الدورة الاقتصادية تدور دورتها، والمؤشرات تقول إننا في بداية «دورة كبرى» للسلع. الأسواق المالية تعيش حالة من الإنكار، وتتجاهل حقيقة أن البنية التحتية للعالم تحتاج إلى إعادة بناء. عندما تخاف الأسواق، يبيع الأفراد. وعندما تتغير الحقائق، تشترى المؤسسات الذكية. السؤال ليس هل ستعود السلع للواجهة أم لا.. السؤال هو...

الأرقام لا تكذب هل تعلم ما هو الفارق بين الوهم والحقيقة فى أسواق المال اليوم؟ إنه رقم واحد: 3%. في ذروة الدورة الاقتصادية الكبرى السابقة (Commodity Supercycle)، كانت المحافظ الاستثمارية العالمية تخصص حوالى 12% من أصولها للسلع (Commodities).، أما اليوم؟ نحن نجلس عند مستوى 3% فقط. هذه الفجوة الهائلة (75% انخفاض) ليست مجرد «فرصة شراء» عابرة. إنها قنبلة موقوتة، وفراغ لابد أن يمتلئ. وإذا كنت لا تنتبه لعودة «الاقتصاد القديم»، فأنت تفوت أكبر تحول فى الاقتصاد الكلى (Macro Shift) لهذا العقد.

الخديعة الكبرى: الكفاءة مقابل السيادة

لعقود طويلة، طارد الغرب سرابًا يسمى «هوامش الربح الأعلى». قاموا بنقل قواعدهم الصناعية إلى الصين وآسيا بحثًا عن العمالة الرخيصة. كانت الصفقة بسيطة: نعطيك مصانعنا، وتعطينا بضائع رخيصة. لكن الثمن الحقيقى لم يكن المال.. كان «الاستقلال». نحن الآن نستيقظ على تكلفة هذه المقايضة. هل تذكرون أزمة النفط فى السبعينيات؟ لم تكن الأزمة فى «نقص النفط» بحد ذاته، بل فى «الوصول إليه». عندما أغلقت أوبك الصنبور، أدرك العالم أن من يملك المادة الخام يملك القرار.

الصين: مفاتيح المملكة الجديدة اليوم، التاريخ يعيد نفسه، ولكن بشكل أعنف. الصين لا تملك النفط فقط، بل تملك مفاتيح كل شيء. سواء كنا نتحدث عن الصناعات الدفاعية، السيارات الكهربائية (EVs)، أو حتى الهاتف الذكى الذى تقرأ منه هذا المقال.. كل شيء يعمل بفضل عمليات التعدين والمعالجة التى تسيطر عليها الصين.

الحقيقة القاسية التى يتهرب منها السياسيون فى الغرب: بإمكان أمريكا أن تطبع كل الأموال التى تريدها.. لكن هذه الأموال تصبح بلا قيمة إذا رفضت الصين بيع المواد الخام اللازمة للحياة.

المفارقة العجيبة: الاقتصاد الجديد يحتاج صخورًا

هنا تكمن السخرية القدرية فى هذا العصر. نحن نتحدث ليل نهار عن «الاقتصاد الجديد» (الذكاء الاصطناعى، التكنولوجيا الخضراء، الرقائق). لكننا نسينا قاعدة فيزيائية بسيطة: لا يوجد «وادى سيليكون» بدون نحاس، ليثيوم، وفولاذ. لبناء «الاقتصاد الجديد»، أنت تحتاج لكميات مهولة من «الاقتصاد القديم». الصين فهمت هذه المعادلة مبكرًا: سيطر على المصب (Downstream)، وستحكم المنبع (Upstream). التحول الكبير: العودة إلى الجذور نحن الآن نشهد تحولاً يائسًا ولكنه حتمى:

عودة النزعة القومية الصناعية: إعادة المصانع إلى الأوطان (Reshoring) لم تعد خيارًا، بل ضرورة أمن قومى.

تخزين المعادن الاستراتيجية: الدول بدأت تتكالب على المواد الخام كما تتكالب الأفراد على الخبز وقت الأزمات.

إعادة بناء الشبكات: نحن بحاجة لشبكات كهرباء جديدة، ومصانع تكرير جديدة.. وهذا يعنى طلبًا هائلاً على السلع لسنوات قادمة.

الخلاصة

الدورة الاقتصادية تدور دورتها، والمؤشرات تقول إننا في بداية «دورة كبرى» للسلع. الأسواق المالية تعيش حالة من الإنكار، وتتجاهل حقيقة أن البنية التحتية للعالم تحتاج إلى إعادة بناء. عندما تخاف الأسواق، يبيع الأفراد. وعندما تتغير الحقائق، تشترى المؤسسات الذكية. السؤال ليس هل ستعود السلع للواجهة أم لا.. السؤال هو: هل محفظتك مستعدة لهذا التحول؟ أم أنك لا تزال تراهن على أوراق النقد التى تتآكل قيمتها أمام «الأصول الحقيقية»؟

اضف تعليق