تداولت وسائل التواصل الاجتماعي صعوبة الأسئلة في بعض المواد الدراسية في الامتحانات الوزارية في العراق ومنها مادة اللغة العربية لطلبة الثانوية. يبدو الحديث هنا عن جزئية بسيطة في إطار ازمة التربية والتعليم في العراق عموما والتي تجسدها غياب فلسفة تربوية وما يتبعها من غياب لأهداف التربية والتعليم على مستوى المراحل الدراسية وكذلك على مستوى الأهداف الخاصة للمواد الدراسية. فالصعوبة في صياغة اسئلة المواد لا يعني ابدا ان العملية التربوية والتعليمية بخير وتتمتع بكفاءة عالية وتنعكس بدورها على صعوبة الأسئلة الامتحانية.

المهم في العملية التعليمية هو ان المعارف الأساسية المطلوبة قد وصلت الى ذهن الطالب وتمثلت في سلوكه وعقله كأنماط سلوكية ومعرفيه وبالتالي فأن الأسئلة الواقعية والمعقولة الصعوبة تأتي تتمة لجهد الطالب والمعلم خلال سنة دراسية كاملة. الأمر في الأزمة هو صراع التعليم الحكومي مع التعليم الخاص وتمترس الفساد في كلا المؤسستين وغالبا ما يكون الطالب موضوعا للابتزاز والاستغلال واخضاعه لألية المنافسة غير النزيهة وشراء جهد الطالب عبر الدروس الخصوصية واخضاعه لمنطق البيع والشراء في اشتراطات النجاح.

الطالب يتحمل جزء من هذا الفشل عبر جريه وراء ملخصات سريعة وسهلة يقدمها سوق بعض المعلمين، وتأتي الأسئلة هنا خلاف لتوقعات الطالب، ولكن اصلاح ذلك يمر عبر اعادة بناء منظمومة التربية والتعليم بعيدا عن المحاصصة والخصخصة الملوثة، والطلبة في النهاية هم ضحية النظام التعليمي والتربوي الذي اصبح ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 فريسة لنظام المحاصصة الطائفية والأثنية، وانعدمت فيه الفلسفة التربوية الواضحة التي تستقي مصادرها من معطيات التقدم العلمي والتقني والمعلوماتي والبعد الأنساني، وقد فتح فيه باب الاجتهاد والعبثية والارتجال على مصرعيها في تلك المؤسسات التي يعول عليها في بناء الأجيال وتأمين مستقبل عراق آمن قيميا واخلاقيا ومهنيا وعلميا.

أما من حيث ازمة التقويم التربوي العامة لأداء الطلبة فهي في مجملها تقليدية لا تخرج عن نطاق اعتمادها على الاختبارات التقليدية الدورية الفصلية منها والنهائية، ويتم التركيز فيها على قياس التحصيل المعرفي في المستويات المعرفية الدنيا، والامتحانات بصورتها الحالية تقيس فقط القدرة على الاحتفاظ الميكانيكي بالمعلومات والحقائق الجافة، واهمال كافة اوجه النشاطات المختلفة والاهتمامات المتنوعة التي قد يقوم بها الدارسين خلال العام الدراسي سواء داخل حجرة الدراسة ام خارجها، وبالتالي النظر الى تقويم تعلم الطالب بانها عملية روتينية يتم اجرائها في نهاية الدرس او الفصل او السنة، يختزل فيها جهد الطالب على شكل درجات او تقديرات تمنح للطالب ليعرف موقعه بين اقرانه وكذلك ترفع الى السلطات التربوية باعتبار هذه الدرجة والتقدير هي الحد الفاصل بين المعرفة من عدمها.

ومن هذه الخلفية المعوقة للتحصيل الدراسي الشامل يجري التكالب على الفوز بالامتحانات وبأي ثمن، سواء من جانب الدارس او المعلم، فالدارس يريد النجاح بأي ثمن، والمعلم هو الآخر يبحث عن مصادر للدخل في ظل تدهور المنظومة التربوية، وبالتالي تتحول العلاقة بين الدارس والمعلم الى علاقة بين بائع ومستهلك، وعلى مدى ابعد يرتبط بأجندة ارتهان الطالب وتحديد مستقبله في وسط صراع المؤسسات التعليمية وخاصة الخاصة منها التي تنتطر مخرجات سوق العملية التربوية في ظل منافسة غير نزيهة يكون ضحيتها الطالب.

أن اصلاح نظم الامتحانات او بصورة اشمل تقويم العملية التربوية والطالب في مقدمتها هو جزء من منظومة الاصلاح الشامل للنظام التربوي وعناصره الاساسية والبنيوية، وفي مقدمتها المنهج والمعلم والطالب وهذا يستدعي بالضرورة التحديث المستمر لوسائل تقويم الطالب الشامل المتعدد الجوانب أو ما يسمى بالتقويم الواقعي الشامل الذي يقوم على مبادئ الفهم الصحيح والواقعي لماهية ووظيفة الأختبارات والتقويم المدرسي عموما، والذي يقوم على مبادئ ابرزها:

ان التقويم الواقعي إجراء يرافق عمليتي التعلم والتعليم ويربطهما معاً بقصد تحقيق كل طالب لمحكّات الأداء المطلوبة وتوفير التغذية الراجعة الفورية حول إنجازاته بما يكفل تصويب مسيرته التعليمية ومواصلة عملية التعلم، فهو تقويم يهتم بجوهر عملية التعلم، ومدى امتلاك الطلبة للمهارات المنشودة بهدف مساعدتهم جميعاً على التعلم. وهو بذلك تقويم بنائي يستند إلى عدد من المحكّات، ويجعل تمكّن الطالب منها هدفاً منشوداً للتعلم والتعليم. وان العمليات العقلية ومهارات التقصي والاكتشاف هي غايات يجب رعايتها عند الطلبة والتأكد من اكتسابهم لها من خلال التقويم. ولا يتسنى ذلك إلا باشغالهم بنشاطات تستدعي حل المشكلات وبلورة أحكام واتخاذ قرارات تتناسب ومستوى نضجهم.

والتقويم الواقعي الشامل يقتضي أن تكون المشكلات والمهام أو الأعمال المطروحة للدراسة والتقصي واقعية، وذات صلة بشؤون الحياة العملية التي يعيشها الطالب في حياته اليومية. وبذلك تكون المشكلات المطروحة متداخلة تستدعي توظيف المعارف والمهارات للتوصل للحلول المناسبة. كما ان إنجازات الطلاب هي مادة التقويم الواقعي وليس حفظهم للمعلومات واسترجاعها، ويقتضي ذلك أن يكون التقويم الواقعي متعدد الوجوه والميادين، متنوعاً في أساليبه وأدواته، ولا تحتل الاختبارات بين هذه الأدوات سوى حيز ضيق. وهذه الاختبارات لا تعدو كونها نشاطات تعلم غير سرية يمارسها الطلاب دون قلق أو رهبة كما هي الحالة في الاختبارات التقليدية.

كما ان مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ في قدراتهم وأنماط تعلمهم وخلفياتهم وذلك من خلال توفير العديد من نشاطات التقويم التي يتم من خلالها تحديد الإنجاز الذي حققه كل طالب يعد شرطا للتقويم الشامل. وهذه يجب أن تبين بوضوح نقاط القوة والضعف في كل إنجاز، ومستوى الإتقان الذي وصل إليه الطالب بالمقارنة مع محكات الأداء. فهو بالتالي عملية إنتاجية تفاوضية تهيئ للطالب فرصة التقييم الذاتي وفق محكات الأداء المعلومة لديه. ويتطلب هذا التقويم التعاون بين الطلاب. ولذلك فإنه يتبنى أسلوب التعلم في مجموعات متعاونة يعين فيها الطالب القوي زملاءه الضعاف. بحيث يهيئ للجميع فرصة أفضل للتعلم، ويهيئ للمعلم فرصة تقييم أعمال الطلاب أو مساعدة الحالات الخاصة بينهم وفق الاحتياجات اللازمة لكل حالة.

ان هذا النمط من التقويم يركّز على المهارات التحليلية، وتداخل المعلومات كما أنه يشجع الإبداع ويعكس المهارات الحقيقية في الحياة ويشجع على العمل التعاوني، وينمي مهارات الاتصال الكتابية والشفوية كما أنه يتوافق مباشرة مع أنشطة التعليم ونتاجاته مؤكداً بذلك على تداخله مع التعليم مدى الحياة كما أنه يؤمن بدمج التقويم الكتابي والأدائي معاً، ويعتمد على القياس المباشر للمهارة المستهدفة، ويشجع التشعب في التفكير لتعميم الإجابات الممكنة، ويهدف إلى دعم تطوير المهارات ذات المعنى بالنسبة للطالب، ويوجه المنهاج، ويركز على الوصول إلى إتقان مهارات الحياة الحقيقية ويدعم المعلومات التي تعني ب ( كيف ولماذا )، ويوفر رصداً لتعلم الطلبة على مدار الزمن، ويعد الطالب لمعالجة الغموض والاستثناءات التي توجد في أوضاع حقيقية للمشكلات، ويعطي الأولوية لتسلسل التعلم أو لعمليات التعلم. ويتطلب تنفيذ التقويم الواقعي الشامل وقتاً لإدارته والرقابة عليه بما يتناسب مع معايير التعليم المفترضة وأن يكون هناك معايير موضوعية للتقويم، كما يتطلب تدريب المعلمين وتقديمه للطلبة بصورة تدريجية بحيث يصبح مألوفاً لديهم لأنه يحتاج إلى مهارات لتطبيقه.

هذه هي جزء من الاتجاهات الحديثة في العلوم التربوية والنفسية التي تعني بشؤون تقويم الأداء، وهي بالتأكيد لا تصلح إلا في بيئة تربوية صالحة مؤمنة بالأصلاح كنهج للتقويم المستمر في العملية التربوية، وهي لا يمكن تنفيذها إلا في بيئة سياسية عامة هي الاخرى تؤمن باصلاح النظام السياسي والحياة العامة على اسسس من العصرنة والتقدم العلمي وتمثل القيم الانسانية في بناء الدولة والمجتمع، وبالتالي نرى ان مشكلة الامتحانات وصعوبتها المفتعلة في العراق هي جزء من مشهد الفوضى والفساد الاداري والمالي وتعثر العملية السياسية الذي ينعكس على كل القطاعات، وقطاع التربية والتعليم له حصة الأسد من مما يجري من فوضى سياسية مجتمعية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1