يقال أن أحد المسؤولين التربويين من سلطنة عمان زار بريطانيا للبحث عن افضل التصاميم الهندسية للأبنية المدرسية، فوجد تصميماً يقلل من الجدران ويستبدلها بالزجاج، والعلّة واضحة، وهي اجتذاب أشعة الشمس الى داخل الفصل الدراسي وتوفير مصدر دفء للتلاميذ.

هذا المسؤول التربوي عاد الى بلاده واراد استنساخ نفس التصميم الذي رآه جميلاً، استوقفه احد المعنيين بأن لو طبق هذا النموذج من التصميم في سلطنة عمان، فان التلاميذ في الفصل الدراسي سيكونون مثل الدجاج في التنور!!

استحضرت هذه الحكاية بموازاة الحديث عن تطوير المناهج التعليمية والعقبات التي تواجهها، وتحديات النجاح في طريقها، مع التأكيد على حضارية الفكرة وضرورتها من حيث المبدأ لانتاج جيل جديد قادر على مواكبة التطورات العلمية المتسارعة في العالم، وهو السياق المتبع في عديد البلاد المتسابقة في ميادين التكنلوجيا وعلوم الطب والهندسة والجينات وغيرها.

هذه الدول، وقبل ان تفكر بتطوير المناهج في مدارس الابتدائية وايضاً الاعدادية، كانت قد انتهت من تطوير المعلم منهجياً وفنياً، كما انتهت من تطوير المباني المدرسية وامكاناتها المختلفة، الى جانب توفير الحد الأدنى من الوضع المعيشي للتلاميذ، أما الاستنساخ بهذه الطريقة المتبعة في بلادنا –ومنها العراق- فانها ليس فقط لن تساعد التلميذ على تطوير مستواه العلمي، بل تسبب في تعميق المشاكل التي يواجهها التلميذ اساساً في بلده المأزوم اقتصادياً وسياسياً، فيكون على الطالب المضنوك في البيت وفي المدرسة، ان يستوعب الطرق الحديثة لحل المسائل الرياضية، أو فهم قواعد اللغة العربية ومواد علمية اخرى بمستوياتها العليا.

القضية تبدو اجتماعية ونفسية، اكثر مما هي تتعلق بالتعليم، وإلا فان الحلّ البسيط من المعنيين في التربية والتعليم، هو إدخال المعلمين والمدرسين دورات تأهيلية خاصة في بعض البلاد المجاورة او غيرها للتعرف على طرق التعليم الحديثة وسبل إيصال المادة المتطورة بشكل اسهل الى الطالب، بيد ان الامر لن يكون بهذه الصورة الميكانيكية، فثمة عوامل عدّة تجتمع لتسهم في نجاح العملية التعليمية، وتخريج طالب متفوق ومنتج ومفيد لبلده.

من أبرز هذه العوامل؛ اسلوب الادارة داخل المدرسة، وسلوك الكادر التعليمي مع التلاميذ، فهذه ربما تغيب عن دائرة التطوير والتأهيل ذات الصبغة العلمية، فالتلميذ في مراحله الاولى يشعر بحاجة ماسّة الى التشجيع والتحفيز، كما يشعر بالحاجة الى الحنان بين والديه وافراد أسرته، وهذا ينبغي ان يوزع بالتساوي على الجميع، كما هو الحال في البيت، لا أن يقتصر على الأذكياء والمتفوقين، لأن في هذه الحالة فان المادة الدراسية المطورة ستكون خاصة لفئة من التلاميذ دون غيرهم، ما من شأنه ان يخلق نوعاً من الطبقية في المحيط المدرسي.

إن تفهّم اسباب عدم استيعاب المواد المطوّرة من قبل بعض التلاميذ، وربما معظمهم، يمثل حجر زاوية في نجاح العملية التعليمية في نهضتها الحالية، لاسيما اذا اخذنا بنظر الاعتبار الاسباب الموضوعية لعدم تمكن الكادر التدريسي بإيصال المادة الى الطالب بشكل متكامل وصحيح، ومنها ضيق الوقت بسبب كثرة العطل، او ربما لعدم وجود الكادر، الى جانب الاسباب المتعلقة بالوضع الاجتماعي للطالب، فليس جميع أولياء الامور من المتعلمين بمستويات عالية ترافق ابنائهم حتى المراحل الاعدادية، بل بعضهم يعجز عن مرحلة الابتدائية.

ليس هذا بمعنى ان يكون المعلم أبّاً ثانياً للتلميذ، إنما يستدعي الامر بذل مجهود اضافي كما على التلميذ ايضاً العمل بنفس الشيء والاجتهاد في الدروس، وهذا من شأنه ان يُسهم في معالجة المشكلة القائمة في مدارسنا، وهي استعانة الطالب بالدروس الخصوصية لفهم المادة بشكل صحيح، وإلا فان الصعوبة والتعقيد في المواد العلمية، لاسيما في مرحلة الاعدادية، ستزداد على الطالب، بل ربما نشهد اتساعاً لشريحة المدرسين الخصوصيين، وفي الآونة الاخيرة بدأنا نشهد تدريس خصوصي للمرحلة الابتدائية ايضاً، وظهور ملازم دراسية الى جانب الكتاب الدراسي الحكومي لهذه المرحلة تباع في الاسواق.

التركيز على دور المعلم والمدرس، يُعد خطوة أولية واساس في الوقت الراهن لإنجاح مشروع التطوير في المناهج الدراسية، وإلا فان عوامل عدّة تقف كاستحقاقات لابد منها، في مقدمتها الابنية المدرسية وواقع الزحام المثير للاشئمزاز في عديد مدارسنا، بحيث نشهد في الصف الواحد بين اربعين الى خمسين تلميذ او اكثر، مما يضع علامات الاستفهام على من يتحدث عن إيصال المادة المطوّرة الى الطالب. فهذه وغيرها بحاجة الى وقت طويل لتوفير اختصاصات مالية من لدن الجهات المعنية، بينما الدور الانساني للمعلم والمدرس من شأنه ان يكون الخطوة الاولى، والانطلاقة للتأكيد على وجود فرص النجاح في هذا المضمار.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0