اقتصاد - تقارير اقتصادية

مركز الفرات يناقش نتائج تعثر التحول الاقتصادي في العراق

في ملتقى النبأ الأسبوعي

ناقش مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية في ملتقى النبأ الأسبوعي موضوعا تحت عنوان (تعثر التحول الاقتصادي في العراق: إشكالات ومآلات) يوم السبت الموافق 3/آب/2019 بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام في كربلاء المقدسة، بمشاركة بعض الشخصيات الأكاديمية والحقوقية والإعلامية.

وكانت الورقة البحثية الاساسية في الملتقى من اعداد الباحث في المركز الاستاذ حامد عبد الحسين الجبوري، التي كان أبرز ما جاء فيها ما يلي: "إن إدارة أي مجال من مجالات الحياة لا يمكن أن تتم بيسر وسهولة إلا وفق نظام معين تحدد فيه الأهداف والوسائل والإمكانات والجهة المسؤولة عن تحقيق الأهداف ... ونظراً لما يشكله مجال الاقتصاد من أهمية كبيرة في معالجة المشكلة الاقتصادية أصبحت هناك مجموعة أنظمة اقتصادية تستهدف معالجة المشكلة الاقتصاد"

 وأضاف الجبوري "إن من هذه الأنظمة هي النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي والنظام المختلط، ولابد من التعرف على أبرز معالم النظام الاشتراكي والرأسمالي من أجل وعقد المقارنة فيما بينهم حتى تكون صورة التحول الاقتصادي واضحة فيما بعد، أما بالنسبة للنظام المختلط فهو يختص بجمع مزايا النظامين. من أبرز معالم النظام الاشتراكي الملكية العامة، تدخل الدولة، التخطيط المركزي وتقليص التفاوت الطبقي... ومن أبرز معالم النظام الرأسمالي الملكية الخاصة، حياد الدولة، السوق والمنافسة والربح، وبعد معرفة أبرز معالم النظامين فإن التحول الاقتصادي يعني التحول من معالم النظام الاشتراكي الى النظام الرأسمالي"

"إن التحول الاقتصادي في العراق هو تحول شكلي -مستدلاً على مجموعة أدلة أبرزها- امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج وأهما الأرض، هيمنتها على القطاع النفطي، امتلاك المصانع وتوقفها عن العمل ومساهمة القطاع العام أكبر من القطاع الخاص في التكوين الرأسمالي".

وركّز الباحث على مجموعة إشكاليات معتقداً إنها سبب تعثر التحول الاقتصادي وهي " التحول المزدوج (سياسي واقتصادي) والمفاجئ وليس التدريجي مما تسبب في تضخم الجرعة التي تلقاها المجتمع العراقي، غياب التحول الاجتماعي الذي ينبغي أن يسبق التحول السياسي والاقتصادي لان هذين الأخيرين قائمان على المجتمع بالأساس، ضعف المؤسسات مما تسبب في شيوع الفساد وسوء مناخ الاستثمار وتذبذب الاستقرار العام أخيراً، وادى كل ذلك لإحجام القطاع الخاص عن النشاط الاقتصادي وتخلف الجهاز المصرفي عن ممارسة وظيفته الأساسية المتمثلة في تعبئة المدخرات وإقراضها للمستثمرين في القطاع الخاص".

واختتمت الورقة بمجموعة مآلات نجمت عن تعثر التحول الاقتصادي وهي "تفاقم معدلات البطالة، تذبذب النمو الاقتصادي، انخفاض الاحتياطي الاجنبي، ضخامة الاكتناز، هجرة رؤوس الأموال العراقية إلى خارج البلد، تدهور البنية التحتية، وأخيراً الدين الخارجي".

ولمزيد من تسليط الضوء على الموضوع تم طرح السؤالين الآتيين:

السؤال الأول: ما هي أسباب تعثر التحول الاقتصادي؟

تأجيل التحول السريع نحو اقتصاد السوق 

-الدكتور حيدر حسين أحمد آل طعمة، التدريسي في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة كربلاء، والمدير التنفيذي لمركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية يعتقد بوجود عاملين أساسيين أسهما في إعاقة التحول الاقتصادي في الأمدين القصير والمتوسط وحتى في الأمد الطويل، العامل الأول: التأثير الحاد للمناخ السياسي على الوضع الاقتصادي وبالتالي هناك كبح للتحول السلس نحو اقتصاد السوق، بمعنى ان التحول من الاقتصاد المركزي نحو اقتصاد السوق يتطلب تقليص دور الدولة لكن بسبب الأوضاع السياسية هناك توسع في الدرجات الخاصة والهيئات وحتى في تشغيل الأيدي العاملة وهذا ما يتعارض مع التحول لاقتصاد.

أما العامل الثاني، أحادية الاقتصاد العراقي واعتماده على النفط، فوجود مورد يعين الدولة على القيام بمهامها أفضى باستمرار إلى تأجيل التحول السريع نحو اقتصاد السوق ووضع القطاع الخاص كقاطرة للنمو وتوليد فرص العمل على اعتبار ان المورد النفطي أسهم في تسيير الاقتصاد.

الإشكالية المركبة السياسية والأمنية

-الدكتور حسين احمد السرحان، رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية، يرى إن الإشكالية المركبة السياسية والأمنية هي السبب الرئيس لعرقلة التحول الاقتصادي، بعد عام 2003 اتجه العراق نحو التحول الديمقراطي لكن على مستوى الجانب الاقتصادي هناك تعثر قوي، وان ضغط المؤسسات الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) هي التي كانت وراء الخطوات البسيطة خصوصاً بعد موافقة هذه المؤسسات على جدول الديون العراقية عام 2004 وليس السلطات العراقية.

الجنبة الأساسية الأخرى، هي الأمن حسب صندوق النقد الدولي، فبدون أمن لا نستطيع العمل على التحول الاقتصادي، حتى علماء الاجتماع يشيرون إلى مسألة أهمية الأمن حيث يأتي بالمرتبة الثانية بعد الحاجات الفسلجية، فكانت الأولوية لطرد التنظيمات الإرهابية، ولذلك كانت هناك وقفة من المجتمع الدولي في إطار التحالف الدولي على الجنبة الاقتصادية في موضوع القروض وغيرها.

كوابح الاستقرار الاقتصادي

-الدكتور قحطان الحسيني، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية يذهب الى إن الاستقرار السياسي هو مقدمة إلى الاستقرار الاقتصادي ويؤدي بالنتيجة إلى التنمية الاقتصادية، فعدم الاستقرار السياسي والأمني أعطى للسياسيين والنخبة الحاكمة التفكير بالدرجة الأولى بالاستقرار الأمني وبالتالي هم أغفلوا تماماً مستندين في ذلك على الاقتصاد الريعي الذي وفر لهم إمكانية تمويل نشاطاتهم دون التخطيط الهادف والعلمي والمدروس لنهضة اقتصادية مؤثرة، فعدم الاستقرار السياسي يأتي بالدرجة الأساس كعامل كابح للنهوض الاقتصادي في العراق.

النقطة الثانية، هي الفساد المالي والإداري الواسع وهو مقدمة لكل إرباك اقتصادي في العراق، فلو افترضنا غياب او معالجة الفساد سوف يكون لنا منظرين اقتصاديين ينتقلون بالاقتصاد العراقي من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج بحكم امتلك العراق موارد كبيرة كالمواد الأولية والأيدي العاملة والعقول وغيرها.

سبب آخر، غلبة وهيمنة الإرادة الخارجية وهي من تتحكم في قرارات العراق الاقتصادية وذلك وفقاً لمصالحها، فأي تنمية اقتصادية في العراق يلحق الضرر بالدول المستفيدة من تخلف الاقتصاد العراقي على مستوى الطاقة، الإنتاج، الزراعة والصناعة وغيرها.

خوف وتخوف وخشية راس المال الخاص من الاستثمار في العراق حيث معروف إن رأس المال جبان بسبب عدم توفر البيئة المناسبة للاستثمار على صعيد القرارات الاقتصادية وعلى صعيد الشروط التي توضع وتكبل من حرية الاستثمار وتساهم في كبح كل نوايا ورغبات في الاستثمار داخل العراق، سواء كان راس المالي محلي او أجنبي، فنلاحظ هدف بعض القرارات هو ابتزاز المستثمر فتكون كابح ومانع للاستثمار.

التحول السياسي الفاشل

-الدكتور إيهاب علي النواب، تدريسي في جامعة أهل البيت، يرى فشل النظام السياسي قبل عام 2003 حيث عُقد مؤتمر لندن عام 2002 بحضور المعارضة السياسية والسفير الأمريكي زلماي خليل زاد، حيث لم يكن للمعارضة السياسية آنذاك إستراتيجية بديلة لإدارة الحكم في العراق والدليل هم جاؤوا من أجل السلطة كرد فعل انتقامي ضد نظام صدام، وأكبر خطأ أرتكب هو حل الجهاز العسكري والجهاز الأمني والإعلامي، وبما ان التحول السياسي تحول فاشل سيتبعه تحول فاشل نحو اقتصاد السوق.

جانب مهم جداً، ينبغي أن لا ننسى دور المجتمع في إفشال التحول السياسي والاقتصادي في العراق، لماذا؟ وذلك بحكم انسياق المجتمع الذي ينبغي أن يلعب دور المصحح، مع القوى السياسية في دمار البلد، بإدارة من قبل أهم المحركين للمجتمع هما الجهة الدينية والجهة العشائرية، حيث كان بإمكان هذين المحركين الأخذ بيد المجتمع نحو بر الامان.

القوانين غير صالحة

-الحقوقي احمد جويد، مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات يقول: إن إشكالية تحول الاقتصادي في العراق هو تقادم المنظومة التشريعية، أي ان القوانين التشريعية غير صالحة للتحول مع نظام يتماشى مع النظام السياسي الديمقراطية ولو ان الاستقرار السياسي غير موجود، بالإضافة إلى مسألة الفساد.

غياب الرؤية الاقتصادية الموحدة التي ينبغي ان ترسمها الحكومات، وبما ان الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 لم ترسم سياسات اقتصادية عامة بشكل جيد في مسارات التحول الاقتصادي فظلت الرؤية مشوشة وأسهمت في فشل التخطيط واستمرار تعثر التحول.

النزعة الاستهلاكية

-علي حسين عبيد، كاتب في مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام يعتقد ان إفشاء النزعة الاستهلاكية بين الأفراد من خلال تحول المواطن من مواطن منتج إلى مواطن مستهلك. وهذا مخطط مرسوم، والدليل تعطيل جميع المصانع العراقية التي كانت تعمل سابقاً بالمقابل إن الحكومة ما بعد 2003 لم تبني مصنعاً واحداً، بالإضافة إلى محاربة القطاع الخاص أو تهميشه أو الحد من إمكانياته, وهذا كله تخطيط مسبق لجعل المجتمع العراقي مجتمع مستهلك فقط.

التحول الااقتصادي رهن بطبيعة النخب

-الدكتور خالد العرداوي مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية يقول: ان قيادة السياسة لإجراء التحول الاجتماعي والاقتصادي هو حالة استثنائية كحالة كوريا الجنوبية وهذه تتعلق بطبيعة وظروف المجتمع ونخبة النظام السياسي لكن ليس كل المجتمعات مثل كوريا الجنوبية، فالحالة الطبيعية هي إجراء التحول الاقتصادي والاجتماعي ثم يأتي التحول السياسي ليؤطر التحول الاقتصادي والاجتماعي، فالتحول الاقتصادي والاجتماعي يسبق التحول السياسي.

فالتحول نحو اقتصاد السوق في أوربا سبقه تحول اجتماعي عندما أصبحت الطبقة البرجوازية هي التي تقود المجتمع بدل الطبقة الإقطاعية وعندما أصبح المحرك البخاري هو البديل للنول اليدوي وعندما تحول الاقتصاد من زراعي الى صناعي شيئاً فشيئاً، فهذه التحولات أخذت وقتاً طويلاً ثم جاء التحول السياسي.

الحكومات والنخب السياسية في الشرق الأوسط تحاول في الغالب ان تهيمن على الفضاء الاقتصادي والاجتماعي، وهذا ما يجعل أي تحول اقتصادي أو اجتماعي هو رهن بطبيعة النخبة السياسية، فإذا كانت النخبة فاشلة ولا تملك الرؤية في الوحدة اتخاذ القرار وتقدم المصالح الخاصة على مصالح شعوبها ومجتمعاتها بالنتيجة هذا سينعكس على طبيعة التحول الاقتصادي والاجتماعي.

في العراق اليوم ليس المجتمع غير مؤهل للتحول لا اليوم النخب السياسية في العراق بحد ذاتها غير مؤهلة لقيادة التحول الاقتصادي والاجتماعي وهذه مشكلة خطيرة، فهل من المعقول إن لا تستطع الدولة اليوم أن تلغي قرار ملكية الأرض التابعة لها البالغة 80%؟! وهذا ما يعني إن الدولة لا تريد الحرية للمجتمع، وغياب صانع القرار ذو النية الحسنة لتحسين البيئة الاستثمارية لجذب الشركات العالمية.

العشائر ورجال الدين والمؤسسات الدينية تمثل الحرس القديم في التغيير الاجتماعي والحرس القديم يحاول دائماً أن يبقي على علاقات الإنتاج التقليدية وعلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي التقليدي ولا ترغب بالتغيير ولذلك لا يمكن لشيوخ عشائر ولا يمكن للمؤسسات دينية إن تكون فاعلة في التحول الاقتصادي بل هي عقبة في طريق التحول الاقتصادي وفي طريق التحول الاجتماعي ايضاً، فالدولة المدنية قائمة على أساس مبادرة المواطن وفاعلية المواطن والسلوك فإطلاق المجال للمبادرة الفردية يتطلب تحطيم التقاليد التقليدية والعادات والروابط التقليدية وتُنشئ مصالح وعادات وتقاليد وقيم جديدة مبنية على أساس الفرد وإرادة وحرية الفرد تحت مظلة القوانين التي تحفظ الحقوق والحريات.

مرتكزات حقيقية للاقتصاد

عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الإستراتيجية غياب الاستقرار الحقيقي في الجانب السياسي من أجل بناء الدولة، فإذا كانت هناك نية لبناء فنحتاج رسم خطة بعيدة الأمد بمرتكزات حقيقية للاقتصاد، إن جميع ما يناقش هو كيفية إمرار الموازنة.

الجانب الأخر وهو القطاع الخاص فهو منهمك في كيفية الاستيراد الاستفادة من الربح، أما من جانب كيفية تنمية الاقتصاد العراقي وكيفية تنمية المنتجات الوطنية فلا توجد مقومات لدعم القطاع الخاص من قبل الدولة.

السؤال الثاني: ما هي الحلول اللازمة لتصحيح التحول الاقتصادي في العراق؟

أبرز الحلول التي ركز عليها المشاركون في الملتقى تمثلت بالآتي:

1- إصلاح الجانب السياسي على اعتبار انه مقدمة لتحقيق الاستقرار السياسي وثم تحقيق التحول الاقتصادي.

2- محاربة الفساد من خلال تقوية المؤسسات ذات العلاقة.

3- تثقيف المواطن اقتصادياً وذلك من خلال الاعتماد على الذات ومغادرة ثقافة الاتكالية.

4- خلق المناخ الاستثماري الذي يشجع على توطين استثمارات القطاع الخاص المحلي وجذب الاستثمارات الخارجية.

5- تشغيل مصانع الدولة الجاهزة للعمل.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2019
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2