الاحتياطي الفيدرالي ليس البنك المركزي الوحيد المتورط في التمويل المالي المباشر أو غير المباشر. الواقع أن الوضع الحالي يثير تساؤلات مزعجة للبنوك المركزية، بما في ذلك ما إذا كان الالتزام بتزويد النظام باحتياطيات وفيرة يزيد من انعدام استقرار تمويل الديون الحكومية. لضمان صحة اقتصاداتها في الأمد البعيد، يحتاج القائمون...
بقلم: راغورام ج. راجان
شيكاغو ــ تحتاج اليابان، والولايات المتحدة، ودول أخرى أصبحت ديونها السيادية تعادل مجموع ناتجها المحلي الإجمالي أو تزيد عنه، إلى تقليص عجزها المالي لمنع ديونها من النمو إلى مستويات مخيفة. وتصبح المشكلة مقلقة بشكل خاص عندما تواجه الدولة أسعار فائدة حقيقية أعلى، لأن العجز المالي يرتفع بدرجة أكبر عندما تعيد الحكومة تمويل ديونها. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو احتمال حدوث حلقة مفرغة، حيث تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة العجز، فيؤدي هذا بدوره إلى أسعار فائدة أعلى مع خسارة المستثمرين الثقة في موارد الحكومة المالية.
من المؤكد أن ارتفاع أسعار الفائدة في السوق قد يكون أيضا دعوة مفيدة للاستيقاظ إذا اتخذت الحكومة، خوفا من الدوامة المدمرة، خطوات لخفض العجز. لكن ضبط الأوضاع المالية يتطلب تدابير التقشف المؤلمة، ومن الواضح أن قِـلة من السياسيين قد يرغبون في إخضاع ناخبيهم لذلك.
في الماضي، حاولت بعض الحكومات تأجيل الألم من خلال جعل البنك المركزي يشتري ديونها، والتي مولها عن طريق إصدار احتياطيات للبنوك التجارية (وهي ممارسة تُعرف، بشكل أكثر شيوعا، بمسمى طباعة النقود). لكن في هذه العملية، توسعت قروض البنوك التجارية، وازدادت نفقات الشركات والمستهلكين، وأدى الازدهار الذي تلا ذلك إلى ارتفاع التضخم. ولتجنب التضخم المتسارع، اضطر البنك المركزي إلى إبطاء الاقتصاد بشكل حاد عن طريق رفع أسعار الفائدة إلى ما يزيد كثيرا عن معدل التضخم. وكانت النتيجة النهائية تدهور الوضع المالي، لأن دورة الازدهار والركود أضرت بالاقتصاد، وتركت الحكومة تتحمل تكاليف خدمة ديون أعلى. في النهاية، أدركت هذه البلدان خطورة الموقف وحظرت التمويل المباشر من البنك المركزي لعجز الحكومة.
لكن في السنوات الأخيرة، عاد هذا التمويل إلى الظهور في كتيب السياسات. لم يكن من الممكن خفض أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر بعد الأزمة المالية في 2007-2008، لذا قررت البنوك المركزية تحفيز الاقتصاد عن طريق شراء سندات حكومية من مؤسسات مالية، ودفع ثمنها من احتياطيات البنك المركزي السائلة. كان الأمل أن تستعيض هذه المؤسسات المالية عن السندات الحكومية المباعة بقروض طويلة الأجل للشركات، وبالتالي تحفيز الاقتصاد. علاوة على ذلك، كان من المتوقع أن يؤدي التوسع الهائل في احتياطيات البنك المركزي إلى تبديد المخاوف من نقص السيولة، ليزيد هذا من تحفيز الإقراض.
لم ير مؤيدو هذه البرامج، التي أصبحت تُعرف بمسمى "التيسير الكمي" (QE)، على أنها تمويل من البنك المركزي للحكومة. وبرغم أن البنك المركزي اشترى سندات حكومية، فإنه لم يشترها مباشرة من الحكومة. الأمر الأكثر أهمية هو أن الحكومة لم تكن بحاجة إلى التمويل. فقد كان التسهيل الكمي عملية نقدية بحتة، كما زعموا، ومن الممكن بيع السندات التي يحتفظ بها البنك المركزي بسهولة من خلال "التشديد الكمي" (QT) عندما يترسخ التعافي الاقتصادي.
من المؤسف أنه في حين كان من السهل إنجاز التيسير الكمي، لم يكن التشديد الكمي سهلا. فبعد ثلاث جولات من التيسير الكمي بين أواخر 2008 و2014، تنامت حيازات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من سندات الخزانة من 800 مليار دولار إلى حوالي 2.5 تريليون دولار. ولكن عندما حاول الاحتياطي الفيدرالي تقليص هذه الحيازات من خلال التشديد الكمي في 2018، انهارت الأسواق في نهاية المطاف، وبدأ الاحتياطي الفيدرالي في شراء السندات مرة أخرى في سبتمبر/أيلول 2019. ثم مع إنفاق الحكومة الأميركية مبالغ طائلة أثناء جائحة كوفيد-19، عاد الاحتياطي الفيدرالي إلى تقديم الدعم مرة أخرى. وبحلول منتصف عام 2022، تنامت حيازاته من سندات الخزانة إلى 5.8 تريليون دولار.
مع انتعاش الاقتصاد الأميركي اليوم واستمرار ارتفاع التضخم، حان الوقت الآن لكي يقلص بنك الاحتياطي الفيدرالي حيازاته. لكنه لم يوقف فقط آخر عمليات التشديد الكمي مع بقاء حيازاته من سندات الخزانة عند مستوى 4.2 تريليون دولار (خمسة أضعاف المستوى في عام 2008)؛ بل وعد أيضا بشراء مزيد من سندات الخزانة حسب الضرورة، بدءا بمشتريات بقيمة 40 مليار دولار في يناير/كانون الثاني. وما كان عملية نقدية عندما كان التضخم واحتياجات التمويل الحكومي منخفضة يتحول إلى تمويل مالي عندما يكون العكس هو الصحيح.
كَسِتار، قد يزعم الاحتياطي الفيدرالي إنه يدعم ببساطة احتياجات السيولة في الاقتصاد، التي تنامت منذ عام 2008. لكن احتياجات السيولة تشمل التمويل المالي غير المباشر. يتمثل حاملو السندات الحكومية الطويلة الأجل الطبيعيون في صناديق التقاعد وشركات التأمين، التي لديها التزامات طويلة الأجل. كما تظهر دراسة حديثة أجراها زميلي في كلية بوث، أنيل كاشاب، ومشاركوه في الدراسة، تجد هذه المؤسسات عائدات السندات الحكومية غير جذابة وتشتري سندات الشركات للحصول على عائد إضافي. ولكن نظرا لتوفر عدد قليل نسبيا من سندات الشركات الطويلة الأجل، فإنها تشتري سندات الشركات القصيرة الأجل وتضيف مدة من خلال شراء عقود آجلة على سندات الخزانة.
لبيع العقود الآجلة بهذه الكميات الضخمة التي تحتاج إليها المؤسسات، يظهر شيء يشبه آلة روب جولدبرج (آلة شديدة التعقيد تؤدي وظيفة في غاية البساطة). تتولى صناديق التحوط الجانب الآخر من الصفقة، حيث تحوط نفسها عن طريق شراء سندات حكومية، يجري تمويلها في سوق إعادة الشراء بكميات هائلة من الإقراض القصير الأجل، والتي بدورها تستمر بفضل السيولة التي يوفرها الاحتياطي الفيدرالي. بالنظر إلى هذه الديناميكيات، من الصعب أن نصدق أن الاحتياطي الفيدرالي ليس لاعبا رئيسيا في تمويل العجز الحكومي، سواء من خلال حيازاته أو بشكل غير مباشر من خلال استعداده لتوفير السيولة التي تحتاج إليها صناديق التحوط.
لا أحد يقترح أننا نقترب من حلقة هلاك أميركية. ولكن مع بقاء أسعار الفائدة الحكومية دون مستواها الطبيعي، فلن يكون لدى الكونجرس أي حافز يُـذكَر لتقليص العجز، الأمر الذي يزيد من خطر حدوث هذا السيناريو. علاوة على ذلك، لأن الاحتياطي الفيدرالي يمول حيازاته من الديون الحكومية باحتياطيات يُعاد تسعيرها يوميا، فإن خسائره ستتزايد بسرعة إذا ارتفعت أسعار الفائدة، على نحو يساهم في حلقة الهلاك. ومع انعدام جاذبية أسعار السندات الحكومية في نظر شركات التأمين وصناديق التقاعد، سوف تستمر صناديق التحوط في تمويل أكثر من تريليون دولار من السندات الحكومية الطويلة الأجل بالاقتراض القصير الأجل. وهذه ليست وصفة داعمة للاستقرار بأي حال من الأحوال.
الاحتياطي الفيدرالي ليس البنك المركزي الوحيد المتورط في التمويل المالي المباشر أو غير المباشر. الواقع أن الوضع الحالي يثير تساؤلات مزعجة للبنوك المركزية، بما في ذلك ما إذا كان الالتزام بتزويد النظام باحتياطيات وفيرة يزيد من انعدام استقرار تمويل الديون الحكومية. لضمان صحة اقتصاداتها في الأمد البعيد، يحتاج القائمون على البنوك المركزية إلى إجابات أفضل.



اضف تعليق