التَّعامل مع ظاهرة التَّشكيك لا يكون بالعاطفة ولا بالقمع، كما لا يكون بالانبهار أو التَّهوين؛ وإنَّما بمنهجٍ متوازن يجمع بين وضوح الحجَّة، وحكمة الخطاب، وحماية المجتمع من الفوضى الفكريَّة. فحفظ الدِّين لا يعني إغلاق باب السؤال، كما أنَّ فتح باب السُّؤال لا يبرِّر تسويق الشُّبهات بين غير المختصين...

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسئلة، وتتزاحم فيه الخطابات، لم يعد الخطر الأكبر متمثِّلًا في الجهل البسيط؛ بل في التَّشكيك الذي يُقدَّم في صورة تساؤل، ويُسوَّق تحت شعار التَّفكير الحر، بينما يحمل في جوهره تقويضًا بطيئًا لليقين، وزعزعةً مدروسة لثوابت العقل والعقيدة. وقد نبَّه القرآن الكريم إلى هذا المسلك، فقال الله (تعالى): (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)(1)، مشيرًا إلى أنَّ التَّكذيب كثيرًا ما يكون ثمرة استعجالٍ معرفي، أو موقفٍ نفسيٍّ سابق على الفهم.

إنَّ التَّشكيك السَّلبي عِلَّة تصيب مركز الوعي، فتربك منظومة الإدراك، وتشوِّه آليات الحكم، حتَّى يفقد الإنسان قدرته على التَّمييز الهادئ بين الحقِّ والباطل. ومن هنا تنبع خطورته؛ إذ لا يهاجم القناعات مواجهةً؛ وإنَّما ينفذ إليها من بوَّابة التَّردُّد والارتياب، ويقيِّدها من الدَّاخل. وانطلاقًا من هذه الإشكاليَّة، سيُسلط الضَّوء على ظاهرة التَّشكيك، عن طريق تحليل مفهوم الشَّك وأقسامه، وتشخيص سمات الشَّخصيَّة المشكِّكة، ثمَّ تقديم منهجٍ واعٍ في كيفيَّة التَّعامل معها، بما يحفظ للعقل توازنه، ولليقين مكانته، وللحوار حدوده المنهجيَّة.

المحور الأوَّل: الشَّك وأقسامه

الفرع الأوَّل: تعريف الشَّك لغةً واصطلاحًا

"الشِّين والكاف أصل واحدٌ مشتقٌّ بعضُه من بعض، وهو يدلُّ على التَّداخُل. من ذلك قولهم شكَكْتُه بالرُّمح، وذلك إذا طعنتَه فداخَل السنانُ جسمَه. قال:

فشككت بالرُّمح الأصَمِّ ثيابَه * ليس الكريمُ على القنا بمحرَّمِ 

ويكون هذا من النَّظْم بين الشَّيئين إذا شُكّا.

ومن هذا الباب الشَّكُّ، الذي هو خلافُ اليقين، إنَّما سمِّي بذلك؛ لأنَّ الشَّاكَّ كأنَّه شُكَّ له الأمرانِ في مَشَكٍّ واحد، وهو لا يتيقن واحدًا منهما، فمن ذلك اشتقاق الشَّك. تقول: شككت بين ورقتينِ، إِذا أنت غرَزْت العُود فيهما فجمعتَهما.

ومن الباب الشِّكَّةُ، وهو ما يلبسه الإِنسان من السِّلاح، يقال: هو شاكٌّ في السِّلاح. وإنَّما سمِّي السّلاحُ شِكَّة؛ لأنَّه يُشَكُّ به، أوْ لأنَّه كأنَّه شُكَّ بعضُه في بعض"(2).

أمَّا الشَّك اصطلاحًا: "اعتدال النَّقيضينِ عند الانسان وتساويهما؛ وذلك قد يكون لوجود أمارتينِ متساويتينِ عند النَّقيضينِ أو لعدم الأمارة فيهما، والشَّك ربما كان في الشَّيء هل هو موجود أو غير موجود؟

 وربما كان في جنسه، من أيِّ جنس هو؟

 وربما كان في بعض صفاته، وربما كان في الغرض الذي لأجله أوجد.

والشَّك ضرب من الجهل وهو أخص منه؛ لأنَّ الجهل قد يكون عدم العلم بالنَّقيضين رأسًا، فكلُّ شكٍّ جهل، وليس كلُّ جهل شكَّا..."(3).

 ويُستفاد من التَّعريفينِ اللغوي والاصطلاحي أنَّ الشَّك مفهومٌ منضبط له جذور دلاليَّة ومعرفيَّة واضحة. فالدلالة اللغويَّة التي تُرجع الشَّك إلى معنى التَّداخل والاشتباه تعبِّر بدقَّة عن حقيقته الذِّهنيَّة؛ حيث تتداخل الاحتمالات في العقل من دون أن يتمكَّن من الفصل بينها. وهذا المعنى اللغوي ينسجم انسجامًا تامًّا مع التَّعريف الاصطلاحي الذي يجعل الشَّك حالةً من تساوي النَّقيضينِ، وعدم ترجيح أحدهما على الآخر.

كما يظهر من التَّعريف الاصطلاحي أنَّ الشَّك يُعدُّ مرتبةً خاصَّة من مراتب الجهل، ولا يتمثَّل في غياب المعرفة كليًّا؛ وإنَّما في حضور معرفتينِ متعارضتينِ على نحوٍ متكافئ، الأمر الذي يفسَّر كونه أكثر تعقيدًا من الجهل البسيط. ويكشف هذا التَّحديد عن البعد المعرفي للشَّك، بوصفه ظاهرةً عقليَّة تتعلَّق بكيفيَّة إدراك الإنسان للأدلة والأمارات، لا بمجرَّد ضعف الفهم أو قصوره.

وعلى الرَّغم من تعدُّد التَّعاريف العلميَّة لمفهوم الشَّك بتعدُّد الحقول المعرفيَّة التي تناولته، فإنَّ القاسم المشترك بينها يتمثَّل في كونه حالة ذهنيَّة قائمة على التَّردُّد المتكافئ بين طرفينِ متقابلينِ، وهو ما يضفي على المفهوم قدرًا من الدِّقة، ويمهِّد لدراسة آثاره المعرفيَّة والفكريَّة في المجالات العقديَّة والمنطقيَّة والأصوليَّة.

ومثال على الشَّك؛ عندما يقف الذهن أمام احتمالينِ متكافئينِ لا يملك دليلًا يميِّز أحدهما عن الآخر، تنشأ حالة الشَّك؛ ويتساوى الطَّرفان في الوعي، ولا يميل العقل إلى أحدهما من دون قرينة. ومن أوضح أمثلة ذلك ما يعرض للمصلِّي في الصَّلاة الرُّباعيَّة –مثلًا- حين يتردَّد بين كونه في الرَّكعة الثَّالثة أو الرَّابعة، فلا يدري أيُّهما أدرك، فيبقى الاحتمالانِ حاضرينِ في ذهنه على السَّواء. وهذه الحالة، ما دام العجز قائمًا عن ترجيح أحد الطَّرفينِ، تُسمَّى بـ(الشَّك).

أمَّا إذا منح الإنسان نفسه فرصة للتَّأمل الهادئ، واستعاد تسلسل أفعاله، فاستطاع أن يرجِّح أحد الاحتمالينِ، كأن يطمئن إلى أنَّه في الرَّكعة الثَّالثة، فإنَّ هذا لا يُعد شكًّا بالمعنى الدَّقيق؛ وإنَّما هو تردُّد عابر زالَ بالتَّرجيح، وعاد معه الذِّهن إلى حالة الإطمئنان.

 وحالة الشَّك لا تقتصر على الصَّلاة فقط، وقد تواجه الإنسان في جميع أفعاله وأقواله؛ فقد يشك في أنَّه فعل شيئًا أم لم يفعله، أو أنَّه صنع شيئًا أم لم يصنعه، أو أنَّه قال كلمة ما، أم لم يقلها.

 وأدهى وأسوأ صنوف الشَّك أن يصل الشَّك لدى صاحبه إلى دوائر مقدَّسة، كالمسائل العقائديَّة، والثَّوابت، والمسلَّمات الدِّينيَّة التي تشكِّل القاعدة الأساسيَّة في تحركاته وسلوكياته ورؤاه؛ فينتج عن ذلك حبط الإيمان، ويصبح الشَّخص غير قادر على الثَّبات على قناعاته، كما قد ينتهي هذا الشَّك إلى الاضطراب، وازدياد حالة القلق والتَّذبذب في كلِّ قرار يتَّخذ، ما يضعف من قدرته على التَّوجيه الصَّحيح في حياته، وبالتَّالي، تصبح معايير الحياة الدينيَّة والعقائديَّة غير ثابتة، ممَّا يعكِّر صفو الطَّمأنينة النَّفسيَّة ويزيد من معاناته. وقد يجره ذلك إلى الكفر والإلحاد؛ "عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ:كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) جَالِساً عَنْ يَسَارِهِ، وَزُرَارَةُ عَنْ يَمِينِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِيمَنْ شَكَّ فِي اللَّهِ؟

 فَقَالَ: كَافِرٌ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ.

 قَالَ: فَشَكَّ فِي رَسُولِ اللَّهِ؟ 

فَقَالَ: كَافِرٌ. 

قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلى زُرَارَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفُرُ إِذَا جَحَدَ"(4).

وعن أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "لَا يَنْفَعُ مَعَ الشَّكِّ وَالْجُحُودِ عَمَلٌ"(5).

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَحَدِهِمَا (عَلَيْهِمَا السَّلَامُ)، قَالَ: قُلْتُ: إِنَّا لَنَرَى الرَّجُلَ لَهُ عِبَادَةٌ وَاجْتِهَادٌ وَخُشُوعٌ وَلَا يَقُولُ بِالْحَقِّ، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذلِكَ شَيْئاً؟

فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ، إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ الْبَيْتِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) مَثَلُ أَهْلِ بَيْتٍ كَانُوا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ لَا يَجْتَهِدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَّا دَعَا فَأُجِيبَ؛ وَإِنَّ رَجُلًا مِنْهُمُ اجْتَهَدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ دَعَا، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ، فَأَتى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) يَشْكُو إِلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَسْأَلُهُ الدُّعَاءَ. قَالَ: "فَتَطَهَّرَ عِيسى وَصَلَّى، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) فَأَوْحَى اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) إِلَيْهِ: يَا عِيسى، إِنَّ عَبْدِي أَتَانِي مِنْ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي أُوتى مِنْهُ، إِنَّهُ دَعَانِي وَفِي قَلْبِهِ شَكٌّ مِنْكَ، فَلَوْ دَعَانِي حَتّى يَنْقَطِعَ عُنُقُهُ، وَتَنْتَثِرَ أَنَامِلُهُ، مَا اسْتَجَبْتُ لَهُ".

قَالَ: "فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ عِيسى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَالَ: تَدْعُو رَبَّكَ وَأَنْتَ فِي شَكٍّ مِنْ نَبِيِّهِ؟

 فَقَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، قَدْ كَانَ وَاللَّهِ مَا قُلْتَ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَذْهَبَ بِهِ عَنِّي. قَالَ: "فَدَعَا لَهُ عِيسى (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَبِلَ مِنْهُ، وَصَارَ فِي حَدِّ أَهْلِ بَيْتِهِ"(6).

إنَّ إصابة الشَّك للمنظومة الدِّينيَّة تمثِّل المصيبة الكبرى كما بيَّنته نصوص أهل البيت (عليهم السلام)؛ فقد ورد في الدُّعاء عنهم (عليهم السلام): "يَا مَنْ لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنِ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا"(7)؛ فقد يتعرَّض الإنسان لخسارة في ماله ويعوض، أو يصاب في جسده فيجد العلاج؛ لكن إذا مسَّت الخسارة عقيدته، قد يخسر الدُّنيا والآخرة معًا؛ لهذا، أصبح التَّشكيك موضوعًا بالغ الأهميَّة في مختلف المجتمعات، ويتطلَّب مناقشته باستمرار، مع تشخيص مسبباته ثمَّ البحث عن الحلول المناسبة له. 

الفرع الثَّاني: أقسام الشَّك

وردت للشكِّ تقسيماتٌ متعدِّدة، غير أنَّه يمكن اختصارها في ثلاثة أقسام رئيسة:

 القسم الأوَّل: الشَّك المعرفي

 ومثال ذلك ما يحدث غالبًا بين علماء الفقه، حيث يواجه العالم أحيانًا مسألة لا يجد لها دليلًا واضحًا، فيتردَّد بين كون التَّكليف موجهًا إليه أو غير موجه. وهذا التَّردُّد لا ينشأ عن عقدة نفسيَّة أو جهل؛ ولكن لأنَّ العالم يدرك أن الأحكام الشَّرعيَّة لا تثبت إلَّا بدليل، وعندما يعود إلى الأدلة يجدها غير كافية لتوضيح الحكم. من هنا، يوصف هذا التَّردد بأنَّه شكٌّ معرفيٌّ يدفع العالم إلى مزيد من البحث والتَّحقيق، حتَّى يصل إلى درجة الوضوح واليقين في الحكم المطلوب؛ ولهذا نجد بعض العلماء يتعاملون مع مسائل معيَّنة بحذر، وقد يرى أحدهم أنَّ المسألة واجبة، بينما يفضِّل الآخر الاحتياط لعدم بلوغ الدَّليل عنده درجة الوضوح الكافية للإفتاء.

وممَّا يجدر الانتباه إليه، أنَّ هناك فرقًا واضحًا بين التَّساؤل والشَّك. فقد يكون الإنسان مؤمنًا بعقيدته؛ لكنَّه يتساءل عن دليل يدعم يقينه، وهذا التَّساؤل مشروع تمامًا، وهو حقٌّ لكلِّ شخص يسعى للوضوح وإقامة حجَّته وتقوية إيمانه. أمَّا إذا قال الشَّخص: "أنا لا أؤمن بهذا المعتقد وأشكُّ في ثبوته من الأساس"، فإنَّ هذا يُعدُّ شكًّا. 

وبمعنى أدق: الشَّكُّ هو حالة تردُّدٍ بين أمرينِ من دون ترجيحٍ واضح لأحدهما، بحيث لا يصل الإنسان إلى يقينٍ ولا إلى إنكارٍ جازم. فهو منطقة وسطى بين الإيمان والإنكار؛ يعيش فيها العقل حالة عدم استقرار، فلا يطمئن إلى الثُّبوت، ولا يملك الجرأة على النَّفي القاطع؛ فقد يقول الإنسان: "لا أدري هل هذا المعتقد صحيح أم لا، ولا أجد ما يطمئنني إلى أحد الطَّرفين"؛ هنا نحن أمام شكّ؛ لأنَّ القضية لم تُحسم في داخله.

أمَّا إذا قال: "أنا لا أؤمن بهذا المعتقد، وأراه غير ثابت" من دون وجود دليل على كلامه؛ فهذا انتقال إلى الإنكار أو الجحود، ولم يعد شكًّا بالمعنى الدَّقيق. وعليه يمكن رسم الفروق بدقَّة أكبر:

الشَّكُّ: حالة تردُّد واضطراب في الحكم، لا يثبت فيها الإيمان ولا يُنفى، وهو توقُّف بين الإثبات والنَّفي.

والإنكار: هو حسمٌ باتِّجاه النَّفي، ورفضٌ للأصل. من دون أيِّ مبرر شرعي.

وأمَّا التَّساؤل: ينطلق من أصلٍ ثابت، غايته الفهم أو زيادة اليقين، وهو حركة داخل دائرة الإيمان.

ويظهر هذا القسم بوضوح في قصَّة نبيِّ الله إبراهيم (عليه السلام) في قول الله (تبارك وتعالى): (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(8)؛ فقد دلَّت الآية على أنَّ السُّؤال لم يكن شكًّا في أصل الإيمان، وقد فسَّرت الرِّوايات الشَّريفة هذا المعنى بدقَّة؛ "عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الْعَبْدِ الصَّالِحِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أُخْبِرُهُ أَنِّي شَاكٌّ، وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ)، وَأَنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرِيَنِي شَيْئاً. فَكَتَبَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إلَيْهِ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ مُؤْمِناً، وَأَحَبَّ أَنْ يَزْدَادَ إِيمَاناً، وَأَنْتَ شَاكٌّ، وَالشَّاكُّ لَاخَيْرَ فِيهِ"(9). وهذا يؤكِّد أنَّ الشَّك المعرفي، متى كان دافعه البحث والتَّحقيق، يُعدُّ وسيلةً معرفيَّة مشروعة للوصول إلى اليقين، لا حالةً مذمومة في ذاتها.

لذلك، من الضَّروري التَّمييز بين الحالتينِ حتَّى لا نقع في أخطاء تنتهي إلى تصنيفات غير دقيقة، كما أنَّ هذا التَّمييز يحمي باب البحث من الإغلاق أمام شبابنا وجيلنا المعاصر، ممَّا يضمن استمرار الحوار والتَّعلم.

 القسم الثَّاني: الشَّك الوسواسي

 وهذا النَّوع من التَّساؤل منشأه الشَّيطان ووساوسه، وهو ما يُعرف في المصطلح الفقهي بـ(الوسواس، ويعود منشأ هذا النَّوع من الوسواس في البداية إلى الجهل بالأحكام الشَّرعيَّة، ثمَّ يتطوَّر مع الوقت نتيجة لعدم التَّصحيح أو التَّوضيح. كما قد يكون سببه تصورات خاطئة لدى الإنسان ناتجة عن سوء فهم للأحكام الشَّرعيَّة، ممَّا يفضي إلى تعقيد المشكلة وزيادة الوساوس.

ومن يتدبر في النُّصوص الشَّريفة سيجد أنَّ هذا القسم حالةٌ مرضيَّة لا معرفيَّة، منشؤها الخلل النَّفسي وتسلُّط الشَّيطان، لا نقص الدَّليل. قال الله (تعالى): (مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ* ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ)(10)، وفي موضع آخر: (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)(11)؛ إذ تشير الآيات المباركة إلى أنَّ هذا النَّوع من الشَّك لا يستند إلى حجَّة عقليَّة؛ بل إلى الإيحاء والتَّخويف. وفي الرِّوايات الشَّريفة ورد عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) في علاج الوسوسة: "لا تُعَوّدوا الخبيثَ مِن أنفسكم نقضَ الصَّلاة فتُطْمِعوه، فإنَّ الشَّيطانَ خبيث معتاد لِما عُوّدَ، فلْيَمْضِ أحدُكم في الوَهْمِ، ولا يُكْثِرَنَّ نَقْضَ الصَّلاة، فإنَّه إذا فَعَلَ ذلك مرَّاتٍ لم يَعُدْ إليه الشَّكُّ... ثمَّ قال (عليه السلام): إنَّمَا يُريدُ الخبيثُ أنْ يُطاعَ، فإذا عُصِيَ لم يَعُدْ إلى أحدِكُم"(12). وهو توجيه عمليٌّ ومنه الفتوى الفقهيَّة القاضية ببناء العمل على الصِّحة، وتجاوز الشُّكوك، باعتبار أنَّ الاستجابة لها تنتهي إلى تفاقمها لا إلى حلِّها.

القسم الثَّالث: الشَّك التَّضليلي

وهذا يتمثَّل في خلق حالة من التَّردد أو الشَّك من دون وجود مبرِّر حقيقي؛ أي: تعمد افتعال الشَّك والتردُّد، ثمَّ تسويقه ونشره بين النَّاس، وهذه الظَّاهرة تُعدُّ من أعظم المصائب التي تعاني منها المجتمعات البشريَّة، لما لها من تأثير سلبي على استقرار الفكر والعقيدة.

 إنَّ ظاهرة التَّشكيك لا تقتصر على القضايا الدِّينية فقط، وتمتدُّ إلى العديد من المجالات. وقد تحوَّلت هذه الآفة إلى حرفة وصناعة، تُستخدم كأداة للمواجهة بين المذاهب والفئات والفرق، بهدف زعزعة عقائد الآخرين وإضعاف ثقتهم. وفي بعض الأحيان، تصبح وسيلة لجني الأموال، ممَّا يكشف عن أبعادها الخطيرة وآثارها المدمرة على المجتمعات، وفي الواقع فإنَّ مسألة التَّشكيك هي قضية قديمة عانى منها المسلمون على مرِّ التَّاريخ أشدَّ المعاناة. فقد واجهت الأمَّة الإسلاميَّة عبر العصور محاولات متكرِّرة لإثارة الشُّكوك حول عقائدها ومبادئها، ممَّا شكَّل تحديًّا دائمًا لوحدة المجتمع وثبات إيمانه.

ومن الشَّواهد على هذا النَّمط من التَّشكيك ما نبَّه إليه القرآن الكريم وحذَّر منه بلغةٍ واضحة، فقال الله (سبحانه): (وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)(13)، وقال (عزَّ وجلَّ) أيضًا: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)(14)؛ حيث تكشف هذه الآيات الكريمة عن وجود فعلٍ واعٍ ومقصود لتشويش الحقِّ وتسويق الباطل في صورة تساؤلات أو إشكالات ظاهرها البحث وباطنها الإفساد. وفي هذا السِّياق، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّه، ويَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالًا عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّه، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ، لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، ولَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ، انْقَطَعَتْ عَنْه أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، ولَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ ومِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِه، ويَنْجُو (الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ)(15)"(16). وبيان هذه الدرَّة العلوية: "لمَّا كان انتظامُ هذا العالم قائمًا على أساسٍ راسخٍ من الشَّرائع والسُّنن الإلهيَّة، بوصفها الأطر النَّاظمة لحركته، والمبادئ التي تضبط توازنه المعرفي والسُّلوكي، كان من الطَّبيعي أن يُفضي كلُّ خروجٍ عنها، سواء تمثَّل في آراءٍ مستحدثة لا تستند إلى أصلٍ معتبر، أو في أهواءٍ يُتَّبع فيها الميل دون ضابطٍ عقلي أو شرعي، إلى حالةٍ من الاضطراب العام، تُمهّد لظهور النِّزاعات، وتفتح المجال لانتشار الفتن. ذلك أنَّ البناء الفكري حين يفقد مرجعيته الصَّحيحة، يتحوَّل إلى بيئةٍ خصبةٍ للتَّنازع والتَّشظِّي.

واستنادًا لهذا، يكشف قوله (عليه السلام): "فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ، لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ"، عن العلَّة العميقة وراء انجذاب النَّاس إلى الآراء المنحرفة، وهي ظاهرة امتزاج الحقِّ بالباطل. فالمشكلة لا تكمن غالبًا في الباطل الخالص؛ إذ إنَّ انكشافه لا يتطلَّب جهدًا كبيرًا، وسرعان ما يتبيَّن تهافته لمن يملك أدنى درجات النَّظر. غير أنَّ الإشكال الحقيقي يظهر حين يُقدَّم الباطل في قالبٍ مشوبٍ بشيءٍ من الحقِّ، فيلتبس الأمر على المتلقِّي، ويصعب عليه التَّمييز، خصوصًا إذا لم يمتلك أدوات النَّقد والتَّحليل.

وفي المقابل، لو كان الحقُّ متميِّزًا بصفائه، منفصلًا عن شوائب الباطل، لظهر جليًّا لا لبس فيه، ولما وجد المعاندون سبيلًا إلى التَّمويه أو المجادلة، فإنَّ وضوح الحقيقة في هذه الحالة يغلق أبواب التَّأويل المنحرف، ويجعل من إنكارها موقفًا مكشوفًا لا يستند إلى مبرِّر.

أمَّا استعمال لفظ "الضغث" -وهو في الأصل الحزمة المختلطة من الحشيش ونحوه- فقد جاء على سبيل الاستعارة الدَّقيقة، ليعبِّر عن حالة الامتزاج بين عناصر متباينة من الحقِّ والباطل، بحيث يتعذَّر فصل أحدهما عن الآخر بسهولة. وهذه الصُّورة البلاغيَّة تعكس بعمق طبيعة الخطاب الملتبس الذي يُقدَّم للناس، حيث يُدرج جزءٌ من الحقيقة في سياقٍ مُشوَّه، فيُفضي ذلك إلى تضليل المتلقِّي.

وفي مثل هذه الحالات، تتعاظم قابلية التَّأثر بالانحراف؛ لأنَّ الشَّيطان يجد مجالًا أوسع للهيمنة على من أسلم نفسه لذلك، فيزيِّن له اتِّباع تلك الأطروحات، ويُضفي عليها طابع القبول، مستندًا إلى ما فيها من شواهد جزئيَّة صحيحة تُخفي ما وراءها من خلل. وعلى النَّقيض من ذلك، ينجو من هذا الالتباس من حظي بعناية إلهيَّة مكَّنته من امتلاك القدرة على التَّمييز الدَّقيق بين الحقِّ والباطل، فيدرك مواضع الخلل، ولا ينخدع بالمظاهر الخادعة.

وخلاصة القول: إنَّ الخطر المعرفي الأكبر لا يتمثَّل في الباطل الصَّريح، بقدر ما يكمن في الباطل المموّه بثوب الحقِّ، إذ هو الذي يربك الوعي، ويشوّش معايير الحكم، ويجعل الانحراف يبدو في صورة مقبولة، الأمر الذي يستدعي يقظة فكريَّة، قائمة على الفحص والتَّحليل، لا على التَّسليم والانقياد"(17).

ومن مجموع هذه النُّصوص يتَّضح أنَّ الشَّريعة فرَّقت بوضوح بين الشَّك الذي يُعدُّ أداةً معرفيَّة للوصول إلى اليقين، والشَّك الذي يُعدّ مرضًا نفسيًّا يجب علاجه، والشَّك المصطنع الذي يُراد به هدم العقائد وبثّ الاضطراب في وعي الفرد والأمَّة، وهو تمييز بالغ الأهميَّة في ضبط الخطاب الفكري وحماية مسار البحث من الانحراف أو الاستغلال.

المحور الثَّاني: علامات المشكِّك

العلامة الأولى: طرح الشُّبهات خارج الإطار التَّخصُّصي

تُشير هذه العلامة إلى نمطٍ في إثارة الشُّبهات يقوم على تجاوز القنوات العلميَّة المعتمدة، وذلك عبر عرض التَّساؤلات في أوساطٍ عامَّة تفتقر إلى أدوات التَّحليل والمعالجة، بدل توجيهها إلى أهل الاختصاص القادرين على دراستها ضمن سياقها المعرفي المناسب. ويؤدّي هذا الأسلوب إلى إرباك المتلقِّين، وإحداث حالةٍ من الاضطراب الفكري، نتيجة طرح قضايا معقَّدة في بيئةٍ لا تمتلك القدرة على تفكيكها أو تقييمها.

إنَّ طبيعة القضايا العقديَّة والفكريَّة تستلزم معالجتها ضمن إطارٍ علميٍّ منضبط، يعتمد على أدواتٍ منهجيَّة ومعايير دقيقة في الفهم والاستدلال. وعند عرض الشُّبهة على المختصِّين، فإنَّها تخضع لعمليَّة تحليلٍ تقوم على فحص المقدِّمات، وتحديد مواضع الخلل، وبيان أوجه التَّناقض إن وُجدت، مع تقديم تفسيرٍ علميٍّ يستند إلى الأدلَّة والبراهين. وهذا المسار كفيلٌ بكشف مواطن الضعف في كثير من الإشكالات، وإعادة ترتيبها ضمن سياقٍ معرفيٍّ واضح.

العلامة الثَّانية: الاستمرار في إثارة الشُّبهة على الرَّغم من قيام الحجَّة

تتمثَّل هذه العلامة في إصرار المشكِّك على إعادة طرح التَّساؤلات ذاتها، أو ما يماثلها مضمونًا، بعد عرض الأدلَّة وبيان وجوه الاستدلال بصورةٍ كافية. فالتكرار هنا يظهر بوصفه سلوكًا يعيد إنتاج الإشكال من دون التَّفاعل مع الجواب أو البناء عليه، ممَّا يُضعف الطَّابع المعرفي للحوار.

إنَّ المسار الطَّبيعي للباحث عن الحقيقة يقتضي الانتقال من مرحلة الشَّكّ إلى مرحلة المراجعة، ثمَّ إلى تبنِّي موقفٍ جديد يتناسب مع ما ثبت لديه من أدلَّة. أمَّا حين يستمر طرح الشُّبهة بعد قيام الحجَّة، مع تجاهلٍ لمضمون الجواب أو القفز عليه، فإنَّ ذلك يكشف عن خللٍ في آليَّة التلقِّي، أو عن حضور دافعٍ غير معرفي يوجّه مسار النقاش.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النَّمط من السُّلوك في قوله (تعالى): (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ)(18)؛ إذ يجتمع الإدراك النَّفسي مع الرَّفض الظَّاهري، بما يدلُّ على انفصال الموقف المعلن عن القناعة الكامنة. كما يُفهم من ذلك أنَّ استمرار الإنكار بعد تبيُّن الحقِّ يرتبط بعوامل أخرى تتعلَّق بالإرادة أو الموقف المسبق.

العلامة الثَّالثة: الطَّعن في مصادر المعرفة والانتقاص من المرجعيَّات العلميَّة

تتمثَّل هذه العلامة في اتِّجاهٍ يسعى إلى إضعاف الأسُس التي يستند إليها البناء المعرفي والدِّيني في وعي المجتمع، عن طريق التَّشكيك في مصادره الرَّئيسة، كالقرآن الكريم، وتراث المعصومين (عليهم السلام)، وموقع العلماء والفقهاء بوصفهم وسائط للفهم والتَّبيين. ويتَّخذ هذا الأسلوب في كثير من الأحيان صيغة التَّقليل من القيمة، أو إثارة الشُّكوك العامَّة، أو تعميم الأخطاء، بما يُفضي إلى زعزعة الثِّقة بهذه المرجعيّات.

وقد نبَّه القرآن الكريم إلى خطورة هذا المسار عن طريق التَّحذير من زعزعة المرجعيَّة الحقَّة أو التَّشكيك بها، كما في قوله (سبحانه وتعالى): (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) (19)، حيث يُفهم من الآية أنّ هناك سعيًا لإطفاء منابع الهداية والتَّشويش عليها. 

المحور الثَّالث: كيفيَّة التَّعامل مع المشكِّك

هنالك مجموعة من القواعد العلميَّة لا بدَّ أن نطبقها مع المشكِّك؛ أهمّها:

1. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة التشكيك

 ويقتضي هذا المبادرة إلى بيان الحقيقة وتوضيحها بأسلوبٍ علميٍّ منضبط، يهدف إلى إزالة الشُّبهة وإيصال المعلومة الصَّحيحة إلى المخاطَب، دون اللجوء إلى مجاملةٍ غير مبرّرة أو إضفاء مكانةٍ اعتباريّة قد تُفسَّر بوصفها إقرارًا ضمنيًّا بما يطرحه. وفي هذا المجال، ورد عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "مَنْ مَشَى إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ فَوَقَّرَهُ فَقَدْ مَشَى فِي هَدْمِ الْإِسْلَامِ"(20). في إشارةٍ إلى خطورة إضفاء الشَّرعيَّة الاجتماعيَّة على الخطاب المنحرف.

 ويُفهم من ذلك أنَّ الخطوة الأولى تتمثَّل في إقامة الحجَّة وطرح البيان بصورةٍ واضحة، بما يتيح للمشكِّك فرصة مراجعة موقفه في ضوء الدَّليل. غير أنَّ استمرار التَّشكيك بعد وضوح البرهان يغيِّر من طبيعة التَّعامل؛ إذ تنتقل المعالجة من مرحلة البيان إلى مرحلة الضَّبط الاجتماعي، وذلك من خلال الحدِّ من التَّفاعل الذي يمنحه مساحةً للتَّأثير. وقد أشارت النُّصوص الرِّوائيّة إلى التَّحفّظ من مجالسة من يتبنَّى الشُّبهات ويُصرُّ عليها، لما قد يترتَّب على ذلك من انتقال الإشكال إلى الآخرين أو إضعاف حالة الاستقرار الفكري في المجتمع.

2. التَّصدِّي لإظهار العلم بحسب القدرة والتَّخصُّص

 يندرج إظهار العلم في مواجهة الشُّبهات ضمن إطارٍ تكليفيٍّ يتوزَّع بحسب القدرة والتَّخصّص، بحيث ينهض كلُّ فردٍ بدوره في حدود ما يمتلكه من أدواتٍ معرفيَّة وكفاءةٍ علميَّة. فلا يُطلب من غير المختصّ الخوض في التَّفاصيل الدَّقيقة، كما لا يُعذر صاحب الاختصاص في ترك موقعه عند الحاجة إلى البيان. وبهذا يتشكَّل فضاءٌ تكامليٌّ تتوزَّع فيه الأدوار بين مستويات مختلفة من الخطاب، تتراوح بين التَّبسيط العام والمعالجة التَّحليليَّة المتخصِّصة.

وفي هذا المجال، تتقدَّم النخب العلميَّة والبحثيَّة بوصفها الطَّرف القادر على تفكيك الشُّبهات ضمن أطرها المنهجيَّة، من خلال الكتابة العلميَّة، والشَّرح المنظَّم، وتفسير القضايا الإشكاليَّة وفق قواعد الاستدلال. 

وقد ورد في الحديث الشَّريف عن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): "إذا ظَهَرتِ البِدعُ فعلَى العالِمِ أن يُظهِرَ عِلمَهُ، فإنْ لَم يَفعلْ سُلِبَ نورَ الإيمانِ"(21). وهو نصٌّ يُبرز خطورة كتمان العلم في سياق انتشار الانحراف، ويُشير إلى أنَّ السُّكوت في موضع البيان يفضي إلى خللٍ في الوظيفة العلميَّة ذاتها. ويُفهم من ذلك أنَّ إظهار العلم ممارسةٌ لازمة في لحظات الاضطراب الفكري، تُسهم في إعادة ضبط المفاهيم وتوجيه النِّقاش ضمن مساره الصَّحيح.

3. التَّمييز بين أنماط المشكِّكين

 ينطلق التَّعامل المنهجي مع ظاهرة التَّشكيك من مرحلةٍ تشخيصيّة دقيقة، تقوم على تحليل طبيعة الشَّكّ وتحديد منطلقاته المعرفيَّة والنَّفسيّة، بدل افتراض تجانسه بين الأفراد. فالتَّعامل بخطابٍ واحد مع حالاتٍ متباينة ينتهي إلى نتائج محدودة، وقد يفاقم الإشكال بدل معالجته. 

 وقد عرض القرآن الكريم هذا التَّعدُّد في أنماط التَّلقِّي والتَّفاعل مع الخطاب الدِّيني؛ إذ يقول (تعالى): (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)(22)، وهو نمطٌ يتَّسم بالمجادلة المنفصلة عن الأساس المعرفي، ويغلب عليه طابع الجدل أو العناد، في مقابل قوله (سبحانه): (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)(23)، حيث يُشير إلى فئةٍ تتَّسم بالاستماع، وهو مدخلٌ أقرب إلى إمكان الفهم والتَّأثُّر، وإن لم يبلغ درجة القبول بعد. ويكشف هذا التَّقابل القرآني عن تباينٍ في الاستعدادات الذهنيَّة والاتِّجاهات النَّفسيَّة، ما يستدعي اختلافًا في طبيعة الخطاب الموجَّه، من حيث درجته، وأسلوبه، وأدواته.

4. إدارة الحوار بمنهجٍ هادئٍ 

 تقوم استراتيجيَّة إدارة الحوار على أساس التَّوازن بين الحزم والليونة، مع الالتزام بأسلوبٍ هادئ يحافظ على كرامة الطَّرف الآخر ويتيح المجال لتبادل الأفكار من دون إحراج أو تصعيد. ويؤكِّد القرآن الكريم على هذا المنهج في قوله (سبحانه): (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)(24)، حيث تبرز الآية المباركة أهميَّة تقديم الحقِّ بطريقة تراعي قدرة المستمع واستعداده للتلقي، بعيدًا عن أساليب الإكراه أو الاستفزاز.

 كما يمثِّل أسلوب الاستفهام أداة فعَّالة في إدارة الحوار، فإنَّه يمكِّن من توجيه التَّفكير بشكل غير مباشر، ويحفِّز المتلقي على مراجعة قناعاته من دون مواجهة صريحة أو فرض رأي. ويظهر هذا النَّهج من خلال الاستفهام، كما في قوله (جلَّ جلاله): (أَفَلَا يَعْقِلُونَ)(25) و(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ)(26)، فالسُّؤال يطرح بهدف إيقاظ العقل وتوجيهه إلى التَّفكُّر في الحقائق والوقائع، بدل الاكتفاء بالجواب المباشر.

 ويستند هذا الأسلوب إلى مبدأ أساسي: أنَّ العقل حين يُستثار بالأسئلة المنهجيَّة يكون أكثر استعدادًا لإعادة النَّظر في المعتقدات، ومقارنة ما يُقدَّم له من حجج بالواقع والضَّوابط العقليَّة. كما أنَّ الأسئلة تُتيح توجيه الحوار بطريقة دقيقة، تمكِّن المخاطَب من الوصول إلى إدراكه الخاص، ما يعزز من قبوله للحقِّ بطريقة طبيعيَّة، ويقلل مقاومة الرَّفض أو التَّعنُّت. 

5. تقديم البديل المعرفي بعد نقض الشُّبهة

 ينطوي التَّعامل الفاعل مع الشُّبهات على تجاوز مرحلة تفنيدها إلى تقديم رؤية معرفيَّة متكاملة تعالج الفراغ الذي قد يتركه تفنيد الباطل لدى المتلقي. فالقرآن الكريم يبيِّن أنَّ نقض الشُّبهة لا يكتمل إلَّا بترسيخ الحقِّ بديلًا عنها، كما في قوله (تعالى): (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)(27)، ما يعكس مبدأ أساسيًّا: أنَّ الحقَّ يجب أن يُقدَّم بطريقة متماسكة وواضحة، بحيث يستوعبها العقل ويقنع القلب، بدل الاكتفاء بالإشارة إلى ضعف الشُّبهة.

 ويستند هذا المنهج إلى فكرة أنَّ الفراغ المعرفي يمكن أن يكون أرضًا خصبة لإعادة إنتاج الشَّك أو الانحراف؛ لذا، فإنَّ البناء الفكري المقدَّم بعد تفنيد الشُّبهة يشمل عرض الأدلة، وتوضيح الأصول، وربط المعارف ببعضها بطريقة متسلسلة، ما يساعد في تمكين المتلقي من رؤية الصُّورة الكاملة للحقائق. كما يتيح هذا الأسلوب للمتلقي الانتقال من حالة الالتباس إلى فهم منهجي، يُمكِّنه من التَّمييز بين الصَّواب والخطأ، ويضمن أن يكون الوعي النَّاتج مبنيًا على أساس علميٍّ متكامل، لا مجرَّد رفض سلبي للباطل.

 إنَّ الشَّك ليس على درجة واحدة، ولا يحمل حكمًا واحدًا، ويتفاوت بتفاوت مناشئه ودوافعه وآثاره. فالشَّك المعرفي يمثِّل مرحلةً طبيعيَّة في مسار البحث عن الحقيقة، متى التزم بضوابط الدَّليل وصدق القصد، بينما الشَّك الوسواسي حالة مرضيَّة تستوجب العلاج والتَّجاوز، لا الاستجابة والانقياد. وأمَّا الشَّك التَّضليلي، فهو أخطرها جميعًا؛ لأنَّه يُصاغ عمدًا ليُربك العقول، ويُضعف الثَّوابت، ويحوّل التَّساؤل من أداة بناء إلى وسيلة هدم.

ومن هنا، فإنَّ التَّعامل مع ظاهرة التَّشكيك لا يكون بالعاطفة ولا بالقمع، كما لا يكون بالانبهار أو التَّهوين؛ وإنَّما بمنهجٍ متوازن يجمع بين وضوح الحجَّة، وحكمة الخطاب، وحماية المجتمع من الفوضى الفكريَّة. فحفظ الدِّين لا يعني إغلاق باب السؤال، كما أنَّ فتح باب السُّؤال لا يبرِّر تسويق الشُّبهات بين غير المختصين. وبين هذينِ الحدَّينِ، تتحدَّد مسؤوليَّة العلماء والمثقفينَ والدُّعاة في صيانة الوعي، وكشف زيف التَّشكيك، وإعادة الثِّقة بالمنهج العلمي الرَّصين، ليبقى العقل ناقدًا، مطمئنًا، غير قابلٍ للاختطاف الفكري ولا للانهيار.

.............................................

الهوامش:

1. سورة يونس/ الآية: 39.

2. معجم مقاييس اللغة: ج3، ص173.

3. المفردات في غريب القرآن: ص265.

4. المصدر نفسه: ج4، ص168.

5. المصدر نفسه: ج4، ص170.

6. المصدر نفسه.

7. إقبال الأعمال: ج2، ص139.

8. سورة البقرة/ الآية: 260.

9. الكافي (دار الحديث): ج4، ص167.

10. سورة الناس/ الآيتان: 4-5.

11. سورة آل عمران/ الآية: 175.

12. الكافي (دار الحديث): ج6، ص278.

13. سورة آل عمران/ الآية: 169.

14. سورة البقرة/ الآية: 42.

15. سورة الأنبياء/ الآية: 101.

16. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص88.

17. ينظر: اختيار مصباح السالكين: ص158.

18. سورة النمل/ الآية: 14.

19. سورة الصف/ الآية: 8.

20. ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: ص258.

21. علل الشرايع: ج1، ص236.

22. سورة الحج/ الآية: 8.

23. سورة يونس/ الآية: 25.

24. سورة النحل/ الآية: 125.

25. سورة يس/ الآية: 68.

26. سورة محمد/ الآية: 24.

27. سورة يونس/ الآية: 32.

اضف تعليق