لا تختلف مسيرة الاقتصادات عن مسيرة الأفراد في الحياة، فكما إن المسيرة الطبيعية للأفراد هي النشاط والنمو، بشكل عام؛ والخمول والتراجع في حالات استثنائية كذلك الحال بالنسبة للاقتصادات.

حيث يحصل النشاط والنمو للأفراد بشكل تلقائي حينما تتوفر العوامل الذاتية المتمثلة بالنشاط الدائم استناداً للتفكير السليم والصحة الجسمية، والعوامل الموضوعية المتمثلة بوجود الحرية استناداً للبيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وبعبارة أوضح، إن الأفراد يسعون لتحقيق رؤاهم وأهدافهم في الحياة بناءاً على أمرين:

أولاً: وجود الحرية

ثانياً: النشاط الدائم

إذ إن الأفراد الذين يتمتعون بالحرية ينطلقون من ذواتهم بلا تردد ولا ريب وهم في نشاط دائم لتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم وفق رؤية خاصة بهم بناءاً على مهاراتهم وابتكاراتهم، ونتيجة لنشاطهم الدائم ستجدهم أفراد أقوياء أصحاء عقلياً وبدنياً وهم في نمو دائم.

لكن في حال غياب الحرية سينطلق الأفراد من ذوات المستبدين -الأسرة أو المجتمع أو النظام السياسي- بعيداً عن ذواتهم ويصبحون بلا رؤية وبلا هدف وتموت طموحاتهم وتطلعاتهم فيقل الحافز لديهم للقيام بالنشاط أو يعملون بلا اندفاع فيكونوا أفراد ضعفاء عقلياً وبدنياً والنتيجة تراجع النمو.

وحتى في ظل توفر العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية إن الأغلب من الأفراد يتعرضون لحالات استثنائية تفرض عليهم التوقف عن النشاط والنمو لمرحلة مؤقتة (كمرض عادي أو حادث ما) يزول ذلك التوقف بانتهاء تلك الحالة وأثرها أو علاجها. أما الأقل منهم يتعرض لحالات استثنائية دائمة (كالسرطان مثلاً) يصعب علاجها فيكون الخمول والتراجع باستمرار.

وتجب الإشارة لمسألة الحرية، إن الحرية التي يتمتع بها الأفراد لا بد أن تكون حرية مسؤولة لا منفلتة، لان الأخيرة عكس الأولى تحول الأفراد من أصحاء عقلياً وبدنياً إلى ضعفاء عقلياً وبدنياً في حين الأولى تحافظ عليهم بل وتزيد في صحتهم.

كذلك الحال بالنسبة للاقتصادات، فالاقتصادات التي تتمتع بالحرية الاقتصادية ولديها المقومات الذاتية كالموارد الطبيعية والبشرية ستجدها اقتصادات حيوية ونشطة والنتيجة متقدمة. أما الاقتصادات التي لا تتمتع بالحرية الاقتصادية وتكون الدولة هي المسؤول الأول والأخير عنها ستكون اقتصادات خاملة وغير نشطة والنتيجة متخلفة.

الاقتصادات والحرية الاقتصادية

إن الاقتصادات التي تتمتع بالحرية الاقتصادية تسمح للقطاع الخاص بامتلاك وسائل الإنتاج وممارسة النشاط الاقتصادي وحرية الدخول والخروج من وإلى الأسواق، مما يعني إن الاقتصاد يخلو من كلف القيود التي تفرضها الدولة، والاقتصاد الذي يكون أقل كُلفاً يكون أخف وأكثر قدرةً على المناورة والبقاء في ظل الانفتاح العالمي اقتصادياً.

إن تبني الاقتصادات للحرية الاقتصادية يعني إن الأسعار تتحدد وفقاً لقوى السوق؛ العرض والطلب، وهذا ما يؤدي لتحديد الموارد بشكل حقيقي أيها تتسم بالندرة وأيها تتسم بالوفرة؟ فيتم استثمار النادرة أفضل استثمار لإشباع الحاجات المتزايدة.

فحينما يتسم أحد الموارد بكميات قليلة لا تكفي لإشباع الحاجات المتزايدة، سترتفع أسعاره، بحكم قوى السوق، وهذا ما يفرض على المُنتج والمستهلك إيجاد طرق جديدة تؤدي لاستثمار هذا المورد أفضل استثمار، من أجل أن يرفع المنتج أرباحه أكثر ما يمكن والمستهلك منفعته أكثر ما يمكن.

إن سعي القطاع الخاص سواء كان مُنتجاً أو مستهلكاً في ظل الاقتصادات التي تتمتع بالحرية الاقتصادية لإيجاد طرق جديدة تؤدي لاستثمار الموارد أفضل استثمار، يعني تخفيض تكاليف الإنتاج وتخفيض الأسعار وزيادة القدرة التنافسية للاقتصاد في الاقتصاد العالمي مقابل تعظيم منفعة الاستهلاك بأقل الكلف للمجتمع لان الأخير سيبحث عن المُنتَج الأفضل سعراً وجودةً.

الاقتصادات وهيمنة الدولة

بينما لا تسمح الاقتصادات التي تهيمن الدولة فيها على الاقتصاد للقطاع الخاص بالملكية لوسائل الإنتاج وتحدد نشاطه الاقتصادي وتحجم حركته من وإلى الأسواق الداخلية والخارجية، هذا ما يحمل الاقتصاد تكاليف إضافية هي كلف القيود التي تفرضها الدولة فيكون الاقتصاد أكثر ثُقلاً وأقل قدرةً على المناورة والبقاء.

لان الدولة لا تسمح لقوى السوق بإظهار الموارد النادرة ليتم استثمارها أفضل استثمار وإشباع الحاجات المتزايدة، بمعنى إنها تقوم عبر جهاز التخطيط بتجميد الأسعار، وهذا ما يُثبط المُنتج والمستهلك من البحث عن طرق جديدة للاستثمار لتعظيم أرباح الأول ومنفعة الثاني.

إن تجميد الأسعار عبر جهاز التخطيط يعني تخفيض الأرباح وضعف الحافز للبحث عن طرق جديدة للإنتاج وعدم استثمار الموارد أفضل استثمار بل وهدرها، مما يعني إن الإنتاج سيكون أكثر كلفةً وأقل جودةً، فيكون الاقتصاد فاقداً للتنافسية وغير قابل للبقاء.

يمكن القول، إن أداء الاقتصادات يرتبط بشكل طردي مع الحرية الاقتصادية وبشكل عكسي مع غياب الحرية الاقتصادية، فالاقتصادات التي تتوفر فيها الحرية الاقتصادية هي اقتصادات متقدمة أو هي في طريقها للتقدم إذا ما بدأت تسلك طريق الحرية الاقتصادية والعكس صحيح.

الاقتصاد العراقي والحرية الاقتصادية

قبل عام 2003

يُعد عام 2003 نقطة فاصلة -وإن كانت غير مُحكمة بحكم التأثير المستمر– لشؤون عديدة في العراق ومنها الشأن الاقتصادي.

قبل عام 2003 كان الاقتصاد العراقي تحت هيمنة الدولة حتى وإن سمح للقطاع الخاص بممارسة دوراً ما، لان هذا السماح هو مرحلي ومؤقت كما أشرنا في مقال سابق، فكانت الدولة هي من تسيّر الاقتصاد وفقاً لرؤيتها، وكانت تملك الموارد والأرض وكل شيء تقريباً.

بمعنى إن الحرية الاقتصادية كانت ضعيفة جداً، فكان أداء الاقتصاد ضعيف أيضاً، لان الدولة والنظام على وجه التحديد عمل على تسخير الاقتصاد لمصالحه وبما يسهم في ترسيخ دعائمه بعيداً عن المنطق الاقتصادي السليم وحاجة الشعب العراقي.

بعد عام 2003

لكن بعد عام 2003 اتجه الاقتصاد العراقي صوب نظام جديد ألا وهو نظام اقتصاد السوق الذي يسمح بالحرية الاقتصادية والملكية الخاصة والدخول والخروج من وإلى الأسواق، ومع ذلك لم يدخل العراق تصنيف مؤشر الحرية الاقتصادية الصادر عن مؤسسة التراث وصحيفة وال ستريت جورنال.

التوجه نحو اقتصاد السوق في العراق لا يزال لم يأتي بثماره، وذلك لعدم تطبيقه بشكل سليم، إضافة لغياب الاستقرار السياسي بحكم ضعف النظام السياسي الذي جاء من رأس الهرم وليس من قاعدته! فانعكس سلباً على الوضع الأمني فتدهورت بيئة الأعمال واحتل المرتبة 182 من أصل 190 في مؤشر سهولة أداء الأعمال العالمي.

كما إن تصلب الجهاز الإداري وتعقيد الإجراءات الإدارية بدلاً من مرونته وتبسيطها، أسهما في شيوع الفساد في مفاصل الدولة -160 من أصل 180دولة عام 2020- مما يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج وارتفاع الأسعار مقارنةً بأسعار السلع الأجنبية وتقويض القدرة التنافسية للاقتصاد.

فضلاً عن عدم اعتماد التدريجية في مسألة انسحاب الدولة والتحول الاقتصادي، فكان الانسحاب والتحول مفاجئ فلم يستوعب الشعب الذي تعلم على العيش في ظل الدولة لمدة طويلة من العيش بالاعتماد على ذاته خلال ليلة وضحها، هذه الصدمة المفاجئة، والنتيجة استمرار ضعف الاقتصاد العراقي حتى بعد عام 2003.

خلاصة القول

وسيبقى الاقتصاد العراقي يعاني من الضعف ما لم يعمل على ترسيخ الحرية الاقتصادية والسماح للقطاع الخاص بممارسة النشاط الاقتصادي بيسر وسهولة من خلال العمل على محاربة ومنع الفساد وتهيئة بيئة الأعمال الجاذبة والمشجعة للقطاع الخاص على الاستثمار.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5