمله التعليمي والتربوي مدرّساً وقائداً، ويشعر بما أصابه من ضيم وصعوبات وأحزان عندما كان يمنح الحياة للأجيال!

لا تنسَ معالي الوزير أن هناك الكثير ممن ينتظرون منك عدالة القانون والسماء، وأنت في آخر العمر ليدعوا لك بالصحة والنجاح والعمر المديد، فلا تقع في فخ بعض من سبقوك، وحولوا الوزارة إلى فساد لنهب الأموال، وفساد ظلم في القوانين، وتعذيب طلبتنا وأسرهم، فأمامك اليوم امتحان في فتح باب الرزق للناس، بدلا من إغلاقه، وعدالة في ضوابط التعيينات، وتفعيل قرار 315 عام 2019 لتحويل المحاضرين بالمجّان إلى عقود وزارية حسب الأقدمية، وفتح المجال لبعض أقسام كليات العلوم والآداب ليأخذوا فرصتهم في التعيين.

نذكرك أيضا من باب الحرص والتذكير، بأن الوزارة مقبلة على التعليم الإلكتروني للعام الدراسي القادم كتجربة من باب الاحتياط، وهي خطوة بالاتجاه الصحيح، لكن على الوزارة تهيئة البيئة الموضوعية لنجاحها، كتوفير البنية الاتصالية الرقمية القوية والمتطورة، وتوفير الاتصالات اللاسلكية، كخدمة الرسائل القصيرة وبروتوكول التطبيقات وخدمة البلوتوث ورسائل الوسائط المتعددة، مع توفير الهواتف النقالة في عملية التعليم والتعلم، وهذه كلها تحتاج أن تكون حاضرة مجانا داخل الأسرة العراقية التي تعاني أصلا من الفقر والعوز، بل كيف ستستقيم الأمور في أسرة فيها عدد من الأبناء، وكيف يكون حال الأسر اذا تركتهم الوزارة داخل عاصفة الحاجة والأحراج ،وتقول لهم كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ؟!

أيها الوزير لا تعتقد أنك صرت اليوم مؤتمناً على العلم والتعليم فقط، وإنما في رقبتك جيشٌ من الشباب الجميل ينتظر العلم الرصين وحلم التعيين وعدالة القرار… فقم للعدل تبجيلا!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14