(أ ف ب) - في المرتفعات المحيطة بخليج كورنثيا، تزرع اريتي زاهاروبولو الزهور العطرية كحل لمواجهة الركود الاقتصادي السائد في البلاد والذي تحمّل مسؤوليته للطبقة السياسية اليونانية، قبل الانتخابات التشريعية المبكّرة المرتقبة في 7 تموز/يوليو، بالنسبة الى هذه المحاسبة التي تحولت الى الزراعة بعد ستة اعوام من تخرجها، حلّ موسم القطاف في بلدة درفيني المطلة على الخليج بإقليم بيلوبونيز.

وعلى غرار مئات الآلاف من مواطنيها، اضطرت هذه الأم لأربعة أولاد أن تشمّر عن ساعديها في عمر 57 عاماً. وتوضح أنّ "الشركة التي كنت أعمل فيها بأثينا قلّصت عدد العاملين في 2013، ووجدت نفسي بلا عمل. أنا مثال على الأزمة".

وفي ظل استحالة التفكير بالتقاعد قبل سن الـ67، اندفعت نحو "تحقيق حلمها": زراعة نباتات عطرية عضوية، أتمّت اريتي حلقة دراسية في علم النبات، ثمّ غادرت أثينا عام 2014 لإنشاء عملها الخاص عبر استئجار أراض متروكة في بيرغوس عند المرتفعات المطلة على درفيني، على بعد نحو 140 كيلومترا جنوب غرب أثينا.

غير أنّ مردود مشروعها يبقى "متواضعاً" قياسا بالحاجات اليومية، بينما هاجر زوجها إلى السويد بحثاً عن "راتب لائق"، ولا يتجاوز انتاجها بضع عشرات من الكيلوغرامات. كما أنّها تتكفّل بنفسها التوزيع، هرباً من تكاليف إضافية ستذهب إلى وسطاء، رغم ذلك، تقول المرأة إنّها متفائلة: "مثل جميع من يعمل في الأرض، آمل عبور هذه المرحلة الصعبة".

إفقار

على مسافة أسبوع من الانتخابات التشريعية المبكرة، تأسف اريتي لعدم معاقبة المسؤولين السياسيين رغم مسؤوليتهم عن "محنة" البلاد، وتشير استطلاعات الرأي إلى تقدّم كيرياكوس ميتسوتاكيس، زعيم حزب الديموقراطية-الجديدة اليميني ووزير الإصلاح الإداري خلال الأزمة بين عامي 2013-2015، وترجّح فوزه في مواجهة رئيس الوزراء اليساري اليكسيس تسيبراس، وسجّل تسيبراس الذي تسلّم السلطة قبل أربع سنوات ويجري انتقاده لزيادة الضرائب خلال ولايته تحت ضغط دائني أثينا، خسارة مهمة في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، وفي ظل ظرف يتصف بالاستقطاب الحاد، يتبادل الزعيمان الانتقادات ويتراشقان بمسؤولية إفقار اليونانيين، ورغم الانتعاش الاقتصادي الخجول منذ عام 2017، فإنّ الفقر لا يزال يطال 23% من الشعب.

من جانبه، يذكّر أستاذ السياسات الاجتماعية في جامعة بونتيون بأثينا ايوانيس كوزيس أنّ "ما جرى في أوروبا على مدى عقود، عرفته اليونان بصورة مفاجئة خلال الأعوام الماضية: زيادة الدين الخاص والعمل بدوام جزئي بنسبة 27% في مقابل 5% قبل الأزمة"، ويضيف أنّ "إغلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم بعد 2010، والخفض الحاد للمهن الحرّة وانخفاض الإيرادات، أدخل البلاد في ركود لا يزال ينتج فقراء جددا".

استقالة

في الطريق المتعرجة من بيرغوس نحو الساحل البحري، تتعاقب بساتين الزيتون والحمضيات، فيما تظهر في آخر المشهد المياه الزرقاء التي تحيط بدرفيني، لكن ّشاطىء هذه البلدة التي تضم نحو 900 نسمة لا يجذب سوى سكان اثينا نهاية الأسبوع لأنّ "السياحة غير متطورة بشكل كاف هنا" كما يقول كوستاس ابن الـ25 عاماً والعامل في مقهىن ويشتكي الشاب من أنّ كلّ أصدقائه غادروا المكان نحو أثينا والخارج، وحتى الخدمات العامة أو المصارف تغلق أبوابها بسبب قلة النشاط الاقتصادي.

بدوره، يقول صاحب المقهى يانيس نيسوتاكيس إنّ "لا أحد يريد العمل في الحقول. الحامض الآتي من الأرجنتين يباع بيورو للكيلوغرام الواحد، ما يكسر المنافسة"، وكان يانيس موظفاً في مصرف سوسيتيه جنرال في أثينا قبل أن يقرر المصرف الفرنسي مغادرة البلاد في بدايات الأزمة عام 2010. ثم انتقل للعمل في مصرف يوناني لعامين، قبل أن يقرر ختاماً افتتاح مقهى يستضيف فيه فرقاً موسيقية.

لا يندم على هذا التحوّل، ولكنّه أيضاً لا يتفاءل بالوضع الاقتصادي. يقول غاضباً "اليونان تفتقد للأمل وهذا خطأنا. كما أنّ لا شيء سيتغيّر مع الديموقراطية العائلية"، في إشارة إلى كيرياكوس ميتسوتاكيس المتحدر من عائلة سياسية كبيرة.

يبدو هذا التنصّل من الطبقة السياسية التي يجري تحميلها مسؤولية الأزمة شاملا في اليونان. وفي الانتخابات المحلية التي جرت بداية حزيران/يونيو، بلغ مستوى عدم المشاركة مستوى قياسياً، فلامس 60% في بعض المناطق، بالنسبة إلى ايوانيس كوزيس، فإنّ "اليونان في عنق زجاجة" بسبب ديونها الضخمة التي تحرم مسؤوليها هامش مناورة يسمح بصوغ "نموذج انتاج جديد"، ويعتبر أنّ هذا "تسبب بجو من الاستسلام والرضوخ ضمن المجتمع، ما يمكن أن يقود نحو أزمة جديدة".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1