يشير مصطلح السياسة الصناعية إلى استخدام مجموعة واسعة من الأدوات، من الضوابط التنظيمية إلى إعانات الدعم والحوافز الضريبية، لدعم النمو الاقتصادي الشامل أو تعزيز الدينامية في قطاعات بعينها. الواقع أن السياسة الصناعية قديمة قِـدَم الدولة. فبالعودة إلى عهد أسرة هان في الصين قبل ألفي عام، سنجد أن صناعة...

بقلم: دانييل جروس

ميلانو ــ انتقلت "السياسة الصناعية" إلى مركز المناقشات الاقتصادية، بل وحتى المناقشات التي تتناول الأمن القومي، من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي. لكن هذا المصطلح قد يكون مضللا، ليس بسبب غموض معناه فحسب، بل وأيضا لأنه لا يعبر عن الحتمية الحقيقية التي تواجه صُـنّـاع السياسات.

يشير مصطلح السياسة الصناعية إلى استخدام مجموعة واسعة من الأدوات، من الضوابط التنظيمية إلى إعانات الدعم والحوافز الضريبية، لدعم النمو الاقتصادي الشامل أو تعزيز الدينامية في قطاعات بعينها. الواقع أن السياسة الصناعية قديمة قِـدَم الدولة. فبالعودة إلى عهد أسرة هان في الصين قبل ألفي عام، سنجد أن صناعة الحديد كانت حكرا على الدولة. وفي أوروبا، تمتد ملاحقة السياسة الصناعية إلى أعماق بعيدة في التاريخ. فقد أنفقت الحكومات الأوروبية قرونا من الزمن في دعم الصناعات والتكنولوجيات الحيوية ــ وخاصة تلك الأكثر صِـلة بالحرب ــ من أجل الحفاظ على سبقها لأعدائها، الذين كانوا غالبا جيرانها أيضا.

وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، اتبعت الحكومات الأوروبية سياسات صناعية الغرض منها تحقيق التكامل، وليس التقاتل، فيما بينها. بدأ التحول الجوهري في عام 1950، مع إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب. بعيدا عن محاولة تحسين فرص البلدان في الحرب، عملت هذه السياسة الصناعية لعموم أوروبا، والتي كان الهدف منها تجميع إنتاج الفحم والصلب، على تثبيط النزعة القتالية في القارة. كان وضع الفحم والصلب ــ وكلاهما يشكل ضرورة أساسية لإنتاج الدبابات والمدافع ــ تحت سيطرة هيئة عليا مشتركة يعني عدم قدرة أي دولة على تسليح نفسها ضد الدول الأخرى.

من ناحية أخرى، دعمت هذه السياسة التعافي الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية. من الممكن أيضا وصف خطوات حاسمة أخرى نحو التكامل الأوروبي على أنها سياسة صناعية. بدأ الاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم ببرنامج لإلغاء التعريفات الجمركية بين بلدان أوروبا بإنشاء اتحاد جمركي في عام 1958. ثم أعقب ذلك جهود حثيثة للحد من الروتين على الحدود الأوروبية من خلال التنسيق بين مئات من الضوابط التنظيمية، وتوجت تلك الجهود بقانون السوق الموحدة في عام 1992. تلاحق البلدان الأوروبية الأعضاء أيضا سياسات صناعية فردية، وإن كانت الضوابط الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على المساعدات من جانب الدولة ــ بما في ذلك منع إعانات الدعم التي تقدمها دولة بعينها من إعطاء الشركات ميزة تنافسية غير عادلة ــ تحد من حيز المناورة المتاح لها. لكن الحكومات الوطنية لا تزال تستثمر في مشاريع البحث والتطوير، وتدعم التعليم الفني، وتشيد البنية الأساسية اللازمة.

يتفق أغلب أهل الاقتصاد على أن مثل هذه التدخلات من الممكن أن تعمل على تعزيز النمو والدينامية. وتحتدم المناقشة الدائرة حول السياسة الصناعية عندما يتعلق الأمر بالتساؤل حول ما إذا كان ينبغي للحكومات أن تتدخل بشكل مباشر في الاقتصاد من خلال دعم قطاعات بعينها. وتأتي دراسة حديثة أجرتها ريكا جوهاس، وناثان جيه. لين، وداني رودريك، والتي أظهرت أن التدابير الحكومية من الممكن أن تخلف عواقب بعيدة الأمد على مواقع صناعات بعينها، لتصب الزيت على النار.

لكن احتلال السياسات الصناعية لهذه المرتبة العالية على أجندات الحكومات اليوم ليس راجعا إلى أن الأبحاث الاقتصادية تقول إن هذا ما ينبغي لها. بل إن الدافع الذي يحرك الحكومات في المقام الأول هو التوترات الجيوسياسية: فقد استحدثت كل من الولايات المتحدة والصين استراتيجيات صناعية رسمية تؤكد على الحاجة إلى تزويد القطاعات التي تعتبر بالغة الأهمية للأمن القومي بالدعم. وعلى هذا فإن المنافسة الصناعية بين القوى العظمى اليوم تشبه إلى حد كبير أوروبا القديمة التي مزقتها الحروب.

ولكن ماذا عن السياسة الصناعية المعمول بها في عموم أوروبا؟ نشرت المفوضية الأوروبية مؤخرا قائمة بالتكنولوجيات الحرجة. ولكن في تنفيذ سياسة صناعية على غرار تلك المعمول بها في الولايات المتحدة أو الصين، تواجه أوروبا مفارقة: فقد عملت الجهود التي بذلها الاتحاد الأوروبي لإنهاء استخدام السياسة الصناعية كأداة جيوسياسية بين الدول الأوروبية على الحد بدرجة كبيرة من الحيز المتاح للبلدان الأعضاء للاستجابة للسياسات الصناعية ذات الدوافع الجيوسياسية التي تنتهجها جهات أخرى.

من المؤكد أن الاتحاد الأوروبي تعامل مع قطاعات تشهد انحدرا. ففي عام 1978، عندما كانت صناعة الصلب تناضل في مواجهة صعوبات، نفذت الجماعة الاقتصادية الأوروبية ما يسمى خطة دافينيون، التي حددت سقف الإنتاج في مختلف الدول الأوروبية بطريقة شبه تناسبية. لكن الاتحاد الأوروبي لم يحتضن قَـط سياسة صناعية نشطة، ويرجع هذا إلى سبب بسيط مفاده أنه، على النقيض من الصين أو الولايات المتحدة، لا يملك ميزانية فيدرالية يمكن من خلالها تزويد قطاعات بعينها بإعانات دعم كبيرة. من المفهوم بالتالي أن تدعو رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى إنشاء صندوق سيادي أوروبي جديد.

لكن من المنطقي أيضا أن يكون القادة الوطنيون، الذين سيضطرون إلى تمويل هذا الصندوق، عازفين عن تسليم أموال دافعي الضرائب في بلدانهم إلى الاتحاد الأوروبي لتعزيز التنمية الصناعية في مكان آخر. في غياب تمويل سياسة صناعية مشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي، تلجأ المفوضية الأوروبية إلى تخفيف القواعد التي تحكم مساعدات الدولة. على سبيل المثال، بموجب قانون الرقائق الإلكترونية الأوروبي، تستطيع المفوضية الموافقة على دعم وطني موجه لصالح مصانع أشباه الموصلات الكبرى.

ولكن هل تخلف قدرة البلدان الأعضاء المكتشفة حديثا على دعم صناعات بعينها التأثير المرغوب؟ تتوقف الإجابة على هذا السؤال على الجانب الذي تسانده في مناقشة السياسة الصناعية. سوف يرحب بهذا النهج الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي أولئك الذين يعتقدون أن الحكومات قادرة على تحديد القطاعات التي تتمتع بإمكانات النمو الإيجابي، خاصة وأن المفوضية تحتفظ بالحق في تقييم ما إذا كانت أي مساعدة حكومية وطنية متناسبة ومعززة للكفاءة.

من ناحية أخرى، يعتقد المتشككون أن الحكومات الوطنية من المرجح أن تمول "الشركات الوطنية الكبرى" أو المشاريع المريحة سياسيا، وأن البيروقراطيين في الاتحاد الأوروبي لا يمثلون الجهة الملائمة لتفكيك سلاسل العرض المعقدة وتحديد القطاعات التي تتمتع بالقدر الأعظم من الإمكانات. تشير تجارب سابقة تسلط الضوء على سيطرة الشركات الوطنية الكبرى على الساسة إلى أن وجهة نظر المتشككين ربما تكون الأكثر واقعية. من ناحية أخرى، من الممكن أن تدور السياسة الصناعية، بل ينبغي لها أن تدور، حول ما يتجاوز كثيرا مجرد تزويد مؤسسات ضخمة بمليارات اليورو لتستخدمها في بناء مصانع التكنولوجيا الفائقة في الداخل.

فمن شأن زيادة الإنفاق على مشاريع البحث والتطوير أن تعمل على تزويد صناعة التكنولوجيا الفائقة في عموم الأمر بقاعدة أقوى. ولا يزال من الممكن استهداف وتوجيه هذا الدعم غير المباشر. على سبيل المثال، سوف تستفيد صناعة الرقائق الإلكترونية الدقيقة من إنشاء مدارس فنية متخصصة ودعم الخبرات المحلية في العناصر الأساسية التي تدخل في عملية صنع الرقائق الإلكترونية. الواقع أن هذا النهج يُـعَـد استراتيجية أكثر من كونه سياسة ــ ومن المرجح أن يعود بقدر أعظم كثيرا من النفع على أوروبا مقارنة بضخ الأموال العامة إلى قِـلة من المصانع الضخمة.

* دانييل جروس، مدير معهد صنع السياسات الأوروبية في جامعة بوكوني.
https://www.project-syndicate.org/

اضف تعليق