تحل بالعالم أزمة كبيرة لم يشهد العالم لها مثيلاً منذ أزمة الكساد العظيم في القرن الماضي، في حين يرى عدد من الخبراء أن الأزمة الاقتصادية الحالية قد تتجاوز تلك الأزمة، خاصة وأنه لم تتضح بعد أبعادها وتداعياتها وأنها ما زالت في بداياتها، وأن الوقت مازال مبكراً لمعرفة تلك التداعيات، بدأت هذه الأزمة تظهر مع بدء أزمة الرهن العقاري، وهي أول مرحلة من مراحلها حيث بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية وأدت إلى زلزال اقتصادي نتج عنه إفلاس شركات الرهن العقاري وفقدان الملايين من الأسر لمنازلهم وممتلكاتهم، ولأن العالم يعيش عصر العولمة فإن تلك الأزمة امتدت لتطال أوروبا ثم دول العالم الأخرى بما فيها الدول العربية وإسرائيل، وقد أدت هذه الأزمة إلى تدهور القطاع العقاري وزيادة العرض على الطلب ثم انخفاض أسعار العقارات وأسعار الأراضي وتوقف المطورون العقاريون عن تنفيذ مشاريعهم أو تأجيلها.

في وقت سابق طغت تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على وسائل الإعلام الإسرائيلية، حيث بدأ يظهر للعيان وبوضوح مدى عمق وتأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على الاقتصاد الإسرائيلي، ولا يكاد يمر يوم حتى تنشر الصحف الإسرائيلية اليومية، تقريرا أو ملفا عن انضمام الآلاف المستخدمين في القطاع الاقتصادي لسوق البطالة، وان النمو الذي شهده الاقتصاد الإسرائيلي قاب قوسين أو أدنى من التوقف.

وتشير الصحف الإسرائيلية إلى انضمام إسرائيل إلى الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربت العالم في السنوات الماضية، حتى وصل الأمر بصحيفة "يديعوت احرنوت" كبرى الصحف الإسرائيلية اليومية، بوصف تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على إسرائيل، وتواصل موجه الفصل في الشركات الإسرائيلية الكبرى في شهر آذار ـ مارس الماضي إسرائيل: "دولة بدون عمل".

حيث تم فصل حوالي 3000 عاطل عن العمل في مجال الصناعة خلال اشهر، وفصل 5000 موظف في فروع التكنولوجيا المتقدمة (الهاي تك)، وان إسرائيل تعيش في بطالة، وسوق العمال يتقلص يوما بعد يوم، وموجة فصل العمال مستمرة ولا تتوقف للحظة، وهي أزمة لم تشهدها إسرائيل منذ سنوات عديدة، الأزمة الاقتصادية ضربت العالم، وها هي تعصف في سماء إسرائيل، وكل ما يمكن أن تفعله الدولة هو إعرابها عن الأسف العميق بسبب موجة البطالة.

بالارقام بطالة متدنية وعجز متفاقم

تكشف الأرقام الإسرائيلية المعلنة عن صورة يمكن القول أنها ورديه بعض الشيء، إذ تصور الوضع على أن اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي في مسار إيجابي دائمًا، فوفقًا لـ"المكتب المركزي للإحصاء"، كان متوسط الراتب الإجمالي للعاملين في إسرائيل في مارس (آذار) 2019 هو 11.140 شيكل إسرائيلي (3.100 دولار) شهريًا، أي أعلى بنسبة 3% عما كان عليه في مارس 2018.

ناهيك عن أنه من يناير (كانون الثاني) إلى مارس 2019، ارتفع متوسط الأجور بمعدل 4.1% سنويًا، بعد ارتفاع سنوي بنسبة 5.4% في أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) 2018، بينما نمت القوى العاملة بأكثر من 2% سنويًا، في ظل أن معدل البطالة هو واحد من أدنى المعدلات في العالم المتقدم، إذ يبلغ 4% فقط، فيما يتوقع أن يصل معدل النمو في عام 2019 إلى 3.2%، وهو معدل مرتفع نسبيًا، يضاف إلى كل هذه الأرقام الإيجابية أن الاحتياطي النقدي يواصل تسجليه مستويات غير مسبوقة متجاوزًا مستوى 120 مليار دولار بنهاية النصف الأول من 2019، لكن السؤال الآن هل هذه المؤشرات كافية للقول إن مستقبل إسرائيل في أمان من المخاطر؟

في الواقع وبالرغم من أهمية المؤشرات المذكورة، إلا أنها لا تضمن حماية للاقتصاد الإسرائيلي من الصدمات، فعلى مستوى النمو، رغم إن اقتصاد إسرائيل نما بنسبة 3.2% في 2018، وهو معدل جيد كما ذكرنا، لكن بنظرة أعم نجد أن هذا المعدل دون المتوقع وهو الأبطأ منذ 2015 بينما جاء هذا النمو مدفوعًا بالزيادة في الإنفاق الخاص والحكومي وفي استثمارات الأصول الثابتة، كما أنه جاء أقل من توقعات بنك إسرائيل المركزي، والتي كانت تشير إلى نمو بنسبة 3.7% في 2018.

ومن جانبه، يتوقع "صندوق النقد الدولي" الذي أنهى زيارة إلى إسرائيل قبل شهر من الآن أن يصل العجز في الميزانية إلى 3.5% على الأقل هذا العام، ارتفاعًا من 3% في 2018، قائلًا إنه: "ينبغي لإسرائيل أن تهدف إلى تقليص العجز في ميزانيتها بدءًا من عام 2020 من خلال خفض إعفاءات ضريبية وإجراءات أخرى"، إذ أكد الصندوق أن السياسات الحالية تشير إلى مزيد من الزيادات في العجز في الأعوام المقبلة، وهو ما أكدته وكالة "فيتش سوليوشنز" للتصنيفات الائتمانية أيضًا.

وبحسب ما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" فقد سجل العجز المالي في يونيو (حزيران) الماضي، 3.9% من الناتج القومي الإجمالي، بينما من المتوقع أن يرتفع هذا العجز بعد الانتخابات المقبلة المقررة في الفترات المقبلة، ما يلزم أي حكومة قادمة بإقرار تقليص حاد في موازنة الدولة، وتوصية محافظ "بنك إسرائيل" برفع الضرائب وإلغاء الإعفاءات التي أقرت سابقًا.

مستقبل قاتم لاسرائيل

يعود السبب الرئيسي لمواصلة العجز المالي في الموازنة الإسرائيلية ارتفاعه، إلى ارتفاع المصروفات الحكومية وتراجع مداخيل الحكومة من الضرائب، وهذا يعني أن الحكومة المقبلة، التي سيتم تشكيلها حتمًا على أساس اتفاقيات ائتلاف مكلفة، ستضطر إلى خفض النفقات أو رفع الضرائب أو كليهما، وهو ما يعني، أن الوضع الوردي الحالي للاقتصاد الإسرائيلي، ربما لن يشبه مستقبله القريب.

وبالحديث عن العجز، يمكن القول أن العجز ليس سيئًا بالضرورة، خاصة عندما يكون هناك نمو اقتصادي، لكن المشكلة الأساسية هو في تجاوز مستوى العجز المستهدف، وهو ما يحدث في إسرائيل حاليًا، وإذا فشلت الحكومة في وضع خطط جادة لسد هذه الفجوة بين المستهدف والمحقق، فقد يكون التصنيف الائتماني لإسرائيل في خطر.

وفي الوقت الذي امتنعت وكالات التصنيف الائتماني عن خفض تصنيف إسرائيل؛ إذ تعتقد أن الحكومة المقبلة ستتخذ الخطوات اللازمة لحل هذه المشكلة، من خلال تبني سياسات لكبح جماح عجز الميزانية واستعادة العجز إلى هدفه المحدد سلفًا، لكن مثل هذه الإجراءات التي لا تحظى بشعبية وإذا وضعنًا السياسة في الحسبان، فمثل هذه الإجراءات مستبعدة حاليًا، فإعادة الاستقرار الاقتصادي يستلزم تخفيض النفقات وتخفيض عدد العاملين في القطاع العام، لكن من الصعب توقع حدوث ذلك.

إمكانات الخصخصة

تحاول الحكومات الإسرائيلية تشجيع المبادرات الاقتصادية، ونجحت سياستها منذ تسعينيات القرن المنصرم في تقليص تدخلها المباشر في الاقتصاد، وعليه أطلقت الدولة حملة خصخصة كبرى تمثلت ببيع المئات من الشركات الحكومية فضلا عن إلغائها شبه المطلق لدعم أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية وتحديد أحقية المقصود من تشجيعهم للاستثمارات والصادرات الخارجية.

في العقد الأول من تطبيق هذه السياسة خصخص العديد من مجمعات الشركات الصغرى، واكتسبت هذه العملية زخما في العامين الماضيين ما عاد بدخل مقداره ثلاثة مليارات دولار إثر بيع مشاريع كبرى مثل بعض المصارف وشركات "أل عال" (الخطوط الجوية الصهيونية) و"تسيم" للإبحار و"بيزك" للاتصالات وصناعة الزيوت مطروحة على الأجندة، كما تنوي الحكومة تحويل بعض الخدمات التي تقدمها إلى القطاع الخاص، وفي مقابل ذلك من الصعوبة بمكان أن تصل المؤسسات الصهيونية إلى درجة خصخصة بعض فروع قطاعاتها الاقتصادية الإسرائيلية الإستراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بالصناعات الحربية وصادراتها على سبيل المثال لا الحصر.

البنك المركزي: نظام اسرائيل المالي في خطر

حذر "بنك إسرائيل المركزي" من أن النظام المالي لإسرائيل عرضة لمخاطر كبيرة بسبب انخفاض عائدات السندات في الولايات المتحدة وزيادة مستويات الديون العالمية، كما توقع البنك وفقًا لتقرير الاستقرار المالي الذي نشره مؤخرًا، تشديدًا عامًا للبيئة المالية العالمية بسبب التخفيضات في تصنيفات جودة الائتمان إلى جانب تحقيق المخاطر مما سيؤدي إلى انخفاض أسعار الأصول المالية العالمية.

وأشار المركزي أيضًا إلى أن إسرائيل ستتأثر بهذا الركود بسبب "الارتباط الكبير بين أسواق رأس المال في إسرائيل والعالم الخارجي" على حد وصف التقرير، الأمر الذي سينتج عنه تداعيات خطيرة على كل من أسعار الأصول المالية في إسرائيل، وكذلك الرغبة في المخاطرة المالية، وكنتيجة للأوضاع العالمية ارتفعت مخاطر السيولة في إسرائيل بسبب المستويات المرتفعة لسندات الشركات المحتفظ بها في صناديق الاستثمار المشترك والاستثمارات السلبية، في ظل انقلاب منحنى عائد سندات الخزانة لمدة 10 سنوات في الولايات المتحدة – هذا المنحني الذي يقيس العلاقة بين مستويات أسعار الفائدة ووقت استحقاق السندات – واستشهد به البنك أيضًا باعتباره جهة فاعلة رئيسة في احتمال جلب الاضطرابات إلى النظام المالي بإسرائيل.

على الجانب الآخر حذر مختصون من ارتفاع مخاطر الائتمان الحكومي بسبب عجز الموازنة الحالي، وحذرو أيضًا من أوضاع سوق العقارات في الأشهر الأخيرة؛ إذ ينصح البنك الحكومة بزيادة الاستثمار في بناء المساكن لمنع الصعوبات المستقبلية التي يمكن أن تضر الاقتصاد، قائلًا: "من أجل خفض احتمالية حدوث صدمة في هذا السوق على المدى الطويل، من المهم الحفاظ على مستوى الاستثمار الذي يستجيب لحجم الطلب وتجنب استئناف الضغط التصاعدي على أسعار المنازل".

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال annabaa010@gmail.com
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ لوثائقي)

....................................
المصادر
- ساسة بوست
- عربي 48
- الجزيرة
- عربي 21
- إرم نيوز‬‎

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4