تساعد إيرادات النفط الاستثنائية بعض دول الخليج على سداد ديون وتوفر التمويل لدول أخرى من أجل تنويع اقتصاداتها المعتمدة على النفط، لكنها أيضا تختبر التزاماتها بانضباط المالية العامة، مع سعي الحكومات لحماية المواطنين من التضخم.

وتعهدت دول الخليج المنتجة للنفط بالتحلي بمزيد من الحصافة هذه المرة مع ارتفاع أسعار الخام بشدة، سعيا للاستفادة من دروس المرات الماضية التي شهدت زيادة هائلة في الإيرادات لكن سرعان ما تحولت إلى تقشف مالي وعجز شديد في الميزانية.

وتتجه دول الخليج الست، السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين وعمان، إلى تحقيق فائض في الميزانية، بعضها للمرة الأولى منذ عقود، بدعم من ارتفاع أسعار النفط وإصلاحات مالية على مدى سنوات.

وتوقع بنك جولدمان ساكس أن يؤدي الارتفاع الحالي في أسعار النفط العالمية إلى دعم الموازين المالية والخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي. وبالإضافة إلى ذلك، توقع أن تتحسن الأرصدة الخارجية لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2022، ورجح أن تجمع المنطقة تريليون دولار من الأصول الخارجية على مدى السنوات الثلاث المقبلة. كما توقع أن تسجل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الست فوائض مالية في عام 2022، في حال بلغ متوسط أسعار النفط 105 دولارات للبرميل هذا العام.

وتوقع أن تؤدي المكاسب غير المتوقعة من عائدات النفط إلى تجديد الاحتياطيات المالية وتقليل احتياجات الاقتراض للحكومات في المنطقة، في وقت أصبحت فيه شروط التمويل الخارجي مشددة. وتوقع زيادة الإنفاق خارج الميزانية، وزيادة ثقة المستهلك والأعمال، لدعم الانتعاش الاقتصادي في المنطقة هذا العام. كما اعتبر أن الارتفاع الحالي في أسعار النفط يمنح حكومات دول مجلس التعاون الخليجي فرصة لتسريع الجهود لتحويل وتنويع اقتصاداتها المعتمدة على الهيدروكربونات.

اختبار الانضباط المالي

ويرى محللون أنه يتوجب على هذه الدول التمسك بهذا النهج الحذر.

وتقول كارين يانج الباحثة لدى معهد الشرق الأوسط في واشنطن "إغراء العودة إلى الإنفاق المساير للدورة الاقتصادية حقيقي، لاسيما أن التعاقدات الحكومية تواصل قيادة النشاط الاقتصادي في الاقتصادات الكبيرة مثل السعودية".

وهناك بعض المؤشرات المشجعة. فقد خفضت السعودية والكويت والبحرين الإنفاق في الميزانيات الحالية، لكن الإمارات وقطر وسلطنة عمان تزيد الإنفاق. وقد تم إعداد معظم هذه الميزانيات قبل غزو روسيا لأوكرانيا، الأمر الذي ساعد في صعود النفط من مستوى أقل من 80 دولارا للبرميل في نهاية عام 2021 إلى أعلى من 100 دولار حاليا.

على نهج مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي

دفع ارتفاع أسعار النفط والضغوط التضخمية الأخرى البنوك المركزية في أنحاء العالم إلى رفع أسعار الفائدة، لاسيما مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي. ومع ربط عملات معظم دول الخليج بالدولار– باستثناء الكويت التي تربط عملتها الدينار بسلة عملات– تقتفي بنوكها المركزية أثر تحركات الاحتياطي الاتحادي إلى حد بعيد.

لكن التضخم في الداخل– حتى وإن لم يكن مرتفعا مثله في أي مكان آخر– شجع بعض هذه الدول، ومنها السعودية والإمارات، على زيادة الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعية لمساعدة المواطنين.

ويقول رافي بهاتيا المدير وكبير المحللين في ستاندرد آند بورز جلوبل للتصنيفات الائتمانية "التوقعات تشير إلى أن التضخم لن يخرج عن السيطرة، لكن هناك ضغوطا... لا أعتقد أنه سيمثل نقطة تحول فيما يتعلق بالمالية العامة".

وارتفع التضخم السنوي في الإمارات– الدولة الخليجية الوحيدة التي ليس لديها سقف لسعر وقود السيارات– إلى 3.3 بالمئة في الربع الأول من العام، وهو أعلى معدل منذ أغسطس آب 2018. وقفزت أسعار البنزين 60 بالمئة منذ فبراير شباط.

تحول في المدى البعيد

سعيا لخفض ضغوط الأسعار على المواطنين، وافقت الكويت– التي واجهت أزمة سيولة في عام 2020– على منحة مالية لمرة واحدة لأرباب المعاشات بإجمالي حوالي 600 مليون دينار (1.95 مليار دولار). كما خفضت عمان أسعار الكهرباء للأسر.

لكن دول الخليج تدرك بشكل متزايد أن تحول العالم على المدى البعيد عن استخدام الوقود الأحفوري يضع حدا لهذه المنحة النفطية، مما يمثل دافعا أكبر لها لزيادة الإنفاق من الإيرادات الاستثنائية لتنويع اقتصاداتها المعتمدة على النفط والغاز.

وأعدت السعودية والإمارات وعمان، على سبيل المثال، خططا لتطوير إنتاج الهيدروجين "الأخضر" الذي يُستخرج من شطر جزيئات الماء باستخدام الطاقة المتجددة.

كما تلعب صناديق الثروة السيادية دورا في زيادة نشاط الشركات الخاصة في اقتصادات اعتمدت لفترة طويلة على الإنفاق الحكومي كمحرك أساسي لها.

ويقول سكوت ليفرمور كبير الاقتصاديين في أكسفورد إكونوميكس إن الإنفاق على تنويع الاقتصادات بعيدا عن الاعتماد على النفط سيظل مرتفعا "لكن المجال الذي قد يتم فيه خفض الطموح هو تنويع الإيرادات المالية وتقليص التوظيف في القطاع العام".

وقالت السعودية- أكبر مصدر للنفط في العالم والتي سجلت فائضا بالميزانية 15.3 مليار دولار في الربع الأول من العام– إنها تسعى لفصل الإنفاق الحكومي عن تقلبات أسعار النفط.

وسيواجه هذا التعهد اختبارا بحلول سبتمبر أيلول مع إعلان البيان التمهيدي لميزانية عام 2023. وأعدت المملكة ميزانية قدرها 955 مليار ريال (254 مليار دولار) للعام الحالي، انخفاضا من 990 مليار ريال العام الماضي.

وتشير التوقعات إلى نقل جزء من فائض الميزانية المتوقع، وهو الأول الذي تحققه المملكة في تسع سنوات، إلى صندوق الاستثمارات العامة، وهو الصندوق السيادي الذي أعلن أنه سيستثمر تريليون ريال محليا بحلول عام 2025.

وتقول يانج "سنرى المزيد من الإنفاق على مشروعات تنمية محلية كبيرة، لاسيما تلك التي تدخل ضمن اختصاص صندوق الاستثمارات العامة، وأتوقع زيادة المطالب بالشفافية في ميزانيات تلك المشاريع".

متطلبات التمويل

قالت الإمارات في يونيو حزيران إنها تستهدف زيادة الإنفاق بنحو 1.23 مليار درهم (335 مليون دولار) في عام 2022، أو بزيادة أكثر من اثنين بالمئة عما كان متوقعا لهذا العام.

كما زادت سلطنة عمان الإنفاق، حيث رفعت الإنفاق بالميزانية الحكومية 12 بالمئة إلى 12.1 مليار ريال (31.4 مليار دولار) في عام 2022 مقارنة مع 2021، ورفعت ميزانية مشروعات التنمية بنسبة 22 بالمئة إلى 1.1 مليار ريال.

وبالنسبة لعُمان والبحرين، اللتين تتمتعان بثروات نفطية أقل بكثير من جيرانهما، فإن طفرة إيرادات النفط قد تخفف بعض ضغوط الديون.

وتقول مونيكا مالك كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري إن هذا سيساعدهما على المدى القصير، لكنها أضافت أن "متطلبات التمويل لديهما ستظل مرتفعة من أجل سداد الديون. هذا سيظل مشكلة خلال السنوات المقبلة".

وأعادت عمان شراء سندات بأكثر من 700 مليون دولار في يونيو حزيران، في تحرك قالت مؤسسة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني إنه "يدعم تحسين الأوزان". في الوقت ذاته قال صندوق النقد الدولي إن مستوى دين البحرين نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجع إلى 129 بالمئة في عام 2021 مقارنة مع 130 بالمئة عام 2020 ومن المتوقع أن يبلغ 116 بالمئة عام 2022.

وعدلت ستاندرد آند بورز نظرتها لتصنيف الكويت- التي لم تطرق باب أسواق الدين العالمية لسنوات- من سلبية إلى مستقرة بدعم توقعات مواتية لأسعار وإنتاج النفط، كما توقعت فائضا تراكميا في الميزانية بنسبة 18 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2022-2023.

وخلافا لجيرانها في منطقة الخليج، يُعد الغاز المحرك الرئيسي لاقتصاد قطر التي قد تساعد خططها لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال أوروبا الساعية إلى التخلص من الاعتماد على الغاز الروسي الذي يُضخ عبر الأنابيب.

وتتمتع الكويت وقطر وعمان والسعودية بأكبر قطاعات طاقة مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، على الترتيب، وقد تواجه أكبر تدهور في المالية العامة إذا أدى تباطؤ الاقتصاد العالمي إلى ضعف الطلب على الوقود.

وحتى وإن أبدى الاقتصاد العالمي مرونة أكبر، فإن الحملة العالمية للتحول بعيدا عن الوقود الأحفوري تظل مصدر قلق في المدى البعيد. وقال ألكسندر بيرجسي المحلل في مؤسسة موديز "الخطر الأكبر يتمثل في انهيار متواصل للطلب على النفط".

إيرادات إضافية متوقعة

من جهتها نقلت مجلة «غلوبال فاينانس» عن صندوق النقد الدولي توقعه بأن تحقق دول مجلس التعاون الخليجي إيرادات إضافية من ارتفاع أسعار النفط تصل إلى 1.4 تريليون دولار في السنوات الخمس المقبلة، ما يعني أن هذه البلدان ستتمتع بأعلى نمو اقتصادي تشهده منذ عقد من الزمن.

وحسب بارت كورنيليسن من شركة «ديلويت» فإن أي تقلب في أسعار الطاقة العالمية يؤثر على الوضع الاقتصادي بأكمله في بلدان مجلس التعاون التي لا تزال تعتمد في 60-70 في المئة من دخلها على النفط والغاز.

وذكرت المجلة أن الخبراء يتنبأون بأن يرتفع إجمالي الناتج المحلي في دول مجلس التعاون من 3.3 في المئة عام 2021 إلى 5.9 في المئة هذا العام.

ونقلت عن محمد داماك من وكالة ستاندرد آند بورز «S&P» قوله إن الإيرادات الحكومية الأعلى ستوفر للحكومات مجالاً أرحب لزيادة الإنفاق.

وتبقى قطر الأكثر تعرضاً للمخاطر بسبب الانكشاف المرتفع للبنوك القطرية للديون الخارجية، لكنها تتمتع بمصدات كافية إضافة لمنشآت الغاز المتطورة ومشاريع البنية التحتية الضخمة ونهائيات كأس العالم التي يتوقع أن تحقق إيرادات إضافية في المستقبل.

من جهة أخرى، تواجه دول مجلس التعاون النتائج المترتبة على التضخم المتصاعد نتيجة الحرب في أوكرانيا التي أدت الى اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاع في أسعار المواد الغذائية والأولية.

ووفقاً لعدنان الفضلي من «ديلويت»، فإن الأموال الطائلة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط هي سيف ذو حدين، فدول مجلس التعاون لن تستفيد لزمن طويل من هذه الأسعار المرتفعة بشكل غير قابل للاستدامة، لأن هذا الارتفاع سيبدأ بالعودة إلى الاقتصاد الكلي وفي نهاية المطاف إلى المستهلك.

ونقلت المجلة عن صندوق النقد الدولي توقعه بأن يبلغ التضخم ذروته عند مستوى 3.1 في المئة هذا العام بعد أن بلغ 2.2 في المئة عام 2021.

وتشكل أسعار الغذاء نقطة ضعف رئيسة في دول مجلس التعاون لأنها تستورد نحو 85 في المئة مما تستهلكه من المواد الغذائية.

ولكن «غلوبال فاينانس» تشير إلى أن هذه البلدان قادرة على تحمل العبء المالي الإضافي كما أن تجاربها السابقة دفعتها للبحث عن بدائل.

فبعد الارتفاع الحاد عام 2008 في أسعار المواد الغذائية اندفعت الإمارات والدول الأخرى في المنطقة إلى شراء أراضٍ زراعية في أفريقيا لتأمين مواردها الغذائية. وبالرغم من أن مناخها الصحراوي ليس مثالياً للزراعة، فإن دول مجلس التعاون تستثمر بقوة في تقنيات جديدة مثل الزراعة المائية والزراعة العمودية.

ويدفع كورنيليسن من «ديلويت» إلى تشجيع البلدان المنتجة للطاقة على إنفاق الأموال بحكمة، ليس على الاستهلاك بل على الاستثمار في إعادة هيكلة الاقتصاد وجعله أقل اعتماداً على الصادرات الهيدروكربونية.

ولفتت «غلوبال فاينانس» إلى أن بلدان مجلس التعاون عملت منذ سنوات على وضع خطط لعمليات تنويع اقتصادي ضخمة تتضمن الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وتعزيز نمو القطاع الخاص والأنشطة غير النفطية.

وأوردت مثالاً على ذلك مشروع مدينة «نيوم» الجديدة في السعودية بتكلفة 500 مليار دولار وعمليات البناء في قطر استعداداً لنهائيات كأس العالم بتكلفة 200 مليار دولار، وبرامج الإمارات لإنشاء مزارع الطاقة الشمسية ولارتياد الفضاء.

وخلصت المجلة إلى أنه لا أحد يعرف إلى متى ستبقى أسعار النفط مرتفعة، ولكنها ترى أن الجواب قد يتوقف على استمرار الصراع في أوكرانيا.

ارتدادات سلبية

حذرت «غلوبال فاينانس» من الارتدادات السلبية لأسعار النفط المرتفعة على بلدان مجلس التعاون في المدى الطويل.

وأوضحت أن مستوردي النفط يضعون التحول إلى الطاقة الخضراء على رأس أولوياتهم، ما سيجعل الوقود الأحفوري قليل الاستخدام في المدى الطويل، الأمر الذي سيؤدي بالتالي إلى حرمان البلدان المصدرة من أكثر إيراداتها.

اضف تعليق