شهد العراق في السابع من تشرين الأول 2026 يوماً نقدياً مضطرباً بعد تعديل سعر الصرف الرسمي إلى 1520 ديناراً للدولار، فيما قفزت السوق الموازية إلى مستويات أعلى. القرار أثار ارتباك التجار، مخاوف المواطنين، اعتراضات نيابية، ونقاشاً واسعاً حول مسؤولية الحكومة والقوى السياسية الداعمة لها، وسط دفاع رسمي يعتبر الخطوة...

لم يحتج العراقيون إلى وقت طويل حتى يكتشفوا أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2026 لن يكون يوماً عادياً في سوق الصرف. القرار الذي اتخذته الحكومة بتعديل سعر الدولار انتقل خلال ساعات من وثائق مجلس الوزراء والبنك المركزي إلى واجهات محال الصيرفة والأسواق وهواتف المواطنين، وأصبح الحديث عن قيمة الدينار وأسعار السلع والرواتب الموضوع الأكثر حضوراً، في وقت بدا فيه أن الدولة والسوق والشارع يقرأ كل منها القرار بطريقة مختلفة.

سعر جديد وواقع مختلف

بدأ العمل بالمنظومة الجديدة لسعر الصرف على أساس 1500 دينار للدولار عند شراء العملة من وزارة المالية، و1510 دنانير عند بيعها للمصارف، و1520 ديناراً عند وصولها نقداً إلى الجمهور، وبرر البنك المركزي الإجراء بالظروف الاقتصادية والمالية الراهنة، مؤكداً في الوقت نفسه أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلب على تمويل التجارة والتحويلات والاحتياجات النقدية للمسافرين.

كما قدم القرار باعتباره جزءاً من توجه يراد منه دعم المنتج المحلي وتقليل الفجوة التنافسية بين الصناعة العراقية والسلع المستوردة، وهي رؤية تستند إلى أن ارتفاع كلفة الاستيراد قد يمنح بعض المنتجات المحلية قدرة أفضل على المنافسة، بشرط أن تتوفر بيئة إنتاج قادرة بالفعل على تعويض جزء من المستورد.

لكن السوق لم تتعامل مع القرار وفق الحسابات الرسمية وحدها، فمع الساعات الأولى للتطبيق تحرك سعر الدولار في السوق الموازية سريعاً، وظهرت فروقات واضحة بين بغداد وأربيل والبصرة، فيما توقف بعض أصحاب الصيرفات والتجار عن البيع لفترات بسبب التذبذب وصعوبة تحديد الاتجاه.

الدولة ترفع السعر.. والسوق تبتعد أكثر

هنا ظهرت أولى مفارقات يوم الدولار الطويل: الحكومة عدلت السعر الرسمي بهدف التعامل مع ضغط مالي متزايد، لكن أول رد فعل للسوق لم يكن الاقتراب من السعر الرسمي الجديد، وإنما التحرك بعيداً عنه، وهو ما جعل الفجوة بين السعر الذي أعلنته الدولة والسعر الذي يواجهه المواطن في السوق الموازية جزءاً أساسياً من النقاش.

ومع تداول أرقام تقترب من 190 ألف دينار لكل مئة دولار على وسائل التواصل، تحولت القضية من قرار رسمي محدد إلى حالة من القلق بشأن المستوى الذي يمكن أن تستقر عنده السوق. هذه الأرقام لا تعني أن 190 ألفاً أصبح سعراً موحداً في جميع المحافظات، لكنها تكشف حجم التوتر الذي رافق الساعات الأولى للقرار.

خزينة تبحث عن الدنانير

لم يكن القرار منفصلاً عن وضع مالي معقد. العراق يدخل مناقشات موازنة 2027 مع إنفاق مرتفع وعجز مالي كبير، بينما ما تزال الإيرادات النفطية المصدر الأساسي لخزينة الدولة، وجاءت التطورات الإقليمية واضطرابات صادرات النفط لتضيف ضغوطاً جديدة إلى الحسابات الحكومية.

ومن هذه الزاوية يصبح تعديل سعر الصرف مفهوماً في حسابات المالية العامة؛ فالدولار النفطي عندما يحول إلى الدينار بسعر أعلى يمنح الخزينة كمية أكبر من العملة المحلية، وهو ما يوفر للحكومة مساحة أكبر لتغطية الرواتب والنفقات والالتزامات الداخلية.

إلا أن الحساب نفسه يبدو مختلفاً تماماً عندما ينتقل إلى المواطن، لأن الراتب المقوم بالدينار لا يرتفع تلقائياً مع ارتفاع سعر الدولار، بينما تصبح احتمالات انتقال الزيادة إلى كلفة السلع المستوردة والأسعار المحلية أكبر.

المواطن يحسب الأزمة من راتبه

وهذه تحديداً كانت النقطة التي التقطها العراقيون على مواقع التواصل بسرعة. لم ينشغل كثيرون بالتفاصيل الفنية لسعر شراء وزارة المالية أو هوامش المصارف، وإنما دار النقاش حول قيمة الراتب وما يمكن أن يشتريه بعد القرار، وأسعار المواد الغذائية والملابس والإلكترونيات، وكلفة الأعمال الصغيرة التي تعتمد على سلع أو مواد مستوردة.

بعض المشاركين كان قد حذر قبل القرار من أن رفع الرسمي إلى حدود 150 ألفاً لكل مئة دولار قد يدفع السوق الموازية إلى مستويات أعلى بكثير، وبعد بدء التطبيق عاد النقاش مصحوباً بعبارات الغضب والسخرية والخوف من تراجع القوة الشرائية والضغط على الطبقة الوسطى.

ولا يمكن اعتبار ما يظهر على منصات التواصل استطلاعاً للرأي العام العراقي بأكمله، فالمنشورات الأكثر غضباً قد تكون أيضاً الأكثر انتشاراً وتفاعلاً، لكن تكرار المخاوف المتعلقة بالراتب والأسعار والاستيراد يقدم مؤشراً على طبيعة المشكلة كما يراها جزء واسع من المشاركين في النقاش العام: الدولة تتعامل مع عجز وحسابات بالمليارات، بينما تتعامل الأسرة العراقية مع المبلغ المتبقي في جيبها حتى نهاية الشهر.

من القلق الاقتصادي إلى الاعتراض السياسي

التحول من القلق الاقتصادي إلى الاعتراض السياسي حدث بسرعة. في مجلس النواب بدأت تحركات لمناقشة قرار تغيير سعر الصرف، وظهرت مطالب باستضافة المسؤولين الماليين والنقديين، بينما ذهب نواب إلى القول إن معالجة الوضع المالي لا ينبغي أن تتم على حساب القوة الشرائية للمواطن.

هذا الاعتراض يكشف المعضلة السياسية المحيطة بالقرار. فالحكومة تستطيع تقديم أرقام العجز وتراجع الإيرادات واضطراب صادرات النفط باعتبارها أسباباً تستدعي إجراءات غير اعتيادية، ويمكن للبنك المركزي التأكيد أن الاحتياطيات الأجنبية ما تزال عند مستويات مريحة، إلا أن وجود المبررات الاقتصادية لا يلغي السؤال عن الكيفية التي توزع بها كلفة المعالجة.

الإطار التنسيقي أمام كلفة السلطة

عند هذه النقطة يدخل الإطار التنسيقي إلى المشهد، ليس لأنه الجهة التي تحدد سعر صرف الدينار أو لأنه أصدر قراراً نقدياً بالنيابة عن البنك المركزي، وإنما بسبب موقعه في بنية السلطة الحالية، بوصفه القوة السياسية الرئيسية التي ساهمت في تشكيل الحكومة ودعمت برنامجها وأدائها.

ولهذا يصعب سياسياً وضع الإطار خارج دائرة المساءلة عندما تواجه الحكومة قراراً بهذه الحساسية. فالمسؤولية التنفيذية المباشرة عن تعديل سعر الصرف تقع على الحكومة والمؤسسات المالية والنقدية التي اقترحت القرار وأقرته، أما مسؤولية الإطار التنسيقي فهي سياسية، باعتباره من أبرز القوى التي وفرت الغطاء البرلماني والسياسي للحكومة.

المشكلة بالنسبة إلى الإطار ليست أنه جلس خلف شاشة في البنك المركزي وحدد سعر الدولار، وإنما أن القوى السياسية التي تختار الحكومة وتدافع عن برنامجها لا تستطيع الاحتفاظ بمكاسب السلطة عندما تكون المؤشرات إيجابية ثم الابتعاد عن كلفة القرارات عندما تصبح آثارها شعبية وغير مريحة.

أين ذهبت سنوات الوفرة؟

يتجاوز النقاش هنا سعر الدولار نفسه إلى سؤال أوسع يتعلق بطريقة إدارة المالية العامة خلال السنوات الماضية. فإذا كانت الدولة، رغم العائدات النفطية الكبيرة والإنفاق المتواصل، تجد نفسها مضطرة إلى اللجوء مجدداً إلى سعر الصرف للتخفيف من الضغوط المالية، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بقرار اتخذ في ليلة واحدة.

السؤال يتعلق بسبب استمرار الاقتصاد العراقي بهذه الدرجة من الاعتماد على النفط، وبحجم الإنفاق الجاري، وضعف الإيرادات غير النفطية، وعدم تحول الموارد التي دخلت إلى الدولة خلال سنوات الوفرة إلى قاعدة إنتاجية تستطيع توفير بدائل حقيقية عند الأزمات.

ومن هذه الزاوية يصبح انتقاد القوى السياسية، ومنها الإطار التنسيقي، أوسع من الاعتراض على رقم 1500 أو 1520 ديناراً. فالقوى التي تشارك في إدارة الدولة مطالبة بتفسير سبب بقاء الموازنة رهينة سعر برميل النفط وحجم الصادرات، ولماذا لم تؤد سنوات الإنفاق إلى بناء اقتصاد يستطيع امتصاص الصدمات الخارجية من دون العودة إلى جيب المواطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

هل كان هناك بديل؟

في المقابل، إبقاء سعر الصرف السابق لم يكن بالضرورة خياراً بلا كلفة. استمرار فجوة مالية كبيرة مع تقلص الإيرادات قد يفرض على الدولة خيارات أخرى تشمل الاقتراض أو تقليص الإنفاق أو زيادة الضرائب والإيرادات غير النفطية أو خفض بعض النفقات العامة، ولكل واحد من هذه البدائل كلفة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

ولهذا فإن النقاش الجدي لا يكتمل بمجرد المطالبة بإعادة سعر الصرف السابق، بل يحتاج إلى معرفة البديل الذي يمكنه تمويل نفقات الدولة والمحافظة في الوقت نفسه على استقرار الدينار والقوة الشرائية.

وهذه المساحة هي التي تمنح الرواية الحكومية جزءاً من مشروعيتها، لكنها لا تعفيها من إثبات أن تعديل السعر كان الخيار الأقل كلفة، وأن إجراءات موازية ستتخذ لحماية أصحاب الدخول المحدودة والأسواق من انتقال الصدمة النقدية إلى موجة تضخم واسعة.

أزمة ثقة تسبق أزمة الأسعار

ما حدث في الأسواق خلال الساعات الأولى أضاف مشكلة أخرى إلى القرار الأصلي، وهي مشكلة الثقة. حين تعلن الدولة سعراً جديداً ثم يشاهد المواطن الدولار يتحرك بسرعة في السوق الموازية، تتغير السلوكيات قبل أن تظهر النتائج الاقتصادية الكاملة.

التاجر يتردد في البيع لأنه لا يعرف كلفة تعويض البضاعة، والمواطن الذي يملك مدخرات قد يبحث عن الدولار خوفاً من انخفاض إضافي في قيمة الدينار، ومن يحتاج إلى سلعة قد يشتريها مبكراً خشية ارتفاع سعرها، وعندها يمكن لتوقعات الخوف نفسها أن تصبح عاملاً يضيف ضغطاً جديداً إلى السوق.

ولهذا تحول رقم 190 ألفاً، حتى قبل أن يكون سعراً مستقراً يمكن اعتماده لكل العراق، إلى رقم نفسي في النقاش الشعبي. لم يعد المقصود به مجرد مئة دولار مقابل عدد محدد من الدنانير، وإنما أصبح يمثل الخشية من أن السوق ما تزال تبحث عن سقف جديد.

البرلمان بين الرقابة والشراكة السياسية

وسط هذه الأجواء يبدو البرلمان نفسه أمام اختبار لا يقل أهمية. الاعتراض على القرار واستدعاء المسؤولين واستخدام الأدوات الرقابية حقوق دستورية، لكن جزءاً مهماً من القوى البرلمانية ينتمي إلى التركيبة السياسية التي أنتجت الحكومة أو دعمتها.

لذلك سيكون من الصعب اختزال القضية في مشهد حكومة تتخذ القرار وبرلمان يقف خارجه للدفاع عن المواطن، من دون النظر إلى شبكة التحالفات التي تربط السلطتين التنفيذية والتشريعية.

وتصبح المساءلة أكثر جدية عندما تتحول من تسجيل المواقف إلى البحث في الأسباب التي أوصلت الدولة إلى القرار، والبدائل التي كانت متاحة، والإجراءات المطلوبة للحد من أثره الاجتماعي.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد القرار

أمام الحكومة والبنك المركزي الآن مهمة أكثر صعوبة من مجرد إعلان السعر الجديد، وهي إثبات أن تعديل سعر الصرف لن يتحول إلى بداية دوامة بين ارتفاع السوق الموازية وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.

وجود احتياطيات أجنبية قوية يمثل عاملاً مهماً، لكن الحكم على القرار لن يتم من خلال حجم الاحتياطي وحده، وإنما من خلال قدرة الدولة على توفير الدولار للأغراض المشروعة، وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، ومنع الاضطراب من الانتقال إلى أسعار الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية.

كما أن مسؤولية القوى السياسية الداعمة للحكومة، وفي مقدمتها الإطار التنسيقي، لن تقاس بمقدار دفاعها عن القرار أو رفضها له بعد صدوره، وإنما بقدرتها على تقديم معالجة اقتصادية طويلة المدى تقلل اعتماد الدولة على الأدوات النقدية كلما واجهت الخزينة أزمة جديدة.

عندما تصبح أزمة الدينار أزمة ثقة

السابع من تشرين الأول لم يكن مجرد يوم تغير فيه رقم في نشرة البنك المركزي. خلال ساعات التقت أزمة المالية العامة بقلق الأسواق وغضب جزء من الشارع واعتراضات سياسية، ووجدت الحكومة والقوى التي تقف خلفها نفسها أمام سؤال يتعلق بطريقة إدارة كلفة الأزمة أكثر مما يتعلق بسعر الدولار وحده.

قد تستطيع الدولة زيادة ما تحصل عليه من الدنانير مقابل دولارات النفط، لكنها لا تستطيع تجاهل أن الدنانير الموجودة في جيب المواطن قد تشتري أقل إذا انتقل تغير الصرف إلى الأسعار.

وهنا تقع المسؤولية التي تتقاسمها الحكومة والمؤسسات الاقتصادية والقوى السياسية الداعمة لها: ليست المهمة فقط إيجاد موارد تكفي لتغطية نفقات الدولة، وإنما منع علاج أزمة الخزينة من إنتاج أزمة معيشية أوسع. وإذا لم تنجح الإجراءات اللاحقة في تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والموازي وتهدئة الأسواق، فإن النقاش لن يبقى حول أسباب تغيير سعر الصرف، بل سينتقل إلى سؤال أعمق عن كيفية إدارة اقتصاد أنفق موارد ضخمة خلال سنوات، ثم وجد المواطن نفسه في النهاية يحسب آثار الأزمة من قيمة راتبه وسعر طعامه.

اضف تعليق